اول ليلة في السجن !!

جمال الناصري

طأطأت رأسي و انا اسير حيث لا أدري منقادا الى مصيري الأخير تحت أوامر الحرس التعسفي ومع وابل من الألفاظ النابية و كلمات التحقير التي كان يقذفها لسانه ضد انسان اعزل لايملك في وطنه سوى ثوبا ممزقا من دون لباس داخلي !!
لم أر شيئا في الطريق حتى وصلت الى باب الحجرة التي اختيرت ان تكون قراري ومقري بعد اصدار حكم مؤبد لا اعرف نهايته !
لم ارفع رأسي حتى دخلت الى جوف الحجرة الصفراء، فصدمتني اعداد البشر المزدحمة فيها ، حاولت ان اجد لي مطرحا في الغرفة المكتظة ، فصرت ألف و ادور حول الزوايا و الفضاء فيها ، فتزحزح بعض النزلاء عن أماكنهم ، ليتركوا لي فسحة تكفي ان أجلس فيها القرفصاء ، فطويت ركبتي المنهكتين من أثر التعذيب حول بطني ، وتقوس ظهري بأنحناءة تكاد ان تقصمه الى نصفين ، تفحصت ارجاء المكان رغم الحشود التي فيه، فشاهدت نافذة على جهة منه ، لا تشبه النوافذ في الدنيا، و هي عبارة عن شقوق طولية محفورة على الحجر الأسمنتي ، بالكاد تتسع لها يد الأنسان نحو الفضاء الخارجي، يتسرب منها الهواء على أستحياء ، فلا يصل الى جوف الحجرة الرطبة لشدة هواء الزفير المننبعث من صددور الناس المتراكمين فيها .
نظرت الى القضبان الحديدية المتجهمة والى النافذة الضيقة التي أشبه بعيون عمصاء ، وقد اغلقها النزلاء بوضع صحون الطعام بعد ملؤها بماء كي يكتسب برودة ، كي تخف درجة حرارته ويصبح صالحا للشراب !
اصطدم بصري في المرحاض الذي لايهدأ و لا يسكن لحظة واحدة ، وهو حائط واطيء يفصل الحجرة عن موضع الخلاء !
هنا سأقضي سجنا مؤبدا أي عشرون عاما او اكثر ما بين النافذة والقضبان و المرحاض !!
حتى حظر المساء ، فأشتد الزحام و طفق الجميع نحو أداء الصلاة ، وكأننا في سفينة آيلة للغرق ، فنداءات الدعاء التي تنطلق من الحناجر تترجم حجم المصيبة التي يعيشها هؤلاء الضحايا في ظروف تفوق التصور و الخيال !
تفحصت الوجوه لم اعثر على وجه أعرفه ، وجدت الى جانبي شابا تركماني من أهالي (بشير) في كركوك، أسمه (محمد سلمان)، تحدثت معه كي اعرف ظروف المكان الذي انا فيه ، تحدث بصوت هاديء متهدج، يسيطر عليه الحذر الشديد ، لأكتشف ان من حولنا عددا من الوشاة المخبرين الذين ينقلون كل صغيرة وكبيرة ، فكل كلمة محسوبة ، فأن وصلت الى افراد الأمن يعني موتا محققا !
تحدث لي حول احداث جرت في السجن والمواجهات مع الأمن و العقوبات التي اصدرها مدير السجن النقيب غالب الدوري ثم قال :
– انتم محظوظون، فالنقيب لم يكن حاضرا هذا اليوم، لما دخلتم الغرف سالمين دون ان تسبحوا بالدماء، فكل وجبة جديدة من المحكومين، يستلمهم هذا النقيب ، ليكسر عظامهم ويجلدهم و لايدخلوا الغرف حتى يسبحوا بدمائهم !!
في اليوم التالي جيء بمجموعة من كبار السن اغلبهم معلمون متقاعدون من أهالي الشطرة والعمارة ، جلدوهم في الممر حتى علا الصياح ، وادخل بعض منهم الى حجرتنا ،ـ بثياب ممزقة و دماء تجري على ظهروهم !!