صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والمجرمين في الوعي العربي والإسلامي

رياض سعد

المدخل: فجيعة العقل والضمير أمام مذابح الذاكرة
ثمة ظاهرة تفضح اختلالاً عميقاً في بنية الوعي الجمعي العربي والإسلامي؛ تلك هي ظاهرة الترحم على الجلادين، والثناء على الطغاة , أو الإشادة بالحكّام الظالمين بعد موتهم وهلاكهم ، بل والدفاع المستميت عن سيرتهم الملطخة بالدماء والمظالم .
انها مفارقةٌ قاتمةٌ تُلقي بظلالها الكثيفة على الواقع العربي والإسلامي، مفارقةٌ لا تتعلق فقط بوجود الاستبداد، بل تتجاوزه إلى حالةٍ من الانهيار المعنوي العميق، حيث يتحول الضحية إلى حامل راية جلاده، وينقلب التاريخ في المخيال الجمعي ليصبح المجرم بطلاً تُروى سيرته، ويسعى أحفاده وانصاره واتباعه واشباهه من المجرمين والمنكوسين والطائفيين والمؤدلجين إلى تبييض صفحته وتبرئة ساحته بكل وسيلة ممكنة… .
وهي ليست مجرّد انحرافٍ عابر في الوعي، ولا خطأً فردياً في التقدير؛ بل هي تعبيرٌ مركّب عن اختلالٍ عميق في البنية النفسية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات التي عانت طويلاً من الاستبداد … ؛ نعم , هي عرضٌ مركّب لخللٍ عميق في بنية الوعي الجمعي، حيث تختلط القيم، وتضطرب المعايير، وتُستبدل الحقيقةُ بالسردية، والعدالةُ بالانتقائية… ؛وتجلٍّ واضح للعقلية “المنكوسة” التي تقلب الحقائق رأساً على عقب، متكئة في ذلك على تركة ثقيلة من الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي اختُرعت خصيصاً لتكون ستاراً يحمي الطغاة من لعنة التاريخ وادانة الضمير الإنساني … .
إنها ظاهرة تكشف كيف يمكن للتاريخ أن يُعاد تدويره، وللذاكرة أن تُغسَل… ؛ فحين يتحول القاتلُ موضوعَ ترحّم، ويغدو الضحيةُ هامشاً في روايةٍ مختلّة ؛ لا يكون التاريخ قد أُعيد قراءته، بل أُعيد تزييفه … .
إنها ظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن شبكة معقدة من العوامل المتشابكة: دينية، ونفسية، واجتماعية، وسياسية، تشكل بمجموعها ما يمكن تسميته “اقتصاد العبودية الرمزي”، حيث يُنتج العبيد طواعيةً أربابهم … ؛ لذلك هي تستدعي قراءةً تتجاوز الانفعال الأخلاقي إلى التحليل، لأنّها تكشف كيف يمكن للذاكرة أن تُعاد صياغتها، وللضمير أن يُعاد توجيهه، حتى يصبح الضحيةُ شاهداً صامتاً، ويُعاد تقديم الجلاد في هيئة رجل دولة محترم …!!
حين نقف أمام مشهد جماهيري يبكي دكتاتوراً أهلك الحرث والنسل، أو نرى كتابات تمجد حاكماً سفك دماء أبناء شعبه، ندرك أننا لسنا أمام انحراف عابر في المزاج الشعبي، بل أمام منظومة كاملة من التشوهات المعرفية والقيمية التي تستوجب التحليل والتفكيك .
نعم ؛ ليس أخطر على الأمم من أن تتحول جراحها إلى طقوس تقديس لجلاديها، أو أن تجعل من مجازرها مادة للبكاء على أرواح سافكيها… ؛ ففي عالمنا العربي والإسلامي، حيث ينبض التاريخ بالدم والشهداء والضحايا والمظلومين ، نلمس ظاهرة مرَكبة تثير الاشمئزاز وتستدعي التحليل: الترحم على الجلادين، والإشادة بالحكام الظالمين والفاسدين والفاشلين ، وكأن الأمة فقدت بوصلتها الأخلاقية، فضلاً عن مسلماتها الدينية والانسانية .

أولاً: في تفكيك الأساس الديني للظاهرة
من البديهيات الإسلامية الراسخة أن الجزاء من جنس العمل، وأن العدالة الإلهية لا تحابي أحداً؛ فمن يعمل ذرة خير يره، ومن يعمل ذرة شر يره… ؛ وقد نص القرآن الكريم على ما لا يدع مجالاً للبس: الطغاة والظلمة والمنافقون ملعونون في الدنيا والآخرة، ومصيرهم إلى جهنم وبئس المصير… ؛ اذ جاء في كتاب القران الكريم : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)… ؛ وهذا الحكم القرآني القطعي لا يحتاج إلى تأويل ولا يقبل المصادرة .
إلا أن السلاطين والولاة والحكام، في سياق صراعهم على الشرعية، عملوا على إشاعة أحاديث منحولة نسبوها زوراً إلى النبي محمد ، تتعارض في روحها مع هذه المسلمات العقائدية… ؛ و يأتي في مقدمتها حديث “اذكروا محاسن موتاكم” و”لا تقولوا في موتاكم إلا خيراً”، وهو حديث اتفق كبار المحدثين على تضعيفه؛ فقد ضعّفه الترمذي وأبو عيسى والبخاري والعقيلي والألباني وابن حجر، وغيرهم من أعلام الجرح والتعديل، لوجود عمران بن أنس المكي في سنده، وهو راوٍ منكر الحديث، لا يتابع على رواياته .
والحقيقة الثابتة في علم الحديث أن كلا الروايتين ضعيفتان باتفاق كبار النقاد… ؛ فقد قال الترمذي عن إحداها: “هذا حديث غريب”، وقال البخاري عن راويه عمران بن أنس المكي: “منكر الحديث”، وضعفه الألباني والعقيلي وابن حجر… ؛ حتى إن فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية أفتت بعدم صحته… ؛ وهذا الضعف ليس مجرد دقة إسنادية، بل هو مؤشر إلى فبركة واضحة الهدف: تحويل الموتى جميعاً إلى قديسين، مهما بلغ إجرامهم .
نعم , لا يمكن أن تتحوّل بعض الاحاديث والروايات المنسوبة للنبي محمد إلى مظلّةٍ لتبييض صفحات الطغاة، ولا إلى ذريعةٍ لطمس الجرائم والمجازر ؛ إنّ منطق العدالة في النصوص الدينية يقوم على المسؤولية والمحاسبة، لا على إسقاط الذاكرة… ؛ فالقرآن الكريم لم يُجامل الظالمين، بل عرض نماذجهم بوصفها عبرةً للأجيال، من فرعون إلى قارون ؛ بل انه ذم عم النبي محمد نفسه ، لكي لا يُعاد إنتاجهم في صورٍ جديدة … .
ولنتصور معاً: لولا انتشار هذا الحديث المكذوب وأشباهه، لما وجد الطغاة وأعوانهم غطاءً شرعياً يبررون به تبييض سيرة الظالمين بعد هلاكهم… ؛ ولو تتبعنا سياقات وضع هذا الحديث لوجدناها تحيط برقاب الخلفاء والولاة المعروفين بالجور والانحراف عن جادة الشريعة؛ فالحديث، في وظيفته التاريخية، ليس موجهاً لعموم الموتى من البسطاء والكادحين الذين لا يعبأ بهم أحد لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، بل هو موجّه نحو تبرئة ساحة الحكام وتصفية تاريخهم من الشوائب والموبقات وغض الطرف عن جرائمهم ومجازرهم .
وهنا يكمن فعل التزوير العميق والتدليس الخطير؛ فالحديث، وهو بهذه الصورة المنكوسة والسند المتضعضع، لم يُوضع عبثاً… ؛ لقد صُنع بدقة على أيدي دجالين وأفاكين في بلاط السلاطين والولاة، وظيفته المعلنة تبييض صفحة الحكام المعروفين بالظلم والجور والانحراف عن جادة الشريعة، وتبرئة ساحتهم من جرائمهم… ؛ إنه ناظم اجتماعي مقلوب يهدف إلى حماية رأس الهرم الاستبدادي، بينما لا عبء ولا حرج في الخوض في أعراض الفقراء والبسطاء والمستضعفين وهم أحياء، فضلاً عن موتاهم ؛ ومن هنا، فإن الإشادة بجلادين من أمثال زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي، وصولاً إلى طغاة العصر الحديث كالمجرم صدام، لا تمت إلى الدين بصلة، بل هي نتاج تطبيع طويل مع الجريمة تحت يافطة الدين المشوه…!!
ولنفترض جدلاً صحة هذا الحديث سنداً ودلالة، فهل يشمل الطغاة والمجرمين والمنافقين؟!
إن الجواب يقدمه كتاب القرآن الكريم نفسه: لقد ذم الله تعالى فرعون وهامان وقارون، ولعن المنافقين والظالمين، ولم يأمر بذكر محاسنهم، بل فضح مثالبهم لتكون عبرة للأجيال… ؛ ولم يثبت عن النبي أنه ترحم على منافق بعد موته، بل إنه دعا على بعضهم… ؛ وهذا هو المنطق الديني السليم: الرحمة والمغفرة للمؤمنين الصالحين، واللعنة والذم للظالمين والمجرمين… ؛ وما عدا ذلك فهو تلفيق وتدليس، الغرض منه حماية الجلاد من لعنة التاريخ والضحايا والناس اجمعين .
نعم , حتى لو تنزلنا وقلنا بثبوت الحديث، فهل يعقل أن يشمل المنافقين والقتلة والمجرمين الذين نعرفهم يقيناً؟!
فكيف يليق بنا أن نذكر محاسن من غضب الله عليه ولعنه؟!
فالترحم على الطغاة ليس تسامحاً، بل هو موالاة لأعداء الله وإهانة لضحاياهم … .
في السياق العربي والإسلامي، تتغذّى هذه الظاهرة من تداخل ثلاثة مستويات: الديني، والنفسي، والسياسي… ؛ فعلى المستوى الديني، جرى – عبر التاريخ – توظيف نصوصٍ وتأويلاتٍ مبتورة لتكريس ثقافة الصمت عن الظلم بعد موت أصحابه، تحت شعارات من قبيل “اذكروا محاسن موتاكم”… ؛ ومع أنّ هذا الحديث مختلفٌ في صحته سنداً ودلالةً لدى كثيرٍ من أهل العلم، فإنّ الإشكال لم يكن في النص بحد ذاته، بل في توظيفه خارج سياقه، ليصبح أداةً لتبييض صفحاتٍ سوداء، لا لتكريم إنسانٍ صالح… ؛ وهنا تتحوّل الأخلاق الدينية من ميزانٍ للعدل إلى ستارٍ للطمس، فيُساوى بين من عاش للناس ومن عاش عليهم …!!

ثانياً: سيكولوجيا العبيد: لماذا يمجد المقهور جلادَه؟

إن تمجيد الظالم لا يمكن تفسيره تفسيراً كافياً بالعامل الديني وحده، رغم محوريته… ؛ إننا هنا بإزاء ظاهرة نفسية عميقة الجذور، تعرف في أدبيات علم النفس بـ”التوحد مع المعتدي” أو “متلازمة ستوكهولم الجماعية”… ؛ فحين تتعرض الجماعة للقهر المزمن، وتفقد الأمل في الخلاص أو المقاومة، فإنها تلجأ إلى آليات دفاعية لا شعورية لحماية ذاتها الممزقة؛ فتتبنى قيم القاهر، وتتوحد معه، وتحوله في مخيالها إلى أب حامٍ أو بطل منقذ، بدلاً من أن تراه على حقيقته كوحش كاسر .
هذه الآلية النفسية تفسر لنا كيف تحول الحجاج بن يوسف الثقفي، من سفّاك للدماء ومهلك للزرع والضرع، إلى “حاكم حازم” في أدبيات بعض المؤرخين المأجورين والكتاب الطائفيين والتكفيريين … ؛ وهي نفسها التي تجعل البعض اليوم يبكي اللقيط الهجين صدام بن صبحة ، رغم أن جرائمه بحق العراقيين لا تخفى على أعمى… ؛ إنها عبودية نفسية قبل أن تكون سياسية؛ فالذليل لا يكتفي بالخضوع لسيده، بل يحبه ويمجده، لأن هذا الحب هو آخر ملاذ له للحفاظ على شيء من الكرامة المتخيلة .
وهكذا نصل إلى قانون نفسي-اجتماعي بالغ الدلالة: الأمراض التي تفسر هذه الظاهرة متعددة: شعور بالدونية المزمنة، وانهيار المعايير الأخلاقية، واغتراب الهوية، وتفكك النسيج المجتمعي… ؛ لا يمجد المجرمَ إلا دنيءُ النفس، ولا يشيد بسياط الطغاة إلا العبد ومن ألف الذل … ؛ فالإنسان الحر، أيّاً كان دينه أو قوميته، لا يمكنه إلا أن يشجب جرائم الطغاة ويتبرأ من المجرمين، حتى لو كانوا من أبناء جلدته… ؛ أما الممسوخ في وعيه، و المنكوس في فطرته، فإنه يجد في تمجيد الظالم تعويضاً نفسياً عن عجزه وانبطاحه ودونيته … .
نعم , إنّ ما يمكن تسميته بـ“متلازمة التماهي مع القامع” يلعب دوراً حاسماً… ؛ فالإنسان الذي عاش تحت القهر والخوف والظلم طويلاً، قد يعمد إلى إعادة تفسير تجربة الظلم بطريقةٍ تقلّل من وطأتها… ؛ فيتحوّل الطاغية أو العدو الظالم في الوعي اللاواعي إلى رمزٍ للقوة أو الاستقرار، لا إلى مصدرٍ للأذى… ؛ ومع الزمن، تتكرّس هذه الآلية الدفاعية، وتتحوّل إلى خطابٍ اجتماعي يُبرّر القمع، ويُعيد صياغته بوصفه ضرورةً أو مرحلةً تاريخية … .
وقد يجد في تمجيد جلاده نوعاً من التكيّف مع الألم، أو محاولةً لاواعية لإعادة تفسير معاناته بما يجعلها أقل عبثية… ؛ إنه شكلٌ من أشكال الدفاع النفسي، حيث يُعاد بناء صورة الظالم كـ“ضرورة تاريخية” أو “قائد قوي”، لتخفيف وطأة الإحساس بالهوان… ؛ ومع الزمن، يتحوّل هذا التماهي إلى قناعة، ثم إلى خطابٍ عام، يعاد إنتاجه عبر الأجيال كما اسلفنا .

ثالثاً: البنية السوسيو-سياسية المنتجة للخنوع
سياسياً، لعبت الأنظمة الاستبدادية دوراً مركزياً في صناعة هذه الظاهرة… ؛ و ترسيخ هذا النمط من التفكير ؛ عبر صناعة ذاكرةٍ رسمية تُضخّم الإنجازات وتُخفي الانتهاكات… ؛ فالإعلام المُوجَّه، والتعليم المُسيطر عليه، والخطاب التعبوي، كلّها أدوات ساهمت في خلق صورةٍ مشوّهة للحاكم , تُضخّم إنجازاته واعماله وتُهمّش جرائمه ومجازره ؛ بل ، تُقدّمه كـ“منقذ” أو “بطل” …!!
ثم تُورَّث هذه السرديات حتى بعد سقوطه أو موته… ؛ ومع غياب العدالة الانتقالية، وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ، تبقى الحقيقة معلّقة، مفتوحةً للتأويل، وقابلةً للتلاعب… ؛ و في هذا الفراغ، يجد الخطاب التبريري أرضاً خصبة للنمو، فيُعاد تدوير الطغاة كرموز، لا كعِبر …!!
اجتماعياً، تسهم البُنى التقليدية – القبلية والطائفية والقومية – في ترسيخ هذا الميل… ؛ فحين يُختزل الانتماء في هويةٍ ضيقة، يصبح الولاء للجماعة مقدّماً على الولاء للقيم… ؛ عندها، قد يُغفَر للظالم كل شيء، ما دام “منّا”، ويُدان المظلوم إن كان “من غيرنا”…!!
وهكذا تُعاد صياغة الأخلاق وفق خرائط الانقسام، لا وفق معايير العدالة والوطنية والانسانية … ؛ في مثل هذا المناخ، لا يعود التاريخ سجلاً للعِبر، بل مخزناً للانتقائية، يُستدعى منه ما يخدم السردية، ويُهمل ما يفضحها .
نعم , ففي مجتمعاتٍ تُهيمن عليها العصبيات الطائفية أو القومية أو المناطقية ، يصبح الحكم على الأشخاص تابعاً لهويتهم، لا لأفعالهم… ؛ وهنا يُغفر للظالم إن كان “من الجماعة”، ويُدان المظلوم إن كان “خارجها”… ؛ وبهذا المعنى، لا يعود التاريخ مرآةً للحقيقة، بل أداةً لإعادة إنتاج الانقسام .
لا تكتمل الصورة دون الغوص في العوامل الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج ظاهرة تمجيد الجلادين… ؛ إن الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي لم تكتفِ بالقمع المادي والجسدي، بل عملت على بناء “صناعة وعي” متكاملة، تهدف إلى تشكيل الذاكرة الجمعية وفقاً لمصالحها المشبوهة واهدافها المنكوسة … ؛ فعبر التعليم المزيف ، والإعلام الموجه، والمؤسسة الدينية المروّضة، ورموز الثقافة المأجورة، يجري تزييف التاريخ، وقلب الحقائق، حتى يصبح الضحية خارجاً عن القانون والقيم الوطنية والدينية والانسانية ؛ والجلاد بطلاً ورمزا … ؛ كما اسلفنا انفا .
ويزداد الأمر تعقيداً حين تدخل العصبيات القومية والطائفية والمناطقية والايدولوجية على الخط… ؛ فالبعثي والسني يمجد صدام لا لقناعته بعدالته، بل لأنه “سني” اضطهد “الشيعة” وحارب إيران الشيعية …!
والتكفيري يبرر جرائم خلفاء بني أمية، لا حباً فيهم، بل كرهاً في خصومهم من آل البيت… ؛ إنها شبكة من المصالح الرمزية تجعل الحقيقة أول ضحاياها، حيث يصبح المبدأ: أنا لا أدافع عن المجرم لأنه بريء، بل لأنه “مجرمنا” في مواجهة مجرميهم …!!
وهكذا نجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة: الاستبداد ينتج العبيد، والعبيد ينتجون الاستبداد، عبر ثقافة التمجيد والتبرير والتقديس… ؛ ويصبح التاريخ ميداناً لتلك الحرب الرمزية، حيث يعمل المنكوسون على قلب الحقائق رأساً على عقب: يسخرون من الضحايا، ويمجدون القتلة، ويشوهون صورة الشهداء والأحرار، في عملية تطهير أخلاقية للجلاد، الهدف منها جعله مقبولاً أو حتى محبوباً في عيون الأجيال الجديدة …!!
رابعاً: نموذج عراقي – الهجناء والمنكوسون في السلطة والوعي
في العراق تحديداً، نرى العجب العجاب: أشخاص لا تعرف أصولهم ولا يمتون إلى الوطنية بصلة، مثل زياد بن أبيه اللقيط، والحجاج الثقفي الدخيل، وصدام بن صبحة مجهول النسب… ؛ هؤلاء يتحولون في خطاب فئة “منكوسة” إلى أيقونات وطنية ورموز اسلامية … ؛ بينما يُهان الشهداء والضحايا والأحرار !! هؤلاء العبيد السياسيون يملؤون المنصات وصفحات التواصل ؛ يبكون على الجلادين ويصفونهم بالشهامة، ويتغافلون عن مجازرهم وجرائمهم بحجة “الميت لا يُذكر إلا بخير”… ؛ لكن الموت ليس تكريماً ، والجريمة لا تمحى بالدفن .
إن صوت “المنكوس”، وهو ينبح نباح الكلاب السائبة مدحاً بجلاد غريب أو حاكم لقيط مجهول الهوية والأصل، لا يمثل مجرد رأي مخالف، بل هو امتداد للجريمة نفسها… ؛ هؤلاء ليسوا منا، وطغاتهم ليسوا من موتانا، فهم دخلاء على الدم والهوية… ؛ إن الخلاص من هذا الشرخ العميق يبدأ أولاً بالتصدي لهذا الإرث المزيف، وتفكيك بنيانه النصي المتهافت الذي يستند إليه، وثانياً، والأهم، بتربية الأجيال على بغض الظلم والظالمين كقيمة مركزية، واستعادة السردية الحقيقية للتاريخ، التي يسطع فيها نضال المظلومين والضحايا والشهداء، لتكون هي الذاكرة الحية، فيما يُترك الطغاة والجلادون تحت أقدام التاريخ، وقد أحاطت بهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

خامساً: نحو استعادة الوعي النقدي : مواجهة التزييف بمنطق الحق والعدالة
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصراخ الأخلاقي وحده، بل بتفكيك أسسها الفكرية والنفسية واحدة واحدة… ؛ وفي مقدمة ذلك :

التفنيد الديني الرصين: إبراز ضعف الأحاديث التي يستند إليها الممجّدون، وكشف التناقض بينها وبين كتاب القرآن الكريم والسنة الصحيحة… ؛ فعلى المؤسسة الدينية المستقلة واجب ألا تترك الساحة للمزيفين والمأجورين والدجالين والمدلسين ، بل أن تتصدى لهم بعلم راسخ وشجاعة وموضوعية .
التفكيك النفسي: فضح الآليات النفسية الكامنة وراء عشق العبيد لأسيادهم، ليدرك الناس أن ما يسمونه “حباً” أو “وفاء” ليس سوى عرض مرضي لاستلاب طويل … .
إعادة كتابة التاريخ: وفق معايير علمية صارمة، تركز على الضحايا المنسيين وجرائم الطغاة، بدل تمجيد القتلة والسفاحين .
التربية على قيم التحرر: منذ الطفولة ، حيث يجب أن يتعلم الطفل كراهية الظلم والظالمين، لا أن يتعلم تبرير الجريمة والتعاطف مع المجرم .
ليس المطلوب منا، كما يزعم المنكوسون، أن “نكافئ” الطغاة على جرائمهم… ؛ ليس المطلوب أن نساوي بين الضحية والجلاد بدعوى “عدم ذكر مساوئ الاموات أو ضرورة الترحم عليهم “… ؛ فالشهداء والضحايا والأحرار والثوار لهم حقوق علينا، أولها: ألا نخذلهم بعد موتهم، بأن نغفر لقاتليهم أو نبرر جرائمهم… ؛ إن العدالة، في الدين والفطرة والعقل، تقتضي أن يُذكر الظالم بظلمه، ليُجتنب ويعاقب ، وأن يُذكر الضحية بتضحياته، ليُكرَّم وينصف … .
الأمة التي لا تميز بين الضحية والجلاد هي أمة فقدت شرطها الإنساني والأخلاقي قبل الديني. الظاهرة التي نعيشها ليست انفلاتاً عرضياً، بل هي نتاج عقود من التعليم المغلوط، والإعلام المأجور، والسياسات التي تغذي مرض العبودية النفسية.
العلاج يبدأ بجرأة نقدية: إنزال الطغاة منازلهم، وكشف جرائمهم بلا مواربة، وتكريم الضحايا دون مزايدة، وتحصين الأجيال بثقافة ترفض الظلم مهما كان مصدره… ؛ فمن كان أعمى في هذه الدنيا، سيكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً… ؛ والأعمى حقاً: من يرى الجلاد قديساً والدم مسكاً.

الخاتمة: الخلاص بلعنة التاريخ لا برحمته
إن الشعوب الحرة والنبيلة، في كل زمان ومكان، تشجب جرائم الطغاة وتتبرأ منهم، لأنها تدرك أن التماهي مع الجلاد هو آخر درجات السقوط الإنساني… ؛ أما مجتمعاتنا المأزرمة ، التي ما تزال ترزح تحت نير الاستبداد وأمراض العبودية، فإنها تنتج باستمرار ظاهرة “الترحم على السفاح الشيطان والمجرم الجلاد “… ؛ إنهم يطلبون منا أن نغفر للذئب دماء الحملان، وأن نكف عن ذكر أنيابه – بسوء – التي ما تزال تقطر دماً …!!
إن السبيل إلى الخلاص ليس في دفن الجرائم تحت سجاجيد النسيان المزعوم، بل في استخراجها ومواجهتها وفضحها، لتصير عبرةً تمنع تكرارها… .
لا خلاص لنا ما دمنا نمجد سفاكي الدماء، وما دمنا نطلب الرحمة لمن لم يرحم… ؛ لا خلاص لنا ما دمنا نعشق من جلدنا، ونحترم من أذلنا، ونبرر لمن قتلنا… ؛ يجب أن نتعلم، مرة واحدة وإلى الأبد، أن لعنة التاريخ على الجلادين أعدل وأطهر من رحمتنا المزعومة عليهم .
إن الجلاد لا يستحق الرحمة، بل يستحق أن يبقى اسمه وصمة عار في ذاكرة الأجيال… ؛ وفي هذا، تلتقي البديهة الدينية، والحكمة النفسية، والضرورة الاجتماعية، في معادلة واحدة واضحة لا تقبل المساومة: لا ترحموا من لم يرحموا، ولا تقدسوا من دنّسوا، ولا تبرروا لمن سفكوا الدماء بغير حق… ؛ هذا ديننا، وهذه فطرتنا السليمة قبل أن تشوهها أيادي العبودية وأقلام المأجورين .
إنّ أخطر ما في تمجيد الطغاة و إنصاف الظالم ليس فقط إعادة الاعتبار لهم، بل إعادة إنتاج شروطهم , وخذلان الضحية والمظلوم … ؛ فالمجتمع الذي لا يُدين الظلم بوضوح ؛ انما يطعن المظلوم مرّةً أخرى في ذاكرته وكرامته … ؛ و الذي لا يُسمّي الجريمة باسمها، يفتح الباب لتكرارها… ؛ وحين يُطلب من الضحايا أن يصمتوا “احتراماً لموت الطاغية والمجرم ”، فإنّ ذلك لا يُعدّ فضيلة، بل خذلاناً مضاعفاً، لأنّ الذاكرة التي لا تنصف أصحابها، تتحوّل إلى أداةٍ للقمع الرمزي.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى القسوة أو الشماتة بالموتى أو التنكر لقيم الرحمة ، بل إلى التمييز بين الرحمة كقيمة إنسانية، والتبرير كخللٍ وخيانة أخلاقية … ؛ فالرحمة لا تعني تزييف الحقيقة، ولا تبرئة الجريمة، بل تعني الحفاظ على كرامة الإنسان، حيّاً وميتاً، دون أن يُمسّ ميزان العدالة.
إنّ ذكر المحاسن يكون فيمن كانت لهم محاسن حقيقية ، أما من ارتبطت أسماؤهم بالقمع وسفك الدماء والجرائم والموبقات واهدار الكرامة وانتهاك حقوق الانسان ، فإنّ تجاهل ذلك لا يُعدّ تسامحاً، بل مشاركةً في طمس الوعي .
إنّ إعادة بناء الوعي الجمعي تتطلّب مشروعاً نقدياً يعيد الاعتبار للحقيقة، ويُحرّر الذاكرة من هيمنة السرديات الموجّهة والمنكوسة … ؛ كما تتطلّب شجاعةً أخلاقية للاعتراف بأنّ التاريخ ليس نصاً مقدّساً، بل مسؤوليةٌ مستمرة، وأنّ العدالة لا تسقط بالتقادم، حتى وإن سقط الجلاد في التراب .
في النهاية، ليست المشكلة في موت الطغاة، بل في الطريقة التي نختار أن نتذكّرهم بها… ؛ فإمّا أن تكون الذاكرة محكمةً للحق، و وفية للضحايا والمظلومين … ؛ أو أن تتحوّل إلى مغسلةٍ للتاريخ ؛ تُعيد تدوير القسوة في هيئة فضيلة…؛ وبين هذين الخيارين، يتحدّد مستقبل الوعي، ومصير القيم، وإمكانية الخروج من دائرة الاستبداد إلى أفقٍ أكثر إنصافاً وإنسانية .