دراما رمضان

دراما رمضان… مرآة الهبوط

كتب رياض الفرطوسي

كل عام، مع حلول شهر رمضان، تتكرر الشكوى نفسها.
المسلسلات ضعيفة، القصص مستهلكة، الحوار ركيك، والكوميديا أقرب إلى الضجيج منها إلى الفن. يتحدث كثيرون عن هبوط الدراما كما لو أنه حادث طارئ، كأن الرداءة سقطت فجأة على الشاشة، لا كأنها خرجت من الواقع نفسه الذي نعيش فيه.

المفارقة أن بعض المحتجين يتحدثون عن هذه المسلسلات كما لو أنهم عادوا لتوهم من مسرح في فيينا، أو من أمسية موسيقية في ستوكهولم، أو من شوارع هادئة في جنيف. كأنهم خرجوا قبل قليل من عرض لباليه بحيرة البجع لتشايكوفسكي، أو من الاستماع إلى الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس، أو من التأمل في الحزن الساحر لكونشيرتو أرنخويث لخواكين رودريغو.

لكن الحقيقة أقل رومانسية بكثير.

الدراما ليست كائناً معلقاً في الهواء، ولا جزيرة مستقلة عن المجتمع. إنها مرآته. وإذا بدت الصورة قبيحة في المرآة، فالمشكلة ليست في الزجاج.

هبوط الدراما في رمضان ليس حادثاً فنياً معزولاً، بل عرض من أعراض هبوط أوسع. هبوط في الذوق العام، في السياسة، في التعليم، في الثقافة، في اللغة، وحتى في العلاقات الإنسانية نفسها. حين يهبط كل شيء، من الطبيعي أن تهبط الدراما أيضاً.

العمل الفني الرصين يحتاج بيئة. يحتاج مناخاً يسمح له بأن يتنفس. مثل السمك الذي لا يستطيع السباحة في الرمل، لا يستطيع الفن الحقيقي أن يعيش في بيئة لا تقرأ، ولا تناقش، ولا تتقبل النقد.

الكاتب الجريء يحتاج مؤسسة تحميه.
المخرج المغامر يحتاج منتجاً يغامر معه.
والمنتج يحتاج سوقاً تؤمن بأن الفن ليس مجرد مادة للاستهلاك السريع.

في بلدان كثيرة من العالم يستطيع كاتب أو مخرج معروف أن يحصل على تمويل من مصرف أو مؤسسة ثقافية لأن اسمه وحده يُعد ضمانة. العمل الفني هناك جزء من الاقتصاد ومن صورة المجتمع عن نفسه.

أما في عالمنا العربي، فالفنان يقف غالباً بين نارين. سلطة تخاف من الجرأة، وجمهور سريع الغضب. سلطة لا تريد أن ترى عيوبها على الشاشة، وجمهور لا يريد أن يرى عيوبه أيضاً.

وهنا المفارقة العجيبة.

المجتمع قد يتعايش يومياً مع الفوضى والفساد والرداءة في الحياة العامة، لكنه يصاب بالذعر حين يراها مجسدة في عمل درامي. كأن الفن يصبح فجأة جريمة لأنه قال بصوت عال ما يعرفه الجميع بصوت خافت.

الخوف من المرآة سمة معروفة في المجتمعات المغلقة. لا أحد يخجل من العيوب، لكن الجميع يخجل من الحديث عنها. فتتراكم العيوب، ثم تتحول مع الوقت إلى أزمات كبيرة.

لهذا تبدو الرداءة في الحياة اليومية أمراً عادياً. لكنها حين تظهر على الشاشة تتحول إلى فضيحة.

المسلسلات الرديئة ليست المرض، بل الفقاعات التي تطفو على سطح البحيرة. المرض الحقيقي في القاع.

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من مفارقة أخرى. فداخل هذا الركام تظهر أحياناً مواهب حقيقية. ممثلون يمتلكون حضوراً لافتاً، لكنهم يعملون داخل نصوص ضعيفة أو إخراج مقلد أو إنتاج يخاف المغامرة.

التقليد أصبح أسهل من الابتكار.
والمألوف أكثر أماناً من المغامرة.

وهكذا تتحول الدراما إلى إعادة تدوير مستمرة للحكايات نفسها، والشخصيات نفسها، والنهايات نفسها.

المشكلة ليست في ممثل واحد، ولا في كاتب واحد، ولا في مخرج واحد. المشكلة في المناخ كله.

حين يهبط الوعي الثقافي، يهبط سقف التوقعات.
وحين يهبط سقف التوقعات يصبح الرديء مقبولاً، ثم عادياً، ثم مطلوباً.

عند تلك اللحظة تبدأ الصخرة بالانحدار من قمة الجبل. والمشكلة أن الصخور لا تتوقف في منتصف الطريق.

لهذا كتب الروائي ميلان كونديرا يوماً أن العالم قد يصبح أحياناً عصياً على الإصلاح، وأن المقاومة الوحيدة الممكنة هي ألا نأخذه دائماً على محمل الجد.

لكن الفن الحقيقي يفعل شيئاً آخر أيضاً.

إنه يذكّرنا بما يمكن أن نكونه، لا بما أصبحنا عليه فقط.

ولهذا تبقى الدراما الجيدة خطراً في المجتمعات المتعبة.
لأنها ببساطة… ترفع السقف.

والسقف المرتفع يزعج من اعتاد العيش في غرفة منخفضة.