جديد

من القرار 425 إلى اتفاق نوفمبر 2024: هل يتبادل ترامب ونتنياهو الأدوار لشرعنة الاحتلال في لبنان؟

من القرار 425 إلى اتفاق نوفمبر 2024: هل يتبادل ترامب ونتنياهو الأدوار لشرعنة الاحتلال في لبنان؟

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

​لم تكن الدبلوماسية الأمريكية يوماً وسيطاً نزيهاً في الصراع العربي الإسرائيلي، بل كانت دائماً “المطافئ” التي تتدخل لإنقاذ تل أبيب عندما تضيق بها الخيارات الميدانية، أو “المهندس” الذي يصيغ الاتفاقيات لتأطير المكاسب الإسرائيلية وشرعنتها تحت مسميات “حق الدفاع عن النفس”.

و​اليوم، يتجلى هذا التواطؤ في أبهى صور الخداع عبر لعبة توزيع الأدوار المكشوفة بين الرئيس الأمريكي ترامب ونتنياهو.

مشهد كلاسيكي لـ “الشرطي الجيد” الذي يبيع الوعود والتهدئة وبصيص الأمل بالانسحاب، و”الشرطي السيئ” الذي ينفذ الأطماع الصهيونية التاريخية على الأرض بالحديد والنار.
​من القرار رقم 425 الصادر عام 1978 إلى اتفاق تشرين الثاني 2024؛ تاريخ من التواطؤ.
​التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يكشف الأقنعة؛ ففي عام 2000، وعندما أُجبرت إسرائيل على الانسحاب الذليل، حاولت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مادلين أولبرايت، الضغط بكل ثقلها على لبنان الرسمي لفرض إعتراف رسمي بعد 22 عامًا أن إسرائيل إنسحبت من كافة الأراضي اللبنانية مطبقة القرار الأممي 425.
ولكنها اصطدمت بعنفوان الرئيس المقاوم إميل لحود، الذي رفض التنازل عن شبر واحد من الأرض.
وفي تشرين الثاني من العام 2024، تكرر السيناريو بصياغةالإعلان لوقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر لتنفيذ القرار 1701؛ وتبيّن لاحقاً أنه لم يكن سوى “صك براءة” مكتوب وممنوح للإحتلال باليد الأخرى لاستباحة السيادة اللبنانية، حيث تجاوزت الانتهاكات وجرائم الحرب آلاف الخروقات دون رادع ولا تزال قوات الإحتلال حتى اليوم غير ملتزمة بوقف الأعمال العدائية نتيجة لصك إستباحة لبنان.
​ومع إعلان ترامب امس بوقف الحرب على كافة الجبهات بما فيها جبهة لبنان كنتيجة للإتفاق الأمريكي الإيراني بوساطة باكستانية؛
تبخّرت التعهدات على صخرة الأطماع الإسرائيلية، ليخرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس معلنًا صراحةً: “لن ننسحب من جنوب لبنان، وسنبقى في المناطق الأمنية لحماية بلداتنا وتدمير البنى التحتية”.

ولا بد من الأشارة​ بأن المفاوضات المباشرة الصورية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكا … قفزت فوق القوانبين الدولية.
​فالمحاولات الأمريكية لفرض إملاءات عبر “لقاءات صورية” في أروقة الخارجية الأمريكية بغياب الطرف الأساسي الذي يتعهد بوقف إطلاق النار وهو المقاومة، ليست سوى محاولة إلباس الإملاءات التي صدرت ثوب الشرعية.
فرئيس الوفد اللبناني لا يملك التفويض الشعبي أو الوطني الكامل من المقاومة ليتعهد بوقف إطلاق النار؛ وهو يحمل الجنسية الأمريكية وبالتالي فهو ملزم قانونًا بالإنصياع كليًا بموجب قسم الولاء لخدمة مصلحة أمريكا، والتي هي شريك كامل لقوات الإحتلال.

والقرارات الصادرة عن التفاوض مشكوك بقانونيتها ولا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به؛ لأنها نسفت أبسط قواعد القانون الدولي.

ف​بموجب القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة (لا سيما المادة 51)، لا يوجد شيء اسمه “حق الدفاع عن النفس” لقوة احتلال غاشمة تعتدي وتدمر وتبيد القرى. الحق المطلق والواجب المقدس هو للشعوب في مقاومة هذا الاحتلال حتى دحره إلى الحدود الدولية المعترف بها.

إن محاولة تصوير المقاومة كعدو للدولة اللبنانية هي تزوير فاضح لواقع أثبتته السنوات: من عام 2000 وعام 2006 وحتى تشرين الأول 2023، عاش لبنان استقراراً نسبياً وعصراً لم تتجرأ فيه إسرائيل على خرق قواعد الاشتباك لأنها كانت تعلم أن هناك قوة تردعها.

ف​أوهام “التناخ” تصطدم بصخرة أصحاب الأرض؛
​والسياسة التي يمارسها نتنياهو، مدفوعاً بـ “مهمة سماوية” مزعومة وتصريحات شركائه المتطرفين مثل سموتريتش وبن غفير حول الإستيطان في جنوب لبنان وتحويل الأرض( أكثر من 120 قرية) من “بستان إلى وعر”، وتهجير أكثر من مليون إنسان تتطابق مع الأطماع الصهيونية التاريخية المذكورة في أسفارهم.
​لكن هؤلاء يتناسون التاريخ؛ يتناسون أن الأرض لأصحابها، وأن قانون القوة الذي تفرضه واشنطن وتل أبيب لن يغير حقيقة أن القرار 425 والقرار 1701 يفرضان بوضوح انسحابًا كاملًا شاملَا حتى الحدود الدولية وأنً المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية لحقوق الإنسان تعطي الشعوب والدول الحق بالمقاومة.

وإنَّ أي اتفاق يُكتب بحبر الوعود الأمريكية ويسلب هذا الحق، لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به إن كان يشرعن بقاء جندي إسرائيلي واحد على أرض لبنان.

فالأرض لأهلها لا تُوهب بقرار أمريكي، والسيادة اللبنانية ستُنتزع بالمقاومة والصمود، وعلى العدو أن يفهم أن زمن الإملاءات قد ولَّى إلى غير رجعة.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

16 حزيران/يونيو 2026