د. فاضل حسن شريف
يعد الاشتقاق أحد أبرز أركان اللغة العربية، وأداة حيوية لنموها وتطورها ومرونتها، حيث يتيح توليد ألفاظ جديدة من جذر واحد للتعبير عن المعاني المستجدة والمصطلحات الحديثة. تكمن أهميته في إثراء المعجم العربي، سهولة فهم المشتقات بناءً على أصولها، وربط الكلمات ببعضها دلالياً.وتتمثل أهمية الاشتقاق في اللغة في النقاط التالية:توليد الألفاظ والمصطلحات: يعمل كمنهج لغوي حي لإنتاج كلمات جديدة (مثل: هاتف من هَتَف) تواكب التطور العلمي والتقني، مما يغني اللغة ويمنع جمودها. المرونة وسعة البيان: يمنح اللغة العربية القدرة على التعبير عن عشرات المعاني المختلفة باستخدام جذر لغوي واحد، مما يثري الأسلوب.تنمية الثروة اللفظية: يزيد من مرونة اللغة (المرونة)، مما يضمن بقاءها وقدرتها على استيعاب المفاهيم الجديدة.سهولة الفهم والتعلم: يُسهّل على متعلم اللغة فهم معاني الكلمات الجديدة بمجرد معرفة جذرها (مثال: مكتب، كاتب، مكتوب من كَتَبَ)، مما يُنشئ ترابطاً معنوياً.التعبير عن الدلالات الجمالية: يساهم في إظهار دقة اللغة العربية وجمالياتها من خلال تنوع الصيغ (مثل: اسم الفاعل، اسم المفعول) وتجاور الأصوات. يعد الاشتقاق (خاصة الصغير) الآلية الأساسية التي تصرف بها الأفعال والأسماء، وينقسم إلى أنواع أهمها الصغير، والكبير، والأكبر.
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ” ﴿يوسف 88﴾ وَجِئْنَا: وَ حرف عطف، جِئْ فعل، نَا ضمير، بِبِضَاعَةٍ: بِ حرف جر، بِضَاعَةٍ اسم، مزجاة اسم، فَأَوْفِ: فَ حرف استئنافية، أَوْفِ فعل، لَنَا: لَ حرف جر، نَا ضمير، الْكَيْلَ: الْ اداة تعريف، كَيْلَ اسم. مُزْجاةٍ: رديئة، مزجاة: قليلة يسيرة، و المُزجى: الشيء القيل أو الرديء. ببضاعة مزجاة: بأثمان رديئة كاسدة. فذهبوا إلى “مصر”، فلما دخلوا على يوسف قالوا: يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا القحط والجدب، وجئناك بثمن رديء قليل، فأعطنا به ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، وتصدَّقْ علينا بقبض هذه الدراهم المزجاة وتجوَّز فيها، إن الله تعالى يثيب المتفضِّلين على أهل الحاجة بأموالهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ” (يوسف 88) “فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر” الجوع “وجئنا ببضاعة مزجاة” مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها “فأوف” أتم “لنا الكيل وتصدق علينا” بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا، “إن الله يجزي المتصدقين” يثيبهم فَرَقَّ لهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ” ﴿يوسف 88﴾ البضاعة المزجاة المتاع القليل، وفي الكلام حذف والتقدير فساروا بني يعقوب إلى مصر ولما دخلوا على يوسف قالوا “إلخ”. كانت لهم – على ما يدل عليه السياق – حاجتان إلى العزيز ولا مطمع لهم بحسب ظاهر الأسباب إلى قضائهما واستجابته عليهم فيهما. إحداهما: أن يبيع منهم الطعام ولا ثمن عندهم يفي بما يريدونه من الطعام على أنهم عرفوا بالكذب وسجل عليهم السرقة من قبل وهان أمرهم على العزيز لا يرجى منه أن يكرمهم بما كان يكرمهم به في الجيئة الأولى. وثانيتهما: أن يخلي عن سبيل أخيهم المأخوذ بالسرقة، وقد استيأسوا منه بعد ما كانوا ألحوا عليه فأبى العزيز حتى عن تخلية سبيله بأخذ أحدهم مكانه. ولذلك لما حضروا عند يوسف العزيز وكلموه وهم يريدون أخذ الطعام وإعتاق أخيهم أوقفوا أنفسهم موقف التذلل والخضوع وبالغوا في رقة الكلام استرحاما واستعطافا فذكروا أولا ما مسهم وأهلهم من الضر وسوء الحال ثم ذكروا قلة ما أتوا به من البضاعة ثم سألوه إيفاء الكيل، وأما حديث أخيهم المأخوذ فلم يصرحوا بسؤال تخلية سبيله بل سألوه أن يتصدق عليهم وإنما يتصدق بالمال والطعام مال وأخوهم المسترق مال العزيز ظاهرا ثم حرضوه بقولهم: “إن الله يجزي المتصدقين” وهو في معنى الدعاء.
الاشتقاق هو أحد أهم ركائز علم الصرف، وعلاقتهما علاقة الجزء بالكل أو الأداة بالمنهج؛ إذ يُعنى علم الصرف بدراسة بنية الكلمة العربية وأصولها وما يطرأ عليها من تغييرات، بينما يمثل الاشتقاق العملية التوليدية التي تشتق كلمات جديدة (كالفاعل، المفعول، المصدر) من جذر واحد (الأصل) لتوليد مفردات جديدة وتنمية المعجم. الاشتقاق مادة الصرف: يُعد الاشتقاق (خاصة الصغير) الوسيلة الأساسية التي يستخدمها الصرفي لتحويل الجذر (مثل: ك-ت-ب) إلى صيغ مختلفة (كاتب، مكتوب، كتابة، يَكتب). توليد الكلمات والأوزان: يهدف الصرف إلى ضبط أوزان الكلمات، والاشتقاق هو عملية إدخال هذا الجذر في هذه الأوزان، مما يثري اللغة بالمفردات ويغير دلالة الكلمة الأصلية.التفريق بين الأصل والفرع: علم الصرف يحدد ما إذا كانت الكلمة “أصلاً” (كالفعل الماضي) أو “فرعاً” (كالمشتقات كاسم الفاعل والمفعول)، والاشتقاق هو المسار الذي يربط الفرع بالأصل.التوافق في المادة والمعنى: العلاقة بين الاشتقاق والصرف قائمة على أن الكلمات المشتقة تشترك مع أصلها في الحروف الترتيبية (المادة) وتتقارب في المعنى، ويضبط هذا التشابه الميزان الصرفي.باختصار، الاشتقاق هو العمل الفعلي لتوليد الألفاظ، وعلم الصرف هو القاعدة العلمية التي تحكم هذا التوليد وتضبط صحة الصيغ.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ” ﴿يوسف 88﴾ وأخيراً استطاعوا أن يقابلوا يوسف، فخاطبوه ـ وهم في غاية الشدّة والألم ـ بقولهم: ” فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ” أي أنّ القحط والغلاء والشدّة قد ألمّت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلاّ متاعاً رخيصاً ” وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ” ﴿يوسف 88﴾ (البضاعة) أصلها (البضع) على وزن جزء، وهي بمعنى القطعة من اللحم المقطوعة من الجسم، كما يطلق على جزء من المال الذي يقتطع منه ثمناً لشيء (مزجاة) من (الازجاء) بمعنى الدفع، وبما أنّ الشيء التافه والقليل الثمن يدفعه الآخذ عن نفسه، اُطلق عليه (مزجاة). لا قيمة لها ولكن ـ في كلّ الأحوال ـ نعتمد على ما تبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك “فاوف لنا الكيل” بمنّك الكريم وصدقاتك الوافرة “وتصدّق علينا” ولا تطلب منّا الأجر، بل اُطلبه من الله سبحانه وتعالى حيث “إنّ الله يجزي المتصدّقين”. والطريف أنّ إخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم أوّلا، بل حاولوا الحصول على الطعام، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب، ولعلّ السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف، أو لعلّهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم أمام العزيز والمصريين وكأنّهم اُناس جاؤوا لشراء الطعام والحبوب فقط، فمن ثمّ يطرحوا مشكلتهم أمام العزيز ويطلبوا منه المساعدة، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى وإحتمال تنفيذه أكثر. قال بعض المفسّرين: إنّ مقصود الإخوة من قولهم: “تصدّق علينا” ﴿يوسف 88﴾ كان طلب الإفراج عن أخيهم لأنّهم لم يطلبوا من العزيز الطعام والحبوب مجّاناً دون عوض حتّى يطلبوا منه التصدّق عليهم، فإنّهم يدفعون ثمنه. ونقرأ في روايات وردت في هذا المقام، أنّ الإخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر وأكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب، ثمّ عرّف نفسه والأنبياء من أهل بيته وأخبره برزاياه وما تحمله من المصائب والمصاعب من فقده أعزّ أولاده وأحبّهم إلى نفسه يوسف وأخيه بنيامين، وما أصابهم من القحط والغلاء، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز أن يمنّ عليه ويطلق سراح ولده بنيامين، وذكّره أنّ بنيامين سليل بيت النبوّة والرسالة وأنّه لا يتلوّث بالسرقة وغيرها من الدناءات والمعاصي. وحينما قدّم الأولاد رسالة أبيهم إلى العزيز شاهدوا أنّه فضّ الرسالة بإحترام وقبلها ووضعها على عينيه وبدأ يبكي بحيث أنّ الدموع بلّت ثيابه (3) (وهذا ما حيّر الإخوة، وبدأوا يفكّرون بعلاقة العزيز مع أبيهم بحيث جعله يبكي شوقاً وشغفاً حينما فتحها، ولعلّ فعل العزيز أثار عندهم إحتمال أن يكون يوسف هو العزيز، ولعلّ هذه الرسالة أثارت عواطف العزيز وشعوره بحيث لم يطق صبراً وعجز عن أن يخفي نفسه بغطاء السلطة وأجبره على كشف نفسه لإخوته).