تكرار الكلمة في آية قرآنية (رجل مؤمن من آل فرعون، رجلا أن يقول)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع اسرار الاعجاز العلمي عن حقيقة الكلمات المكررة بنفس العدد في القرآن للكاتب عبد الدائم الكحيل: إعجاز أم لطائف؟ بسبب عدم وضوح مثل هذه الأبحاث فإننا نرى بعض العلماء يفضلون إطلاق مصطلح “لطائف عددية ” على مثل هذه التناسقات وأنها لا ترقى لمستوى المعجزة، ولكن رأيي الشخصي أن أي تناسق عددي في القرآن هو معجزة، لأنه أكبر بكثير من طاقة البشر. فمثلاً لو طلبنا من أديب أو شاعر أو كاتب أن يؤلف لنا قصة أو قصيدة بحيث تتكرر كلمة (قل) 332 مرة وكلمة (قالوا) 332 مرة، فإن النتيجة أنه سينصرف كل جهده وتفكيره نحو هاتين الكلمتين، وسيسعى جاهداً لاختراع جمل تحوي هاتين الكلمتين، وسوف تكون القصة أو القصيدة أشبه بالكلمات المتقاطعة لا معنى لها. وهذا هو سر الإعجاز في القرآن أنك عندما تقرأه تشعر بأنه محكم في آياته، وقوي في أسلوبه ورائع في بلاغته، ولا تشعر بأي تصنع أو ركاكة، هذا بالنسبة لتكرار كلمة واحدة، فكيف إذا طلبنا من هذا المؤلف أن يقوم بإعداد كتاب كامل مع مراعاة تكرار كل كلمة إنه عمل مستحيل. إنني أتوقع أن كل كلمة من كلمات القرآن تكررت بنظام عددي محكم، ولو تأملنا الأمثلة المبهرة في الإعجاز العددي، لرأينا تناسقات محيّرة والتي إن دلَّت على شيء فإنما تدل على أنه لا يمكن لبشر أن يأتي بمثل هذا القرآن. فعلى سبيل المثال تكرر ذكره (آدم) في القرآن 25 مرة واسم (عيسى) ذُكر في القرآن 25 مرة، هذا التماثل أشار إليه القرآن في آية عظيمة يقول فيها تبارك وتعالى: “إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (آل عمران 59). وهناك أمثلة كثيرة تؤكد أن القرآن معجز في أعداد كلماته وحروفه وترتيب آياته وسوره. وخلاصة القول: يجب على الباحث في الإعجاز العددي أن يتبع منهجاً علمياً ثابتاً في بحثه ليكون مقنعاً للمسلمين قبل غيرهم، والقرآن مليء بالأسرار العددية ولكن لا نستعجل في نشر أي بحث قبل التأكد منه، فليس الهدف البحث ذاته، بل الهدف إقناع غير المسلمين به، وربما يكون هذا هو السبب الحقيقي لضعف أبحاث الإعجاز العددي وعدم تأثيرها على غير المسلمين.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” ﴿غافر 28﴾ وقال رجل مؤمن من آل فرعون: قيل: هو ابن عمه، وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون، يكتم إيمانه منكرًا على قومه: كيف تستحلون قَتْلَ رجل لا جرم له عندكم إلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبراهين القاطعة مِن ربكم على صِدْق ما يقول؟ فإن يك موسى كاذبًا فإنَّ وبالَ كذبه عائد عليه وحده، وإن يك صادقًا لحقكم بعض الذي يتوعَّدكم به، إن الله لا يوفق للحق مَن هو متجاوز للحد، بترك الحق والإقبال على الباطل، كذَّاب بنسبته ما أسرف فيه إلى الله. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ” وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ” وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” “غافر 28” “وقال رجل مؤمن من آل فرعون” قيل: هو ابن عمه “يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن” أي لأن “يقول ربيَ الله وقد جاءَكم بالبينات” بالمعجزات الظاهرات “من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه” أي ضرر كذبه “وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم” به من العذاب عاجلا “إن الله لا يهدي من هو مسرف” مشرك “كذاب” مفتر.

تكرار الكلمات أو الجمل في القرآن الكريم هو أسلوب بلاغي رفيع يهدف إلى التأكيد، التقرير، التهديد، أو التعظيم، ولا يُعد مجرد تكرار لغوي. إليك أبرز الأمثلة على تكرار الكلمة في آيات القرآن: 1. تكرار الكلمة متلاصقة (بلا فاصل): “هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ” (المؤمنون 36). “كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً” (الفجر 21). “وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ” (الإنسان 15-16). “وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ” (الواقعة 10). “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً” (الشرح 5-6). “خُلِقَ خُلِقَ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ” (الطارق 5-6) – تكرار الفعل في السياق. “كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ” (النبأ 4-5). 2. تكرار الكلمة في سياق الآية أو الآيات المتتالية: تكرار كلمة “ربنا”: تكررت 5 مرات في ثلاث آيات في أواخر سورة آل عمران (191-194) ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (91) لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) (آل عمران 191-194). تكرار كلمة “الشجرة/الجنة”: في آيات عديدة لتأكيد الجزاء. تكرار كلمات معينة لأغراض بلاغية: مثل تكرار “الحطمة” في قوله تعالى: “وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ” (الهمزة 5)، للتهويل والتخويف. تكرار الجمل: مثل “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” التي تكررت 31 مرة في سورة الرحمن. تكرار “كلا”: للتأكيد والردع، مثل “كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ”. فوائد التكرار في القرآن الكريم: التأكيد: ترسيخ المعنى في نفس القارئ. التعظيم: تفخيم شأن المذكور (مثل: ليلة القدر). التهويل: إظهار شدة وعظم الأمر (مثل: الحاقة). التفصيل والتقرير: تكرار القصص أو الحقائق بألفاظ مختلفة أو متشابهة لتعدد الفوائد عن موقع اجابة ما أكبر عدد تكلرار ذكر فى القرأن؟ تكرار كلمة “وَقَالُوا” هي الأكثر تكرارا في القرآن الكريم، وقد ذُكرت 332 مرة.

يقول الشيخ حسن العامري: هنالك فرق بين الرجل والذكر في المصطلح القرآني. كل رجل هو ذكر ولكن ليس كل ذكر هو رجل. والآية صريحة بأن ليس كل المؤمنين هم من صنف الرجال. الرجل في القرآن وعده صادق ومستقيم. بعض المؤمنين عندما يصابون بنكسة ومصيبة ينقلبون من الايمان الى غير الايمان. البعض يبدل موقفه. يسمى رجل عندما لا يبدل مواقفه الايمانية مثل مؤمن آل ياسين “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ” (يس 20) حيث وقف بوجه امة وهدد بالقتل وكما ورد عن أهل البيت ومنهم الامام علي زين العابدين عليه السلام الذي قال (أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة). ومن الرجال رجل من آل فرعون قيل انه أخ آسيا زوجة فرعون “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” (غافر 28). تكلم الله تعالى عن بعض الصحابة ومنهم علي والحسن عليهما السلام بأنهم رجال “رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ” (النور 37) ولكن غيرهم من الصحابة تنطبق عليهم الآية الكريمة “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (الجمعة 11).