فخّ لا حرب
قراءة في مقال وزير خارجية عُمان
كتب: رياض الفرطوسي
ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، بعضها يُدار بذكاء بارد، بخيوط غير مرئية، حتى يجد الجميع أنفسهم داخلها قبل أن يدركوا أنهم لم يختاروها أصلاً. من هذا الباب يطل مقال بدر البوسعيدي، لا بوصفه تعليقاً سياسياً، بل كإنذار هادئ، أشبه بجرس يُقرع في غرفة مزدحمة بالضجيج فلا ينتبه إليه إلا من اعتاد الإصغاء جيداً.
المقال لا يقول إن الحرب خطأ فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك، يلمّح إلى أن ما يحدث ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل مسار مُصمَّم بعناية، فخّ متعدد الطبقات، كل خطوة فيه تبدو مبررة، وكل رد فعل يبدو منطقياً، حتى تتراكم الخطوات وتُغلق كل مخارج التراجع.
النقطة التي ينطلق منها البوسعيدي ليست عسكرية، بل تفاوضية، لحظة كانت فيها واشنطن وطهران على مقربة من اتفاق حقيقي. لم يكن حلّاً مثالياً، لكنه كان كافياً لإبعاد شبح الانفجار. ثم، في توقيت يثير الريبة أكثر مما يفسّر، انهار المسار بضربة عسكرية، كأن هناك من لم يكن يريد لهذا الباب أن يُفتح أصلاً.
هنا تتغير الرواية. لم تعد الحرب نتيجة تعنّت طرف أو سوء تقدير مفاجئ، بل تبدو كخيار تم فرضه على حساب خيار آخر كان ينضج بصمت. هذه الفكرة وحدها كافية لخلخلة كل ما يُبنى عادة حول “حتمية الصراع”.
في قراءة البوسعيدي، لا تظهر إيران كاستثناء خارج النظام الدولي، بل كجزء من معادلة تم دفعها تدريجياً نحو الحافة. حين تتراكم الضغوط إلى حد الاختناق، يصبح الرد، مهما كان قاسياً، أقرب إلى رد فعل منه إلى قرار حر. السياسة هنا تُجرد من خطابها الأخلاقي، وتُعاد إلى أصلها الأول، توازن قوى لا أكثر.
لكن المفارقة الأشد وقعاً في المقال تكمن في موقع الولايات المتحدة نفسها. فبدلاً من صورة القوة التي تقود المشهد، تظهر كطرف ينجرف داخله. الرسالة واضحة، وربما قاسية، الانخراط في حرب لا تخدم المصلحة الوطنية ليس قوة، بل فقدان بوصلة. والأسوأ، أنه انتقال صامت من موقع الفاعل إلى موقع المُستدرَج.
الأخطر أن هذه الحرب، كما يلمّح المقال، ليست قصيرة ولا قابلة للحسم السريع. الحديث عن نصر خاطف أو تغيير نظام يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى التخطيط الواقعي. المنطقة ليست ساحة مفتوحة، بل شبكة معقدة، كل خيط فيها مشدود إلى خيوط أخرى، وأي محاولة لقطع أحدها قد تُسقط النسيج كله.
في الخلفية، يتحول الخليج إلى مرآة لهذا الارتباك. الدول التي راهنت على الاستقرار كمدخل للازدهار تجد نفسها أمام معادلة معكوسة، الأمن لم يعد ضمانة، بل صار مصدر تهديد. المشاريع الكبرى، من السياحة إلى التكنولوجيا، تقف الآن على أرض تهتز تحتها ببطء.
أما مضيق هرمز، فلا يحتاج إلى كثير شرح. حين يضيق هذا الشريان، لا تختنق المنطقة وحدها، بل يضيق العالم كله. ترتفع أسعار الطاقة، وتتسع دوائر القلق، ويبدأ الاقتصاد العالمي في التقاط أنفاسه بصعوبة. هنا تتجاوز الأزمة حدود السياسة، لتصبح مسألة بقاء اقتصادي.
وسط هذا المشهد، لا يكتفي البوسعيدي بالتشخيص، بل يغامر بطرح مخرج. ليس حلاً سحرياً، بل طريقاً شاقاً، العودة إلى التفاوض، ولكن ضمن إطار أوسع، إقليمي هذه المرة، يقوم على الشفافية النووية، والتوازن، وعدم الاعتداء. الفكرة ليست مثالية بقدر ما هي واقعية، إذا كان الصراع شاملاً، فلا يمكن حله بشكل جزئي.
اللافت في هذا الطرح أنه يعيد إدخال إيران إلى المعادلة كجزء من الحل، لا كعقبة يجب إزاحتها. هذا التحول في التفكير ليس تفصيلاً، بل انقلاب هادئ على منطق الإقصاء الذي حكم المنطقة لعقود.
سياسياً، أثار المقال صدى واضحاً، لأنه كسر السردية المريحة. في وقت يميل فيه الخطاب العام إلى التبسيط، جاء ليقول إن الأمور أعقد، وإن ما يبدو قراراً سيادياً قد يكون نتيجة دفع غير مرئي. بعض القراءات اعتبرته نقداً مبطناً لواشنطن، وأخرى رأته محاولة لفتح نافذة دبلوماسية في جدار مغلق. لكن ما اتفق عليه الجميع، أن النص لم يكن عادياً.
الإعلام تلقّف الفكرة الأكثر إثارة فيه، فكرة “الفخ”. لأنها ببساطة تُعيد تعريف كل ما يجري. الحرب، وفق هذا المنظور، ليست ذروة الصراع، بل نتيجته المصممة سلفاً. ليست انفجاراً، بل مساراً.
في النهاية، لا يمنح المقال إجابات نهائية، بل يترك القارئ أمام سؤال ثقيل، وربما مزعج، هل نحن أمام حرب بالفعل، أم أمام سيناريو مُحكم، تم فيه توزيع الأدوار بعناية، بحيث يسير الجميع نحوه وهم يعتقدون أنهم يختارون طريقهم؟
ذلك السؤال، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل هذا النص خطيراً، لأنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يزرع الشك في أساسه.