حين يُساء تقدير قيمة الإنسان العراقي

محمود المفرجي الحسيني

الكثير من العوامل تؤثر في تكوين شخصية الإنسان، وتعكس ملامح رجولته وشجاعته، من أبرزها الجينات الوراثية، والتربية، والبيئة، والأعراف الاجتماعية. وهذه الصفات لا يصنعها الانتماء إلى المؤسسة العسكرية كما يدعي البعض، بل تتشكل عبر مسار طويل من القيم والتجارب التي يعيشها الفرد داخل مجتمعه.
إن هذا الادعاء ينطوي على إساءة واضحة للرجل العراقي، إذ يوحي بأن الشاب العراقي يفتقر إلى صفات الرجولة، وأن هذه الصفات لا تُكتسب إلا من خلال الانتماء إلى الجيش، وهو طرح يفتقر إلى الدقة وينتقص من حقيقة راسخة في المجتمع العراقي.
كما أن هذا الطرح معيب من حيث المبدأ، لأنه يستهدف شريحة واسعة من العراقيين الذين أثبتوا، عبر مواقفهم وتضحياتهم، أنهم في صدارة الشعوب في معايير الشجاعة والرجولة، دون الحاجة إلى إثبات ذلك عبر أي انتماء مؤسسي.
إن الشاب العراقي الذي ترك ملذات الحياة ومتعة شبابه، وتوجه إلى ساحات القتال عام 2014 ليقدم دمه دفاعاً عن وطنه، لم يكن جميعه منتمياً إلى الجيش، بل كان مدفوعاً بقيم راسخة وإحساس عميق بالمسؤولية. وكذلك الشاب الذي دفعته رجولته للتطوع في الجيش العراقي وبقية صنوف القوات الأمنية، إنما جسّد تلك القيم ذاتها، ولم تكن المؤسسة هي التي صنعتها، بل كانت ميداناً تجلت فيه.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع: هل العراق بحاجة فعلاً إلى فرض التجنيد الإلزامي في ظل هذا الكم الهائل من الشباب العراقي المفعم بالرجولة والشهامة والبطولة في جيشنا وقواتنا الامنية؟ أم أن طرح هذا القانون يأتي في سياق استهلاك موارد البلاد وإمكاناتها، دون حاجة واقعية تبرره؟ أم أنه يندرج ضمن أجندات غير واضحة المعالم والخلفيات، أو محاولة لخلق قوى موازية لقوى قائمة؟ إن مثل هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة، وتستدعي نقاشاً وطنياً جاداً يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو حسابات ضيقة.