لماذا يهرب النظام إلى الإعدام كلما اقتربت لحظة الانفجار؟

نظام مير محمدي*

لم تعد الأزمة الإيرانية اليوم أزمةً يمكن اختزالها في ملف التفاوض النووي، أو العقوبات الاقتصادية، أو التوتر العسكري في الخليج. فالصورة التي تعكسها صحف النظام الإيراني نفسها تكشف عن واقع أكثر تعقيداً وخطورة: نظام يعيش تراكماً غير مسبوق من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في وقت تتراجع فيه قدرته على احتواء الداخل، وتتقلص فيه خياراته الخارجية. وبينما تحاول السلطة تقديم نفسها بوصفها قادرة على إدارة الضغوط، فإن ما تنشره الصحف الإيرانية يرسم صورة مختلفة تماماً؛ صورة نظام يتحرك بعقلية البقاء لا بعقلية الحكم.
في البعد الخارجي، تبدو الحرب والمفاوضات وكأنهما وجهان لأزمة واحدة. فالمواجهة مع الولايات المتحدة لم تُحسم، والتهدئة لم تتحول إلى اتفاق مستقر، بينما يبقى مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات والضغوط العسكرية عناصر متشابكة في معادلة واحدة. “صحيفة جوان” تعكس خطاب الجناح المتشدد الذي يرفض أي مرونة ويعتبر التفاوض فخاً أمريكياً لفرض تنازلات استراتيجية، في حين تبدو “صحيفة شرق” و”صحيفة آرمان ملي” أكثر قلقاً من كلفة استمرار الصدام على الاقتصاد والمجتمع. أما “صحيفة دنیای اقتصاد” فتكشف هشاشة الأسواق الإيرانية أمام أي تطور سياسي أو عسكري، وتحذر من آثار طويلة المدى للحصار والتوترات البحرية.
لكن التحدي الأكبر للنظام لا يأتي من الخارج، بل من الداخل الإيراني نفسه. فالأزمة الاقتصادية تجاوزت مرحلة التضخم التقليدي، لتتحول إلى أزمة معيشية شاملة. أسعار الغذاء والدواء والإيجارات ترتفع بوتيرة غير مسبوقة، وانقطاع الكهرباء يضرب الإنتاج، والإنترنت المقيد يخنق الاقتصاد الرقمي، فيما تتآكل الطبقة الوسطى تدريجياً. الصحف الإيرانية نفسها تعترف بأن قطاعات واسعة من الإيرانيين باتت عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات الحياة. فحين تتحدث “صحيفة اعتماد” عن انتقال العائلات إلى أطراف المدن بسبب الإيجارات، أو تشير “صحيفة جهان صنعت” إلى خسائر الشركات وتعطل الأعمال بسبب القيود الرقمية، فإننا لا نكون أمام أزمة اقتصادية عابرة، بل أمام بيئة اجتماعية قابلة للاحتقان والانفجار.
الخوف من الشارع… الجذر الحقيقي للقمع
هنا تكمن العقدة الأساسية للنظام: الخوف من الشارع الإيراني. فالسلطة تدرك أن تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لا يبقى مجرد أزمة معيشية، بل يتحول في لحظة معينة إلى غضب سياسي. والتجربة الإيرانية خلال الأعوام الماضية أثبتت أن الاحتجاجات لم تعد تنطلق من الشعارات السياسية وحدها، بل من الخبز، والوقود، والكهرباء، والإنترنت، والإيجارات، ثم تتحول بسرعة إلى مساءلة أصل النظام نفسه.
ولهذا السبب، فإن تصاعد القمع والإعدامات في الأشهر الأخيرة لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه المخاوف. فالنظام لا يزيد الإعدامات لأنه قوي، بل لأنه خائف. السلطة التي تشعر بالثقة لا تحتاج إلى المشانق بهذا الإيقاع. أما حين تتحول الإعدامات إلى سياسة يومية، فإن ذلك يعكس قلقاً عميقاً من إمكانية انفجار اجتماعي واسع.
ولعل اللافت أن كثيراً من مسؤولي النظام لم يعودوا يخفون هذا القلق. فالإشارات المتكررة إلى “وحدات المقاومة” والتحذير من “تحركات منظمة” تكشف إدراكاً داخل مؤسسات الحكم بأن الشارع الإيراني لم يعد خاملاً أو مستسلماً، بل يعيش حالة غليان كامنة يمكن أن تنفجر في أي لحظة. ومن هنا يمكن فهم السبب الحقيقي وراء تشديد الرقابة على الإنترنت، وملاحقة الناشطين، وتصعيد الإعدامات، ولا سيما بحق الشباب الذين تتهمهم السلطة بالارتباط بأنشطة احتجاجية.
من الشارع الإيراني إلى باريس
لكن المشهد لا يتوقف داخل إيران. فالنظام يدرك أيضاً أن المعارضة الإيرانية لم تعد مجرد أصوات متفرقة في الخارج، بل باتت قادرة على بناء حضور سياسي وشعبي متزايد. وفي هذا السياق تكتسب التظاهرة الكبرى المقرر تنظيمها في باريس يوم 20 يونيو/حزيران 2026 أهمية خاصة، حيث يُنتظر أن يشارك فيها أكثر من 100 ألف إيراني في ذكرى 20 يونيو 1981، يوم الشهداء والسجناء السياسيين.
هذه المناسبة ليست مجرد تجمع رمزي، بل رسالة سياسية واضحة بأن قضية التغيير في إيران لم تعد محصورة داخل الحدود، وأن هناك بديلاً سياسياً منظماً يرفع شعار “لا للشاه ولا لملالي”، ويدعو إلى جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام الحريات الأساسية.
إن أهمية هذه التظاهرة تكمن في أنها تأتي في لحظة يشعر فيها النظام بضغط متزايد من كل الجهات: اقتصادياً، واجتماعياً، ودولياً، وحتى داخل بنيته السياسية. ولذلك، فإن خوف السلطة من الشارع الإيراني لم يعد مرتبطاً فقط باحتجاجات محلية، بل أيضاً بتعاظم فكرة البديل وإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة.
في المحصلة، يبدو أن النظام الإيراني يقف اليوم أمام معادلة صعبة: الخارج يضغط، والداخل يغلي، وصراعات الأجنحة تتفاقم، والاقتصاد يترنح، فيما يتحول القمع والإعدام إلى وسيلة لتعويض فقدان السيطرة. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأنظمة التي تجعل من الخوف أداة للحكم، ومن المشانق لغة لإدارة الأزمات، لا تعكس قوتها بقدر ما تكشف عمق هشاشتها. وحين تصل السلطة إلى مرحلة تخاف فيها من مجتمعها أكثر مما تخاف من خصومها في الخارج، فإن ذلك يكون عادة مؤشراً على أن لحظة التغيير لم تعد بعيدة كما تتصور.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني