رياض سعد
**مقدمة: الإنسان مرآة محيطه
يبدأ التغيير الحقيقي في هذا العالم من النقطة التي يلتقي فيها وعي الإنسان بذاته مع سلوكه تجاه محيطه.
إن المرء ليس مجرد عابر سبيل في هذه الحياة، بل هو صانع أثر، ومصدر طاقة يفيض بها على من حوله… ؛ غير أن الكثيرين يغفلون عن حقيقة أن المظاهر الخارجية التي يحيطون بها أنفسهم —من بؤس، أو فوضى، أو كآبة— ليست سوى انعكاس لخراب داخلي، يحول حياتهم وحياة الآخرين إلى جحيم صامت.
**الوجود والملامح: الوجدان الإنساني وسيكولوجية التعبير
خفّف من مظاهر البؤس والحزن في شخصك، وفي بيتك، وفي مكتبك، وفي محل عملك، وفي الشارع، وفي المسجد، وفي السوق… ؛ لا تمشِ عابس الوجه وكأنك تحمل مأتمًا متنقّلًا على كتفيك… ؛ فالحزن ليس فضيلة في ذاته، والعبوس ليس دليلًا على الوقار، والكآبة ليست علامة على العمق الفكري.
إن أول ما يطالع به الإنسان أخاه الإنسان هو وجهه؛ لذا فإن التخفيف من مظاهر البؤْس والحزن في الشخصية , يعد ضرورة وجودية ونفسية.
* الوجه رسالة سلام: ليس من المروءة ولا من الوعي أن يسير المرء بين الناس مكفهر الوجه، مقطب الحاجبين، ينظر إلى الوجوه شزرًا او بنظرات حزينة منكسرة، كأنه يبكي فلا يبصر طريقًا ولا بشرًا.
* إشراق المحيا: اجعل ملامحك أكثر هدوءًا وجمالًا… , دع الابتسامة تستقر على وجهك؛ فالابتسامة ليست مجرّد حركة عضلية، بل رسالة نفسية واجتماعية تقول للآخرين: «ما زال في هذا العالم متّسع للأمل»… , والوجه المبتسم يشيع الطمأنينة، ويزرع في النفوس شعورًا بالأمان والقبول، ، والابتسامة رسالة ايجابية، وجسرٌ من النور يصل بينك وبين القلوب، وأول خطواتك نحو السلام الداخلي والتواصل الإنساني الراقي… ؛ في حين أن الوجوه العابسة تنقل القلق والتوتر والخوف … ؛ والحزن إذا تملك هيئتك صار رسالة سلبية تُرسلها للعالم قبل أن تنطق بكلمة واحدة .
نعم , الابتسامة ليست ترفاً عاطفياً، بل هي فعل وجودي يُؤكد أنك اخترت الحياة رغم جراحها… , إنها أول أبواب النظافة النفسية.
** فلسفة المكان: البيت بين جلال الحياة وظلمة المقابر
ينسحب هذا الوعي بالجمال على البيئة اللصيقة بالإنسان: بيته ومسكنه.
إن البيت ملاذ الروح، فلا ينبغي أن يتحول إلى مأتم دائم.
إن تنظيف البيوت من مظاهر الحزن والبؤس والكآبة خطوة أساسية للاستقرار النفسي…, فالبيوت لم تُخلق لتكون مقابر، وصور الراحلين إنما تُوضع لتخليد ذكراهم في المقابر لا لتحويل الجدران إلى شواهد قبور تذكّر أهل الدار بالموت والحسرات في كل لحظة… , إن الإفراط في استحضار الفقد قد يجعل الإنسان سجين الماضي، عاجزًا عن احتضان الحاضر وصناعة المستقبل… ؛ فلا تحولوا بيوتكم إلى مقابر كئيبة.
حوّط ذكراهم بالدعاء والرحمة، واجعل مسكنك حديقةً للحياة، لا متحفاً للموت.
علم النفس الإيجابي يُخبرنا أن الفضاء البصري يُشكِّل عواطفنا؛ فالجدران المزدحمة بالذكريات الحزينة تُنتج طاقة راكدة، تماماً كالماء الآسن.
كذلك الأمر مع السمع والبصر؛ فالإصغاء المستمر للأغاني المؤلمة والموسيقى الجنائزية الكئيبة يجلب طاقة سلبية تثبط الهمم… , استبدل بها ما يرفع مستويات السعادة، ويشحذ الحيوية، ويزيد التدفق الروحي.
نعم لا تستمع إلى موسيقى حزينة تُثقل الروح… , املأ سمعك بما يرفع منسوب السعادة والطاقة والحيوية في نفسك، فالصوت الذي تختاره هو غذاءٌ لوجدانك، إمّا أن يبنيه أو يهدّه.
ليس المطلوب إنكار الألم، بل ألا تتخذ من الحزن نشيداً يومياً، لأن التكرار يُعمِّق المسارات العصبية للحزن في دماغك، فتصبح أسير ما تستمع إليه… , فالإنسان يتشكّل نفسيًا بما يسمع كما يتشكّل بما يرى ويقرأ…؛ استمع أحيانًا إلى ما يبعث في نفسك السكينة والنشاط والأمل والحيوية؛ لأن الروح، مثل الجسد، تحتاج إلى غذاء صحي ومتوازن
** السلوك الاجتماعي: النظافة والنظام كمعيار حضاري
من البيت ينطلق الإصلاح المدني… , إن تنظيف البيوت وترتيب الأثاث وتنسيق محتوياته يعكس انضباطًا داخليًا؛ فالبيت مأوى الإنسان، ولا يجوز إهماله حتى يغدو أشبه بحظيرة، أو مستودع للمواد التالفة والخردة، ومرتعًا للحشرات والقوارض.
نعم , إن نظافة الدار انعكاس لنظافة صاحبها , ومرآةٌ صادقةٌ لانضباطه الداخلي واحترامه لوجوده ، والترتيب الخارجي غالبًا ما يعكس نظامًا داخليًا في الفكر والنفس.
* النظافة الفردية أساس المسؤولية: إن المواطن الذي يفتقر إلى النظافة الشخصية، ويغض الطرف عن قذارة بيته، من سابع المستحيلات أن يكون نظيفًا في الشارع، أو أن يساهم في الحملات التطوعية لتنظيف محلته ومدينته… , فمن لا يُحسن رعاية خاصّته، لن يُحسن رعاية الامر العامّ… ؛ هيهات أن تُثمر الشجرة الميتة في الداخل ظلاً وارفاً في الخارج.
فالمواطن الوسخ شخصياً، والذي يُغض الطرف عن وساخة بيته، من المستحيل أن يكون نظيفاً في الخارج … ؛ ومن لا يحترم محيطه الصغير، لن يحترم محيطه الكبير…, والنظافة ليست فعلاً بلديًا فحسب، بل ثقافة وسلوك ومسؤولية أخلاقية.
* دائرة الأثر الارتدادي: تبدأ النظافة من المواطن وتعود إليه، وكذلك الفوضى… , إذا أكثرت في محيطك من مظاهر البؤس، والحزن، والظلم، والعنف، والجهل، فإنها سترتد إليك وإلى ذويك حتمًا، وستكتوي بنارها عاجلاً أم آجلاً.
فالذي يلوّث البيئة سيجد نفسه أو أحد أحبّته ضحية للأمراض… , والذي يخرق القانون ويهدد الأمن المجتمعي قد يصبح يومًا ضحية لفوضى صنعها بيده… ؛ هذا هو قانون الانعكاس الاجتماعي: ما تزرعه في الوجود يحصدك… ؛ لا تظن أنك تعيش في كوكب وحدك؛ كل ما تفعله سينعكس عليك.
إنه قانون كونيّ لا يحابي أحداً: إذا أكثرت من مظاهر البؤس والحزن والظلم والعنف والفساد والجهل، فإنها ستعود إليك وإلى ذويك حتماً، وقد تدفع ثمن ما يرتكبه الاخرون ..!!
** الوجود المشترك: نظرية “السفينة الواحدة”
لا يعيش الإنسان في كوكب معزول، وكل فعل يصدر عنه يترك تموجات في بركة الحياة المشتركة… , نحن جميعًا —أنا وأنت ونحن وهم— نركب قاربًا واحدًا تحيط به الأمواج العاتية.
إذا سمحنا لأحدنا بركوب جهله، والبدء بخرق جزء من هذه السفينة بحجة أنها “مساحته الخاصة أو انها قطعة عدوه ” ؛ و بحجة أنه يُغرِق عدوّه أو ندّه فحسب ، فإن أضرار هذا الخرق لن تقتصر على شخصٍ بعينه، بل سيمتدّ الخطر ليطال السفينة كلّها ومن فيها، فنغرق جميعاً معاً ؛ نعم , أن الغرق لن يميّز بين مذنب وبريء، ولا بين صديق وعدو، بل سيبتلع الجميع … , هذه هي شفافية الوجود الإنساني وهشاشته، إذ إن مصائرنا متشابكة، وجوداً وعدماً.
وكذلك هو المجتمع: إن ارتقيتَ أنت، وارتقيتُ أنا، وارتقوا هم إلى مستوى المسؤولية، وقمنا بتنظيف دورنا ومدارسنا وأسواقنا وشوارعنا وقرانا، فستُصبح الدنيا أحلى، والوطن أجمل… ؛ أما إذا فعلنا العكس، فستكون الحياة جحيماً لا يُطاق , ولا ينجو من آثاره أحد… ،وسنُصاب جميعاً بمختلف الأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية.
** خاتمة: الوعي هو طوق النجاة
الإنسان لا يخلق العالم الخارجي فحسب، بل يخلق نفسه من خلاله… , فكلما أحاط نفسه بالنظام والجمال والسلام، أصبح أكثر اتزانًا وقدرة على المعنى… , وكلما أغرق نفسه في الفوضى والقبح والتشاؤم، تحوّل تدريجيًا إلى مرآة لما يحيط به.
إن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ فالنفس المضيئة تنتج بيتًا مضيئًا، والبيت المضيء يصنع شارعًا أجمل، والشارع الجميل يساهم في بناء مدينة راقية، والمدينة الراقية تؤسس لوطن متحضّر… ؛ ولهذا جاء المعنى العميق في الآية القرآنية : ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.
فالمسألة في جوهرها ليست مسألة إمكانات مادية فحسب، بل هي مسألة وعي وثقافة ومعرفة وغيرة وطنية ورقي حضاري… , وما لم نتغيّر من الداخل، فلن يستطيع أحد أن يغيّرنا من الخارج، مهما امتلك من قوة وسلطة… ؛ فالأمم لا تنهض بكثرة الشكوى والبكاء، ولا بالسياط والضرب , وإنما تنهض حين تقلّل من مظاهر البؤس وتكثر من مظاهر الحياة… ؛ ويرتفع منسوب وعي ابناءها .
وعليه، خفّف من مظاهر القبح والوساخة والحقارة، وأكثر من الاهتمام بمظاهر النظافة والجمال والزراعة والإنسانية… ؛ إنه صراعٌ وجوديّ بين النور والظلمة، تبدأ جبهته الأولى في عمق النفس.
نعم، ما لم نتغيّر من الداخل، تغييراً ينبع من الوعي لا من الخوف، فلن يستطيع أحدٌ تغييرنا من الخارج وبالقوة… ؛ إنها مسألة وعيٍ وثقافةٍ ومعرفةٍ وغيرةٍ وطنية، وتجلٍّ من تجليات الرقي الحضاري… , فلا تتوقع خيراً من الجهلة والأنانيين وضيّقي الأفق، فهم أدواتُ الهدم، فكُن أنت أداة البناء، وابدأ بنفسك، تنيرُ بكَ الدنيا.