بقلم: حسين شكران العقيلي
١٧ اذار ٢٠٢٦
تتجلى إشكالية الوحدة الإسلامية في الوعي المعاصر بوصفها (يوتوبيا) معلقة بين نصوص الوحي المقدسة التي تؤكد على حتمية الجسد الواحد، وبين واقع جيوسياسي ممزق تتقاذفه أمواج المصالح القطرية والتدخلات الدولية. إن القراءة النقدية لهذا المفهوم تقتضي منا الخروج من عباءة الوعظ العاطفي والدخول في مختبر التحليل الديالكتيكي، حيث تتصادم فكرة (الأمة) مع مفهوم (الدولة الوطنية) وتتبدد الشعارات الوحدوية أمام اختبارات الواقع القاسية في ثنائية الحرب والسلم. ففي لحظات الصدام العسكري، غالباً ما تستيقظ الوحدة كـ =رد فعل) وجداني وصرخة احتجاج جماعية تملأ الميادين والمنصات، لكنها تفتقر إلى الأنياب المؤسسية والغطاء الاستراتيجي الموحد، مما يجعلها وحدة (صوتية) سرعان ما تخبو جذوتها بمجرد صمت المدافع.
وعلى الضفة الأخرى، يبرز التحدي الأكبر في (ضغوط السلم) ، حيث تتوارى فكرة الجسد الواحد خلف أسوار البيروقراطية والحدود المصطنعة والتنافس الاقتصادي المحموم، ليتحول (الآخر) المسلم في كثير من الأحيان إلى منافس تجاري أو خصم سياسي بدلاً من كونه عضداً استراتيجياً. إن العلة لا تكمن في غياب (الإيمان) بضرورة الوحدة، بل في غياب (العقلانية) التي تحول هذا الإيمان إلى برامج عمل وتكامل اقتصادي وعلمي يتجاوز الحساسيات المذهبية والقطرية. ومن هنا، فإن إعادة قراءة فاعلية الوحدة تتطلب تفكيك هذا الجمود، والاعتراف بأن استحقاقات البقاء في عالم التكتلات الكبرى لا تُنال بالتمني، بل ببناء منظومة مصالح مشتركة تجعل من الوحدة ضرورة وجودية لا مجرد خيار تاريخي أو عاطفة عبرة، وهو ما يحتم علينا مراجعة عميقة لمنظوماتنا الفكرية والتربوية التي شكلت وعينا بالهوية والانتماء.
انطلاقاً من هذه الأرضية المفاهيمية، يتضح أن استعصاء الوحدة الإسلامية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تآكل في (البنية التحتية) للفكر الاستراتيجي المشترك. فبينما يغرق الخطاب التقليدي في استدعاء الأمجاد التاريخية والتباكي على الجسد الواحد، نجد أن الواقع الاقتصادي والسياسي يسير في اتجاهات معاكسة تماماً؛ إذ تحولت الدول الإسلامية إلى جزر معزولة اقتصادياً، ترتبط مصالحها الحيوية بالكتل الغربية والشرقية أكثر مما ترتبط ببعضها البعض. إن هذا التجزؤ ليس مجرد نتيجة لتقسيمات استعمارية قديمة، بل هو انعكاس لغياب (الإرادة المؤسسة) التي تحول المشترك الديني إلى مصالح ملموسة. ففي زمن السلم، تغيب السوق المشتركة، وتتعقد إجراءات التنقل، وتنكفئ الأبحاث العلمية على أطر وطنية ضيقة، مما يجعل (الجسد الواحد( مجرد استعارة بلاغية تفتقر إلى الدورة الدموية التي تمنحها الحياة والقدرة على الصمود.
وعندما تنتقل المعادلة إلى (استحقاقات الحرب) ، تبرز الفجوة بشكل أكثر مأساوية؛ حيث يجد العقل المسلم نفسه أمام مأزق (الارتهان للخارج) في التسليح والتقنية وحتى في القرار السياسي. هنا، يتجلى (ديالكتيك الوحدة) في أقسى صوره: فالشعوب تضغط باتجاه التلاحم، بينما الأنظمة السياسية محاصرة بضغوط التوازنات الدولية التي تجعل من (الوقوف مع الأخ) مخاطرة جيوسياسية قد تؤدي إلى العزلة أو العقوبات. إن هذا الانفصام بين العاطفة الشعبية والضرورة السياسية يؤكد أن الوحدة لن تتحقق عبر البوابات العسكرية أولاً، بل عبر (الاشتباك الحضاري) الذي يبدأ بتوحيد المناهج التربوية وتعميق الوعي بالفلسفة التنموية المشتركة. إننا بحاجة إلى الانتقال من (وحدة الوجدان) التي تنفجر في الأزمات، إلى (وحدة المصلحة والكيان) التي تُبنى في الرخاء لتكون سياجاً في الشدة، وهو ما يتطلب شجاعة نقدية تضع اليد على الجرح، وتعترف بأن الهوية الجامعة لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى قوة اقتصادية وسياسية مهابة الجانب في خارطة العالم المتغير.
ختاماً، إن ديالكتيك الوحدة الإسلامية يضعنا أمام مرآة الحقيقة التي لا تجامل؛ فإما أن نظل أسرى لنوستالجيا (الجسد الواحد) كشعار عاطفي يستهلك في الخطب والمناسبات، أو نقتحم أسوار الواقع برؤية نقدية تحول هذا الشعار إلى (كتلة تاريخية) صلبة. إن مقتضيات الحرب وضغوط السلم في عالمنا المعاصر لا تمنح الضعفاء المشتتين ترف الانتظار، فالبقاء اليوم للأقوى تكتلاً والأرسخ تكاملاً. لقد آن الأوان للوعي الجمعي الإسلامي، بنخبه الفكرية ومؤسساته السياسية، أن يدرك بأن الوحدة ليست (هبة) تهبط من السماء، بل هي (بناء) يُشيّد بمداميك المصالح المشتركة والتعاون العلمي والسيادة الاقتصادية. إن “الشهود الحضاري” الذي ننشده يفرض علينا أن نجعل من الوحدة مشروعاً مستداماً يتنفس في الرخاء كما في الشدة، لتنتقل الأمة من خانة “المفعول به” في الصراعات الدولية إلى خانة “الفاعل” المؤثر الذي يمتلك قراره ورؤيته، وبذلك فقط، نستعيد البوصلة التائهة في دروب التجزئة، ونرسم معالم مستقبل يليق بأمة أريد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس.
@إشارة
ديالكتيك الوحدة الإسلامية: قراءة نقدية في فاعلية الجسد الواحد بين استحقاقات الحرب وضغوط السلم