رياض سعد
مقدمة
تتوالى التعليقات والانتقادات التي تشير إلى أن ما يقوم به الكتاب الاحرار ؛ جهود بلا طائل … ؛ إذ لا يتجاوز عدد المتابعين الحقيقيين لمنشوراتهم وكتاباتهم وابحاثهم ومقالاتهم ونتاجاتهم عشرات الأفراد… ؛ غير أن العدد لم يكن قط ميزانًا لقيمة الخطاب، ولا مقياسًا لأثره… ؛ فاحيانا لا يقاس الخطاب لا بكثرة قرءاه ولا يقيم المحتوى بعدد متابعيه … ؛ انما بجودتهم وعمقهم ووعيهم… .
بعض الكتاب الاحرار لا يهدفون الى تحقيق ترند عابر … ؛ و لا الى شهرة تُستهلَك كما تُستهلَك العناوين السطحية … ؛ بل يهدفون الى ترك أثرٍ ملموس، ورسالة وعيٍ قد لا تُفهم اليوم، لكنها ربما تُقرأ غدًا، وقد تتحول هذه الكلمات إلى كتابٍ صامتٍ للأجيال القادمة — إن لم تُمحَ صفحاته…
وكلنا يعرف جيدًا من يملك مفاتيح الحبر الرقمي في زمن قد لا يُسمح فيه للحقيقة أن تُكتب .
أولًا: وهم الانتشار الطبيعي
عندما تتصفح صفحةً معينة، فترى منشوراتها تحصد ملايين الإعجابات، بينما صفحات أخرى لا يتجاوز عدد متابعيها الحقيقيين أو تفاعلها الفعلي بضعة عشرات، فاعلم أن المسألة ليست مسألة جودة محتوى، ولا عمق فكرة، ولا عبقرية طرح… ؛ إنها الخوارزميات — أو المال… ؛ فإعجابات تُشترى، وتفاعلٌ يُصنَّع، وانتشارٌ يُدفع ثمنه كما تُشترى الأصوات في أسواق السياسة… ؛ لم تعد الفكرة هي التي ترتفع بجدارتها؛ بل ما يُموَّل هو الذي يُرى .
ثانيًا: تحول المحتوى إلى سلعة
لقد تحوّل المحتوى إلى سلعة، والرأي إلى إعلان، والصوت إلى منتج يُروَّج له… ؛ اذ لم يعد السؤال: “ما الذي تقوله؟”، بل: “من يدفع ليُسمع ما تقول؟”… ؛ فإن لم تدفع — إن لم يقف خلفك ممول أو منظومة — سَيُترك صوتك في الظل، كأنك تتحدث إلى فراغٍ لا يسمع، وكأن كلماتك تُلقى في بئرٍ بلا صدى .
ثالثًا: حرية مشروطة باللامرئي
يمكنك أن تقول ما تشاء، أن تكتب، أن تصرخ، أن تنتقد — أنت “حر” — طالما أن صوتك لا يصل… ؛ لكن في اللحظة التي يبدأ فيها صوتك بالوصول، وفي اللحظة التي تلامس فيها كلماتك وعي الناس، تتحول فجأة من “صوت عادي” إلى “خطر”، ولا سيما إن كنت تخالف القواعد المنظومة والنظام… ؛ وهنا تتغير القواعد… ؛ فقد تُغلق صفحتك، قد يُحجب انتشارك، وقد تُلصق بك التهم: مجنون، مضلل، مختل… ؛ ليس لأنك أخطأت، بل لأنك سُمعت .
رابعًا: الفضاء الرقمي كمسرح مُدار
هكذا تُدار المساحة الرقمية: ليست ساحة حرة كما نظن، بل مسرح تُضبط فيه الإضاءة بدقة، ليُرى من يجب أن يُرى، ويختفي من يجب أن يختفي… ؛ ولهذا، فمن يرى الحقيقة ويفتح عينيه على ما وراء الستار، يقف أمام خيار قاس: إما أن يتكلم فيدفع الثمن، أو يصمت فيكتم ما يعرفه ويدفنه في داخله .
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: ليست في الجهل، بل في الوعي الذي لا يُسمح له أن يُقال أو يصل إلى الناس… ؛ فالجميع يعلم — أو هكذا يُفترض — من الذي يملك الخيوط الخفية لهذا العالم الرقمي، من الذي يدير منصات التواصل والإعلام والبث، ومن يقف خلف ستار الإنترنت ذاته .
خامسًا: منظومة التحكم والصمت المقنع
ليست المسألة مجرد تطبيقات، بل منظومة كاملة تتحكم في ما نراه وما لا نراه، فيمن يُسمع صوته ومن يُدفن صوته في الصمت… ؛ ببُزْرٍ واحد فقط — لا يحتاجون إلى جيوش، ولا إلى ضجيج — يمكنهم أن يطفئوا حضورك، أن يمسحوا أثرك، أن يجعلوك تختفي من حياة الآخرين، وأنت ما زلت حيًا تتنفس… ؛ فتصبح كأنك لم تكن، وكأن كلماتك لم تُكتب، وكأن صوتك لم يُنطق يومًا .
الخلاصة
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات مفتوحة لتبادل الآراء، بل تحوّلت إلى أنظمة معقّدة تُدار بخوارزميات تتحكم في مدى وصول المحتوى وانتشاره… ؛ وفي هذا السياق، يبرز جدل واسع حول ما يُسمّى بـ”حجب الأصوات الحرة” أو تقييد انتشار المحتوى الذي يخالف التيار السائد أو يمسّ مصالح القوى النافذة .
يذهب بعض الباحثين في مجال الإعلام الرقمي إلى أن الخوارزميات لا تعمل بمعزل عن اعتبارات اقتصادية وسياسية، إذ تُصمَّم أساسًا لتعظيم التفاعل والربح، لا لتعزيز الحقيقة أو الجودة… ؛ ونتيجة لذلك، غالبًا ما يُمنح المحتوى السطحي أو الترفيهي قابلية انتشار أعلى، لقدرته على جذب التفاعل السريع، في حين يتراجع المحتوى العميق أو النقدي الذي يتطلب تفكيرًا وتأملًا … .
وفي هذا الإطار، لا يمكن اعتبار عدد المتابعين أو حجم التفاعل معيارًا دقيقًا لقيمة المحتوى… ؛ فالجودة المعرفية، وعمق الطرح، ووعي الجمهور المستهدف تبقى عناصر أكثر أهمية من الأرقام المجردة… ؛ إن السعي وراء “الترند” قد يمنح حضورًا مؤقتًا، لكنه نادرًا ما يخلّف أثرًا فكريًا مستدامًا .
من جهة أخرى، تشير دراسات عديدة إلى أن جزءًا من التفاعل على المنصات قد يكون مُصنَّعًا أو مدفوعًا، سواء عبر الإعلانات أو عبر آليات تضخيم رقمية… ؛ وهنا يتحول المحتوى إلى سلعة، والرأي إلى منتج قابل للترويج، حيث يصبح السؤال المحوري: من يملك القدرة على الدفع لضمان الوصول؟
هذا الواقع يخلق بيئة غير متكافئة، قد يجد فيها صانع المحتوى المستقل نفسه في موقع ضعيف من حيث الانتشار، رغم امتلاكه لأفكار ذات قيمة… ؛ وفي بعض الحالات، قد يتعرض المحتوى الذي يلامس قضايا حساسة أو يقدّم نقدًا مباشرًا إلى تقليل في الوصول ؛ او ما يعرف بال :
أو حتى الحذف ؛ وفقا لسياسات المنصات أو أنظمتها (shadow banning) الآلية … .
ومع ذلك، من المهم التمييز بين التقييد المتعمّد وبين تطبيق سياسات المحتوى التي تهدف — نظريًا — إلى الحد من المعلومات المضللة أو المحتوى الضار… ؛ فالمشكلة لا تكمن دائمًا في وجود القواعد، بل في كيفية تطبيقها، ودرجة شفافيتها، وإمكانية الطعن فيها .
في النهاية، لم تعد المسألة تتعلق فقط بحرية التعبير، بل أيضًا بـ”إمكانية الوصول”… ؛ فالصوت قد يكون موجودًا، لكنه لا يُسمع… ؛ وهنا يظهر سؤال جوهري في عصر الإعلام الرقمي :
وهنا لا يعود السؤال: هل أنت موجود؟ بل: هل سُمح لك أن تكون مرئيًا؟
أو بتعبير اخر : ليس هل يمكنك أن تتكلم وتكتب ؟ بل هل يسمح لما تقول أن يصل الى الاخرين ؟
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إنتاج المحتوى فحسب، بل في فهم آليات انتشاره، والتعامل بوعي مع بيئة رقمية تُدار وفق توازنات معقدة بين التقنية والاقتصاد والسياسة .