“قبس في مدن عاهرة” لكاتبها حسين الذكر لغة مضرّجة بالمرثية دون أن تنفصل عن حرارة الجرح انصح بقراءتها لكل الخائضين في السياسية والاجتماع والادب

نرجس البزال

لبنان – نرجس البزال

( قبس في مدن عاهرة ) كتابٌ عرضي علي مصادفة، فوجدتني فيه. لم أبدأ قراءته من باب مشروعٍ معدّ سلفًا، ولا عبر خطة بحث عن اسمٍ بعينه، بل جاءتني هذه التجربة كما تأتي بعض الأشياء التي تبدو كأنها كانت تنتظرنا من حيث لا ندري. اذ ان صديقةٌ لي في العمل كانت قد اطلعت عليه فأشارت إليه بما يكفي لإيقاظ الفضول، غير أنّ الأثر الأول، قبل الصفحات كلها، كان للعنوان، ذلك التركيب الذي لا يمرّ دون أن يوقظ ارتجافة السؤال:
قبس… في مدن عاهرة!!
منذ تلك اللحظة، بدا واضحًا أنني لست بإزاء كتابٍ يُحكى، بل نصّ يُنزِل قارئه في قلب جرح.
ليس كلّ نصّ يُقارب من باب الحكاية، ولا كلّ كتابٍ يُؤتى من ظاهره ، فثمّة أعمال لا تنفتح إلا على قارئٍ يتهيّأ لها بما يليق بثقلها الرمزي وعمقها الوجداني، و*”قبس في مدن عاهرة”* من هذا القبيل الرفيع. اذ ينهض منذ عنوانه على مفارقةٍ آسرة ومزلزلة: قبسٌ هو خلاصة النور وومضة المعنى وإشارة النجاة الأخيرة، في مقابل مدنٍ أتقنت خيانة روحها، واستمرأت التلوّن، وألِفت من الخراب ما جعلها تسيء الظنّ بكل بصيصٍ يلوح في عتمتها.
من هنا، لا يبدو العمل سردًا رمزيًا فحسب، بل مرثيّة كبرى للمعنى وهو يُطارد أناشيد وجعٍ لمدنٍ فقدت بصيرتها، فغدت عاجزةً عن التعرّف إلى من يحمل خلاصها إلا بعد أن يفوت الأوان.
قبل التوغّل في النص، لا يمكن تجاهل أن كتابةً بهذا النفس ليست بنت فراغ. لذا اخذت ابحث عن سيرة الكاتب كي اخذ فكرة عن صانع المحتوى الفكري الذي ولد من رحم السرد لكنه سرد معتق بالفكر .. عبر كوكل تبين ان ( حسين الذكر ) كاتب تشكّل وعيه في تقاطعٍ غني: عاصمة السلام والتاريخ بغداد بوصفها جذرًا مكانيًا ووجدانيًا، والصحافة والإعلام بوصفهما تماسًا حيًّا مع الواقع، والدراسة في الفلسفة والتاريخ بوصفها روافد صقلت حسّه التحليلي ووعيه ببنية التحوّلات.
فقد انسجم العنوان والمحتوى والسيرة فبدى كانه الحكاية بوصفها حكاية، التي اتخذها وسيلةً لاستنطاق ما يختبئ في شقوق المدينة، وفي ارتباك الجماعة، وفي الأقنعة التي تُبدّلها السلطة، وفي الوجع المتوارث الذي لا يفقد قدرته على التشكل. وكأنه يدرك أن المدن لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل، وأن الطغيان لا يسكن القصور وحدها، بل اللغة، والعادة، والوعي، والقلوب التي يلتبس عليها وجه الخلاص.
حين تبدأ بالتسامي نحو مصاف ( مدن الذكر ) لا تشعر أنك أمام نصوصٍ متفرقة، بل داخل عالمٍ واحد متعدد الندوب، جسدٍ تتكرر فيه العلّة وإن تبدّلت الأسماء. هناك الغريب الذي لا يُرى كجسدٍ طارئ، بل كحامل معنى يُقابل بالخوف والمطاردة، والمرأة التي تحفظ ما يبدّده الصخب، والطفل الذي يلتقط من الحقيقة ما تعجز عنه بصائر الكبار، والجماعة التي تحبّ وتتأخر، وتهتف وتخذل، ثم تبكي حين يصبح البكاء أقلّ الأفعال نفعًا.
هكذا .. يتضح أن الكتاب ليس عن مدينة، بل عن طبائع المدن حين تعتلّ، وعن الخلل الأخلاقي الذي يجعلها تطارد قبسها ثم تقيم عليه مآتم الندم بعد غيابه.
ومن أبرز ما يمنح هذا العمل فرادته، أن الرمز فيه لا يُستخدم لزيادة الغموض، بل لزيادة النفاذ إلى الحقيقة. فالتل، والجنازة، والشيطان، والمطر، والغريب، والنار، والجرح… كلها لا تقف عند ظاهرها، بل تنفتح على البنية الخفية للخراب، وعلى طبيعة الامتحان الإنساني في لحظات التمييز الصعب بين الحق وقناعه، وبين النور وما يشبهه من أضواء مضللة.
ولعلّ من أبلغ ما يتكثف فيه هذا الوعي تلك العبارة القاسية:
“لم تتغير السنن مع تغير التيجان.”
جملة ليست مجرد ومضة بلاغية، بل خلاصة فكرية تختصر مأساة الأزمنة التي تتوهم أن سقوط الرأس يعني سقوط الطريق، بينما الخراب أبعد غورًا من وجوه الطغاة، وأعمق من تبدّل الشعارات، لأنه يسكن في البنية، وفي العادات، وفي الجماعات التي تتغير عليها الرايات ولا تتغير فيها البصائر.
وفي هذا السياق، لا يجامل الكاتب الجماعة، بل يقدّمها ككائنٍ جمعيّ مرتبك، مأخوذ بالخوف، قابلٍ للخديعة، عاجزٍ عن التمييز. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قوله:
“فما شيطانكم هذا إلا كحكيمكم ذاك، الفارق جلي لذوي الألباب حصراً.”
حيث لا تكمن المأساة في حضور الشيطان، بل في فساد المعايير، وفي انطفاء الحاسة التي تميّز بين من يوقظ المدينة ومن يبيعها وهم الخلاص.
أما البطولة، فلا تُكتب بوصفها خطابًا بلاغيًا، بل تُختبر في الجسد والمصير. لذلك تأتي عبارة سلسبيل:
“إن أقدمتم سأكون معكم، وإن أحجمتم ستقطع رأسي ضمنًا.”
بوصفها تعبيرًا عن التزامٍ وجوديّ يدخل صاحبه في قلب الخطر، ويحوّل النبل إلى ثمنٍ يُدفع، لا موقفٍ يُقال.
لغة الكتاب من أبهى عناصره، لغة مضرّجة بالمرثية، عالية النبرة دون أن تنفصل عن حرارة الجرح. في كثير من المواضع، لا تشعر أن النص يصف الحزن، بل أن الحزن نفسه هو الذي يكتب، كما في قوله:
“من حبها فاضت الأنهار، ومن حزنها تساقط المطر.”
حيث يتحول الوجع إلى حدثٍ كوني، تتدخل فيه السماء، وتدخل الطبيعة في نسيجه، كأن بعض الأحزان أوسع من أن تُحصر في قلبٍ واحد.
وفي هذا العالم، لا يأتي الموت خاتمةً صامتة، بل لحظة انكشاف أخير، كما في العبارة المهيبة:
“لا تحملوا جثمانه، دعوه يعبر لنا عن أنموذجية الموت، بعد أن أفاض لنا بكل حياته وجاد بنفسه.”
حيث يتحول الجثمان إلى بيانٍ أخلاقي، وإلى درسٍ أخير في معنى العطاء.

“قبس في مدن عاهرة” في محصلته العميقة، ، عن النور حين يولد في مواضع لا تعرف كيف تحميه، وعن الإنسان حين يتأخر في التعرّف إلى خلاصه.
هو كتاب لا يُقرأ على عجل، لأنه لا يمنح قارئه حكاية فحسب، بل يمنحه قلقًا وجرحًا ومرآة وسؤالًا لا يهدأ. كتابة تخرج بالقارئ من طمأنينة التلقي إلى حرج التأمل، وتضعه أمام حقيقة موجعة:
أن المدن لا تضيع فقط لأنها محاصرة بالشر…
بل لأنها كثيرًا ما تخطئ في معرفة من يحمل لها معنى النجاة.
إنه سيرةُ النور حين يُلقى في مدنٍ أتقنت الخذلان،
ومرثيّةُ المعنى وهو يُطارد بين جماعاتٍ لا تعرف كيف تحميه… لكنها تعرف، متأخرةً دائمًا، كيف تبكيه.
لهذا، فإن قراءة “قبس في مدن عاهرة” ليست ترفًا أدبيًا، بل تجربة تستحق الإصغاء.
كتابٌ لا يُنصح به لكل قارئ، بل لذاك الذي يملك الصبر على المعنى، والجرأة على مواجهة ما يكشفه.
فهو عملٌ يوجع، نعم… لكنه، لمن يقترب منه حقًا، يترك أثرًا لا يُنسى.