كيف وصلنا الى علي الزيدي؟

رياض محمد

الملك

منذ سنوات وهناك اصوات امريكية وعراقية تتهم رئيس مجلس القضاء القاضي فائق زيدان بانه يعمل لمصلحة المحور الايراني وخصوصا بعد ما وصف بتفسير الثلث المعطل الذي حرم عمليا تحالف الصدر – الحلبوسي – البرزاني من تشكيل الحكومة وادى لاستقالة النواب الصدريين وسيطرة الاطار التنسيقي على مقاليد الامور.

في شهر كانون الاول الماضي وبعد المصادقة على نتائج الانتخابات, ظهر مقال طويل انتشر في العراق تناول القاضي زيدان بالتفصيل واصفا اياه بالملك وبانه اخطر رجل في العراق. وبينما احتوى المقال على معلومات صحيحة فانه ضم ايضا مبالغات ومعلومات خاطئة مثل الزعم بان احد القضاة المرتبطين بزيدان حكم على نصف مليون سني بالاعدام وهذا ببساطة محض هراء.

منذ ذلك الحين على الاقل بدا ان زيدان يحاول دحض هذا الانطباع الذي صار راسخا لدى الكثيرين بانه رجل ايران والميليشيات والاحزاب الفاسدة في العراق.

فمثلا رحب – في كانون الاول الماضي ايضا – علنا باعلان عدد من الفصائل موافقتها على نزع سلاحها او حصره كما نشر مقالا في شهر اذار الماضي وصف فيه تفسير القضاء العراقي السابق لمفهوم الكتلة الكبرى – الذي مهد الطريق لولاية المالكي الثانية – بالخطيئة. كما ندد في اذار ايضا بهجمات الفصائل ضد البعثات الدبلوماسية العاملة في العراق.

من السوداني للمالكي ومن سافايا لبراك

في شهر كانون الثاني الماضي قرر رئيس الوزراء السوداني التنازل لصالح منافسه نوري المالكي – فيما وصف حينها بالمناورة – ممهدا الطريق لاختيار الاطار التنسيقي للاخير مرشحا رسميا لرئاسة الحكومة.

في نفس الشهر اعلن الرئيس ترامب وفي تغريدة بانه لا يقبل ترشيح المالكي وان الولايات المتحدة لن تتعاون معه.

وبعد ايام قليلة ازيح المبعوث الامريكي للعراق مارك سافايا من منصبه ليخلفه المبعوث الامريكي لسوريا توم براك.

كان براك وبدفع من الرئيس السوري احمد الشرع قد اقنع ترامب بان المالكي سيكون مضرا للمصالح الامريكية في المنطقة وخصوصا في سوريا.

واسهم ذلك بالاضافة الى مشاكل قانونية اعاقت حصول مارك سافايا على التصريح الامني الضروري لاداء عمله الحكومي في الاطاحة بسافايا واستبداله ببراك.

وبراك هذا شخصية ذات اراء غير تقليدية. فهو يؤمن بان الشرق الاوسط غير صالح للديموقراطية وان افضل ما يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة هو وقف الحروب بين دوله ومكوناته وتعزيز التجارة عل ذلك يؤدي تدريجيا لتغيير المناخ المتطرف في المنطقة ويعزز السلام. وفي المقابل يحظى براك بثقة ترامب كما ان لديه علاقات وثيقة بالامارات.

نموذج الشرع

يرى الكثيرون ان احمد الشرع يعد مثالا عمليا لافكار براك في الاستعانة بما هو موجود على ارض الواقع ومحاولة تحقيق اقصى قدر من الفائدة للولايات المتحدة وحلفائها ودول المنطقة من دون خوض حروب طويلة ومكلفة وخاسرة من اجل سراب زرع الديموقراطية في الشرق الاوسط.

في شباط الماضي وصل براك لبغداد والتقى مع اهم القيادات السياسية في البلاد بما فيهم القاضي فائق زيدان.

في نفس الشهر وبحسب عدة مصادر مطلعة وعد زيدان براك بالاستجابة للمطالب الامريكية التي تضمنت حل الميليشيات وحصر السلاح ومكافحة الفساد وتخفيف الارتباط بايران والاصلاح المالي والاقتصادي والسياسي…الخ.

وحينها ايضا قدم زيدان مرشحا – جديدا – لرئاسة الحكومة هو رجل الاعمال علي الزيدي. وبينما التقى الزيدي بقيادات البلاد السياسية حينها, فان ترشيحه لم يؤخذ على محمل الجد باعتباره شخصية غير سياسية وكونه شاب بلا خبرة في العمل الحكومي.

بعد رفض الزيدي, دخل الاطار التنسيقي في لعبة طرح الاسماء التي رفضت كلها في النهاية: باسم البدري, حميد الشطري, صالح الحسناوي واحسان العوادي وربما اخرون.

في تلك الاثناء كان رصيد السوداني لدى الولايات المتحدة يضعف يوميا بسبب هجمات الفصائل المستمرة على المصالح الامريكية في العراق – 600 هجوم بحسب احصائية امريكية نشرت مؤخرا.

في نهاية الامر وفي اوائل نيسان الماضي, كان الهجوم على قافلة دبلوماسية اقلت صحفية امريكية اطلقت الكتائب سراحها بعد خطفها هو القشة التي قصمت ظهر البعير: لا نريد السوداني بعد اليوم ويجب تشكيل حكومة جديدة في اقصى سرعة ممكنة لتنهي الفوضى في العراق.

بعد ذلك وفي اواخر شهر نيسان الماضي قرر الاطار اختيار رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي باعتباره شخصية مقبولة شعبيا واقليميا ودوليا. لكن المالكي طلب تأجيل الاعلان ليوم واحد.

التف المالكي على القرار وحاول اقناع السوداني بالموافقة على مرشحين اخرين لكن السوداني رفض مرشحي المالكي. في النهاية اعيد طرح علي الزيدي. هذه المرة وافق الغريمان المالكي والسوداني عليه ومعهم اغلب قادة الاطار. وانسحب العبادي ممتعضا. ويبدو ان الامارات لعبت دورا في الوصول لهذه النتيجة…

من هو علي الزيدي؟

تنحدر عائلة الزيدي من الشطرة – وكذلك فائق زيدان – وتقول مصادر ان عائلته كانت تعمل بتجارة الدجاج ثم تحسنت احوالها تدريجيا بعد الغزو الامريكي وعملت في الصيرفة ثم اصبح الزيدي بعد سنوات من اهم شخصيات اللجان الاقتصادية لائتلاف دولة القانون.

بهذه العلاقة انشأ 15 شركة بقيمة حوالي ربع مليار دولار وهيمن على تجارة المواد التموينية للعراق عبر برنامج الحصة التموينية وكذلك حصل على عقد او عقود لاطعام الجيش العراقي وصارت الصيرفة مصرفا يتاجر في مزاد العملة ليتبعه جامعة ومختبر طبي وسلسلة متاجر وفضائية. ووصل الحال الان ان الدولة العراقية مدينة له ببضعة مليارات من الدولارات!

وبهذا انضم الزيدي لاخرين مثل علي غلام ونور زهير وعقيل مفتن واخرين ممن يوصفون بحيتان الفساد في العراق.

كما نسج علاقات امريكية من خلال استيراد الرز الامريكي وبالاستعانة بخدمات شخصية مصرفية امريكية عملت يوما ما ملحقا في السفارة الامريكية في بغداد.

هل ينجح الرهان؟

ما حصل هو مقامرة افرزتها ظروف غير طبيعية في بغداد وواشنطن وطهران ايضا.

لدينا رئيس امريكي استبعد المؤسسات التقليدية مثل الخارجية والمخابرات ليضع ثقته الكاملة في شخصية غير تقليدية مثل براك. ولدينا رئيس لسلطة قضائية يعد بتحقيق ما فشلت به كامل الطبقة السياسية العراقية منذ 20 سنة. ولدينا رجل اعمال حقق ثروة مليارية عبر علاقات فساد مع احزاب وميليشيات ايران في العراق وهاهو يعد بلجم الميليشيات ومكافحة الفساد!

هناك من يقول ان الزيدي سيكون شرع العراق واخرون يعتبرونه مجرد واجهة لزيدان واخرون يفسرون الصمت الايراني بانه رهان على عقم وغباء هذا المشروع الامريكي وهناك من يشبه الزيدي بسماجة بدونالد ترامب!

الحقيقة ان هذا ليس رهانا ولا تمني: انه نكتة!

العودة الى ارض الواقع

واخيرا هناك واقع مرير لا يتكلم عنه الكثيرون: العراق بلا موارد وللشهر الثالث على التوالي. نفط العراق لا يصدر لان مضيق هرمز مغلق وعندما كان يصدر كان بالكاد يسد رواتب الموظفين!

وحتى لو فتح المضيق اليوم وهو امر مستحيل, سنحتاج لبضعة اشهر لكي تعود الشركات النفطية الاجنبية التي طردتها صواريخ الفصائل من العراق ولكي يعود الانتاج النفطي العراقي لمستواه السابق ولكي تعود ناقلات النفط لموانئ العراق!

الحكومة تلجأ للاقتراض من المصارف الخاصة واحيانا من البنك المركزي ويبدو انها تتجه الان لطبع الدينار من جديد بما يذكرنا بخراب سنوات الحصار في التسعينات عندما باع العراقيون اثاث بيوتهم ليعيشوا!

اما برنامج الزيدي الذي نشر يوم امس فليس سوى انشاء مكرر بلا اي خطوات عملية. وما تسرب عن اسماء وزرائه لا يبشر الا بما شهدناه خلال ال 20 سنة الماضية من خراب!