مفهوم الاغتراف والغرف (الا من اغترف غرفة بيده)

د. فاضل حسن شريف

القائد يقو الشيخ الطبرسي في تفسيره الآية البقرة 249: “إلا من اغترف غرفة بيده” (البقرة 249) إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد ومن قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار ملء كفه “فشربوا منه” أي شربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم قيل إن الذين شربوا منه غرفة كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا عن الحسن وقتادة وجماعة وقيل أربعة آلاف رجل ونافق ستة وسبعون ألفا ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر عن السدي وقيل من استكثر من ذلك الماء عطش ومن لم يشرب إلا غرفة روي وذهب عطشه ورد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ” ﴿البقرة 249﴾ بِيَدِهِ: بِ حرف جر، يَدِ اسم، هِ ضمير. فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه، ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني، لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن يده “إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ” ﴿البقرة 249﴾ ويتّضح في هذه الموارد الامتحان الكبير الذي تعرّض له بنو إسرائيل وهو المقاومة الشديدة للعطش، وكان هذا الامتحان ضروريّاً لجيش طالوت وخاصّة مع السّوابق السيّئة لهذا الجيش في بعض الحروب السابقة، لأنّ الإنتصار يتوقّف على مقدار الانضباط وقدرة الإيمان والإستقامة في مقابل الأعداء والطّاعة لأوامر القيادة. وطالوت الذي كان يتّجه بجنوده للجهاد، كان لابدّ له أن يعلم إلى أيّ مدى يمكن الإعتماد على طاعة هؤلاء الجنود، وعلى الأخصّ أُولئك الذين ارتضوه واستسلموا له على مضض متردّدين، ولكنّهم في الباطن كانت تراودهم الشكوك بالنسبة لإمرته، لذلك يؤمر طالوت أمراً إلهيّاً باختبارهم، فيخبرهم أنّهم سوف يصلون عمّا قريب إلى نهر، فعليهم أن يقاوموا عطشهم، وألاَّ يشربوا إلاَّ قليلاً، وبذلك يستطيع أن يعرف إن كان هؤلاء الذين يريدون أن يواجهوا سيوف الأعداء البتّارة يتحمّلون سويعات من العطش أم لا. قوله عز من قائل “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿المائدة 94﴾.

فَصَلَ بمعنى الفصل. قال الزمخشري: فصل عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه. وأصله فصل نفسه. ثم كثر: حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدى كانفصل. وقيل: فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصد ونحوهما. والمعنى انفصل عن بلده. و (النهر) بالفتح والسكون: المجرى الواسع الذي يجرى فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنى شقها. أى: فلما انفصل بهم عن المكان الذي كانوا يقيمون فيه، وتوجهوا معه لقتال جالوت وجنوده، قال لهم”إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ” (البقرة 249) أى مختبركم وممتحنكم بنهر، وكان طالوت قد سار بهم في أرض قفرة فأصابهم عطش شديد. وفي هذا الابتلاء اختبار لعزيمتهم، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى يتميز من يصبر على الحرب ممن لا يصبر، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم. ثم بين لهم موضع الاختبار فقال: “فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249). يَطْعَمْهُ أى يذقه من طعم الشيء يطعمه إذا ذاقه مأكولا أو مشروبا.”الْغُرْفَة ” بالضم اسم للشيء المغترف وجمعه غراف. وأما الغرفة بالفتح فهي اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل: هما لغتان بمعنى واحد. أى قال لهم طالوت: من شرب من هذا النهر فليس من شيعتي، فعليه أن يتركني ولا يصاحبنى في خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره، ومن لم يذقه أصلا فإنه من شيعتي وحزبى الذي سيكون معى في هذه المعركة الخطيرة. ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال: “إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249) فإنه لا يخرج بذلك عن كونه منى. وفي هذه الجملة الكريمة قدم سبحانه جواب الشرط على الاستثناء من الشرط فقد قال”وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ” (البقرة 249). والتأليف المعهود للناس أن يقال: (ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمة بليغة، وهي المسارعة إلى بيان الحكم، وإثبات أن أساس الصلة التي تربطهم بنبيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر، ثم رخص لهم بعد ذلك في الاغتراف باليد غرفة واحدة. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: فإن قلت: مم استثنى قوله”إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ” (البقرة 249)؟ قلت: من قوله: “فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي” (البقرة 249) والجملة الثانية في حكم المتأخرة إلا أنها قدمت للعناية ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. ثم ختم سبحانه ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ” (البقرة 249). أى: فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم في وقت تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب، إلا عددا قليلا منهم فإنهم لم يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم.