المثقف والمجتمع.. معادلة متوازنة لا تحتمل الخلل
✍د.علي عبدالله الدومري
المدير العام التنفيذي لمؤسسة الاتحاد العربي للصحفيين والإعلاميين والمثقفين العرب
تعتبر العلاقة بين المثقف والمجتمع علاقة روحية وفكرية وتاريخية واجتماعية، علاقة تنوير وتلقٍ واستجابة. فالمثقف يمثل شعاع تنوير لكل الزوايا المعتمة، وقلم تصحيح لكل الكلمات التي لم تكتمل معانيها من خلال شرحها وتوضيحها للمجتمع بأسلوب وجداني وفلسفي مقبول.
ومع إدراك المجتمع أن المثقف هو الحارس المؤتمن للقيم الاجتماعية، والمشعل الحامل لجذور الهوية الوطنية والتاريخية، ولسان حال كل شرائح المجتمع ونخبه وأطيافه، تتسم العلاقة بالديمومة الروحية والفكرية والفلكلورية التي يخالطها الفن واللحن والشجن والشوق
فالمجتمعات الواعية والراقية تجلّ المثقف وتعطيه حقّه المستحق من التقدير والإجلال والاحترام، لإيمانها الكبير بأن المثقف هو الشمعة التي تنير ظلام المجتمعات، والبوصلة التي تصح اعوجاج مسيرها.
بينما المجتمعات الجاهلة والغارقة في التخلف والعصبيات المقيتة فتمتهن المثقف وترى فيه خطراً يهدد بقاءها وحضورها، وقد تكون صادقة الشعور، لأن المثقف يكافح الجهل والتخلف والعصبية الطائفية والمناطقية. لا يؤمن بالكراهية، بل يسعى دائماً إلى نشر الوعي وزرع ثقافة العلم والمحبة والسلام والتعايش والبناء والتعمير والتطوير والتحديث والعمل.
ان المثقف هو الصوت المدافع عن الحريات وعن الحقوق وعن المظلومين وعن المستضعفين حين يسكت الجميع. وهو القلم الذي لا ينضب معينه عندما تتوقف الأقلام التقليدية وتعجز عن المواجهة بالحرف والنص والكلمة والقصيدة والمقال. وهو العين التي لا تغمض جفونها على الأخطاء والتجاوزات التي لا تشاهدها كثير من عيون المجتمع.
ورغم التحديات التي تعترض حياة المثقف والتجاذبات والتباينات حول رسالته ومهمته، يبقى شامخاً لا يتزعزع حين تتصدع الأفكار وتتشتت الرؤى والعقول. يبقى شوكة الميزان التي تضبط إيقاع المجتمع والدولة. ينتقد ويقارع ويصارع وينصح ويعلّم ويساعد ويفكر ويبتكر. لا يميل مع الرياح حيثما تميل، بل يعز صحة الفكر ويقف حيث الصواب.
والمرحلة اليوم تقتضي تعزيز العلاقة بين المثقف والمجتمع بما ينسجم مع متطلبات الواقع وتحديات المرحلة. فالمثقف يحتاج المجتمع والبيئة التي يهديها أفكاره، والأرض التي يزرع فيها بذور التنوير. والمجتمع يحتاج المثقف كضرورة، بوصفه حارساً ومدافعاً عن المجتمع من الهجمات الثقافية المتعددة والمختلفة التي يصعب تمييزها من قبل الكثير.
فالمثقف هو المجتمع، والمجتمع هو المثقف.. معادلة متوازنة الأطراف لا يعتريها الخلل. فالمجتمعات التي تحارب مثقفيها لا يحالفها النجاح، بل تعتبر كمن يغطي على عينيه ويمشي وهو لا يعرف أين يضع قدميه. والمثقف الذي لا تربطه علاقة قوية مع المجتمع ليس مثقفاً، بل يحمل الصفة ويفتقد الجوهر، لأن جوهر الثقافة هو العمل والتطبيق.