بين طهران وبغداد ( مفارقة الوفرة والأزمات.)

الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​في الوقت الذي ترزح فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت وطأة حصار اقتصادي خانق وحروب استخباراتية وعسكرية لا تهدأ تطل علينا مفارقة تستحق التأمل والوقوف عندها طويلاً.
إيران ورغم صفير الصادرات في مراحل معينة وضيق الخناق المالي لا تزال تضع المواطن في صلب أولويات (اقتصاد الصمود) حيث نشهد خطوات جريئة مثل تصفير الديون والقروض البنكية عن كاهل المواطنين، وجعل النقل العام مجانياً، وفتح أبواب المستشفيات للعلاج المجاني الكامل لضحايا النزاعات وصولاً إلى الزيادات المستمرة في رواتب المتقاعدين بنسبه ٦٠٪ لمواجهة التضخم.
​وعلى الضفة الأخرى نجد العراق الذي يعيش في بحبوحة مالية “نظرياً” بعيداً عن طبول الحرب المباشرة، لكنه غارق في دوامة من الأزمات الهيكلية التي لا تنتهي. فمن المفارقات المؤلمة أن بلداً يطفو على بحر من النفط، لا يزال مواطنه يصطف في طوابير الغاز والمنتجات النفطية، ويصارع صيفاً لاهباً مع أزمة كهرباء أزلية لم تجد الحلول رغم مليارات الدولارات المنفقة.
​الأمر لم يتوقف عند تردي الخدمات الأساسية، بل وصل إلى المساس بالحقوق المعيشية لأهم شرائح المجتمع، حيث نسمع عن استقطاعات في الحصة التموينية المخصصة لأفراد الأجهزة الأمنية الذين يمثلون حائط الصد الأول للبلاد.
إن الفارق بين المشهدين لا يكمن في حجم الثروات، فالعراق قد يتفوق بموارده المتاحة لكنه يكمن في (فلسفة الإدارة) ففي إيران تُسخّر الدولة إمكانياتها المحدودة لامتصاص غضب الشارع وضمان الحد الأدنى من الكرامة المعيشية تحت الحصار، بينما نجد في العراق تلكؤاً غريباً في إكمال المشاريع الاستراتيجية وضياعاً للبوصلة الخدمية في ممرات الروتين والفساد.
​إن هذه المقارنة ليست مجرد رصد عابر بل هي صرخة في وجه التخطيط العراقي كيف تنجح دولة محاصرة في إسقاط ديون مواطنيها، بينما تعجز دولة (مفتوحة الآفاق) عن تأمين وقود لمدافئ مواطنيها أو حصة تموينية كاملة لحماتها؟ إنه سؤال الإدارة الذي ينتظر إجابة عملية لا وعوداً مؤجلة.