احمد عدنان عزيز الميالي / وضاح فاضل عباس
ا.م.د. احمد عدنان عزيز الميالي كلية العلوم السياسية جامعة بغداد
م.م. وضاح فاضل عباس الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية
الملخص
تعد موضوعات الهوية والامة من القضايا المصيرية في استقرار المجتمعات الأنسانية ، واحد اهم مداخل البناء القيمي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي كما انها من الآليات الاساسية لبناء السلام لمجتمعات مابعد الصراع، والعراق أحد اهم هذه المجتمعات التي شهدت صراعات وعدم استقرار سياسي مستدام،وخاصة بعد عام 2003م، ولهذا تعد الاطروحات التي قدمها فالح عبد الجبار في مفاهيم الهوية–الامة تندرج في هذا السياق.بأعتبار أن العراق بلد التنوعات والاختلافات القومية والاثنية والدينية، والتي وظفت سياسياً وادخلت في ابعاد طائفية، انعكست بشكل سلبي على الاندماج الاجتماعي والموقف من المجال السياسي كما ستولد حالة العداء للدولة –السياسية، وادخلتها في متاهات أمنية وفكرية، ترجمت بمشاريع تفكيك الدولة العراقية ، ولهذا تصب افكار فالح عبد الجبار عن الهوية والامة كمفاهيم وآليات ومقولات لمواجهة هذا التمزيق وردم هوة الاختلافات وتوظيفها السياسي محاولة منه بلورة تلك المفاهيم وترجمتها نحو السياسة وصهرها داخل الدولة التي تتكفل في هندستها وضبط توازناتها واختلافاتها مؤسساتياً وصولاً لفضاء اجتماعي سياسي متعدد حر يعترف بالجميع دون تمييز.
الكلمات المفتاحية ( الهوية – الامة – الدولة – فالح- عبد الجبار)
Identity and the nation according to Faleh Abdul-Jabbar
Ass.prof. Ahmed Adnan Azeez Al-Mayali- college of political science- Baghdad University
Assistant teacher. Waddah Fadel Abbas- Iraqi University- College of Law and Political Science
Summary
The issues of identity and the nation are among the crucial issues in the stability of human societies, and one of the most important entry points for building values, morals, socially, and politically. It is also one of the basic mechanisms for building peace for post-conflict societies, and Iraq is one of the most important of these societies that witnessed conflicts and sustainable political instability, especially after 2003 AD, and for this reason The theses presented by Faleh Abdul-Jabbar on the concepts of identity-nation fall within this context. Considering that Iraq is a country of national, ethnic and religious diversities and differences, which were employed politically and introduced into sectarian dimensions, which negatively affected social integration and the position on the political field and would generate a state of hostility to the state. The political, and entered it into security and intellectual labyrinths, translated into projects to dismantle the Iraqi state, and for this reason, Faleh Abdul-Jabbar’s ideas about identity and the nation flow as concepts, mechanisms, and sayings to confront this fragmentation and bridge the gaps of differences and employ them politically in an attempt to crystallize these concepts and translate them into politics and fuse them within the state that sponsors its engineering. And adjusting its balances and differences institutionally in order to reach a free, pluralistic social and political space that recognizes everyone without discrimination.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Keywords (identity – nation – state – Faleh – Abdul Jabbar))
المقدمة
ان البحث في موضوعات الهوية والامة، يرتبط بطبيعة السياق التكويني التقليدي والحديث للمجتمعات الانسانية وكيفية تبلورها في كيانات ذات خصائص معينة، (فردانية/جماعاتية) تنفرد بها عن غيرها، وبنفس الاهمية تتضافر عدة عوامل منها ماهي (تاريخية/ ثقافية/ قيمية/ بايلوجية/ اجتماعية/ اقتصادية/ سياسية)، لتحدد هويات الجماعات الفرعية الانسانية، مابين الاستقرار او التوتر، وفق نظاماً يوحد ارادتها ويصهرها في بوتقة واحدة.
أن الفكر الاجتماعي والسياسي الغربي حدد طبيعة تجانس الجماعات الانسانية وتشكيلها في سياق ايديولوجي واحدي وثم مساره بهوية ضيقة وفق اسسٌ عنصرية ( لون) او قومية( لغة/ خصائص تاريخية/ قيمية / ثم دينية ، ومن ثم دخلت كمفهوماً سياسياً) الخ .. بعد ذلك اتخذت بعد الانفتاح العالمي نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي وبروز العولمة تحول العالم الى عالم متقارب لاتحدهُ حدودٌ، ومنها ازاحة منطق الدمج القسري الانساني الايدولجي، نحو التجانس الهوياتي الانساني المرن في أَمة، وأخذها ابعاداً أوسع قيمية روحية وثقافية واقتصادية وسياسية تصهر هويات الجماعات، وتشكيل امة أو امم ذات هويات متعددة ومن ثم تشكيل هوية وطنية داخل دولة المواطنة المؤسساتية.
وهذا ماذهبت أليهِ افكار وطروحات فالح عبد الجبار في مجال بناء الامة عبر صهر الهويات الفرعية نحو الوطنية العراقية لمواجهة تحديات المجتمع العراقي سياسياً وأجتماعياً، أذ واجه العراق تحديات فرضتها طبيعة التركيبة الانسانية الاجتماعية من جهة والجذور التاريخية والدينية المتأصلة والثقافية المتنوعة، لتبرز لدينا هويات فرعية( قومية/ عربية/كردية)، وهوية دينية( اسلامية)، لتعكسها اجتماعياً ولتكون فكرة امة وهوية وطنية ومن ثم سياسياً لتفرضها واقعياً.
ان الأبعاد الواسعة والثرية التي تربط بحث موضوع الهوية والامة ومنها دراسة حالة العراق، يضع أمامنا تحديات فرضتها طبيعة التركيبة الفسيفسائية للعراق، وهذا سنبحثهُ في جوانب تشكل فكرة امة وهوية وطنية عراقية تتداخل بنظام ودولة.
أَهمية البحث :
أن دراسة الهويات والامة والهوية الوطنية العراقية من المواضيع المعاصرة ذات الاهمية البالغة نتيجة تصدعات أَجبار هذه المفاهيم على مستوى الواقع الاجتماعي والسياسي وتذبذب الواقع، كما تحتم علينا الحفر والبحث بعمق ودراستها كونها حاجة ضرورية وماسة، فلابد من فهم مداركها وتصوراتها وأمثلتها وتطبيقها على الواقع العراقي.
هدف البحث : يهدف البحث الى مايلي :
- تحديد منابع التوتر والعنف الاجتماعية الثقافية والسياسية الفكرية والمؤسساتية في العراق التي أَخترقت البنى والمونادات التي تستند عليها فكرة الامة والهوية الوطنية العراقية.
- تهيأة الاسس الفكرية والبنيوية التي تحقق على أَثرها فكرة بناء الامة والهوية الوطنية العراقية.
- محاولة ايجاد صيغة ملائمة من الممكن أن تحقق حالة تجانس أَنسانية، للبنية الاجتماعية العراقية والهوياتية الفرعية، والتمهيد لبناء الامة ومن ثم الهوية الوطنية العراقية.
أَشكالية البحث :
تصب مشكلة البحث الرئيسة حول كيفية فرض طروحات التنظير الى سياقات ومحاولات الممارسة سياسياً واجتماعياً أضف الى ذلك صعوبة اقناع السياسي – والأخر المختلف احياناً بالمقتربات الجامعة للهويات لتكوين الامة وثمَّ الهوية الوطنية التي تسهم في بناء عراق واحد موحد يعترف بالتعددية والتنوع، ومن منطلق التساؤلات نفترض مايلي.
الفرضية :
ترتكز فرضية البحث من : ( أن فالح عبد الجبار عمل على طرح مقاربات فكرية وآليات متعددة، منها مقاربة الثقافة و الدين وعلاقته بالمجتمع، و ابراز الهويات الاجتماعية الفرعية ثقافياً، ليصهرها في امة واحدة، ثم محاولة خلق وعي روحي بالهوية الوطنية وتجسيدها مؤسساتياً في دولة عراقية وطنية ).
منهجية البحث : لأجل تحقيق صحة الفرضية المطروحة امامنا تم استخدام المدخل التاريخي و التحليلي والمنهج الوظيفي لتفكيك الافكار والاطروحات الفكرية والنصوص والمواقف والبنى الفكرية والفلسفية والقيمية والمؤسساتية التي طرحها فالح عبد الجبار.
هيكلية البحث : تم تقسيم البحث الى ثلاث مطالب :الاول بحثنا فيه رؤية ومقاربة فالح عبد الجبار المفاهيمية للهوية والامة ،اما المطلب الثاني :بحثنا في معوقات بناء الهوية والامة في العراق بعد عام 2003 م عند فالح عبد الجبار، والمطلب الثالث تضمن البحث في مقومات بناء الهوية والامة في العراق بعد عام 2003م عند فالح عبد الجبار، ثم وضعنا خاتمة وأَستنتاجات وتوصيات للبحث تصب في صلب موضوع الهوية- الامة.
المطلب الاول: مفهوم الهوية والأمة عند فالح عبد الجبار
سنعالج في هذا المطلب مفهوم الهوية والامة عند فالح عبد الجبار وكالاتي :
1- مفهوم الهوية عند فالح عبد الجبار
أَن مفهوم الهوية هيَ فضاء واقعي ثقافي قيمي حر يشملُ الخصائص (الأنسانية الروحية/المادية) التي تَشتَركُ بها الجماعات الانسانية وهوياتها وتجسدها بأَطار مؤسساتي تمثيلي حر، يعكسُ خلالها القيم الانسانية والروابط الثقافية المتنوعة التي تملكها الجماعات وتمارسها دونَ تضاد، ( أَثني/ ديني/ مذهبي)، (ممارسة الحريات/ الدينية/ الثقافية)، فالهويات هي ثقافية نحو الوطنية إذ تتكون بمعزل عن الادلجة السياسية والتناحر والتصارع المستمر، الذي يشكلُ تضاد دائم 1، وبالاضافة إلى ذلك أن مفهوم الهوية يتجسدُ بوجودِ مجالات وفضاءات واسعة حرة غير مقيدة مُتاحة على الجماعات، تعكس روح التلاحم الانساني والتعايش، نحو هويات وجماعات ثقافية بعيدة عن الادلجة السياسية2.
وعلى نطاق مفهوم الهوية دخل مفهوم الثقافة عندهُ اساسياً لتحديد هوية الجماعة الانسانية وتميزها عن غيرها. ونتيجة ذلك أن مفهوم الهوية عند فالح عبد الجبار: هو ثقافي فضاء قيمي أَنساني عاطفي شعوري تشترك بهِ الخصائص الذاتية الزمكانية الأنسانية المتنوعة المولدة للنزعة الوطنية الموحدة، المجردَ من السياسة، فحسُ الأنتماء الوطني القيمي يعتاشَ على رابطة الانتماء الروحي القيمي (التقليدي/الحديث) والقضايا الوطنية الموحدة والمصير الموحد المشترك،وإيجاد أي خطر خارجي ينذرُ بمصير الوطن3.
كما عرف فالح عبد الجبار الهوية العراقية قائلاً :أَن مفهوم الهوية العراقية بالقول “أَن مفهوم الهوية العراقية هو فضاءً واقعياً ووحدة سياسية قائمة في العالم الحديث “4.
أَن مفهوم الهوية العراقية عرفه فالح بانهُ “هو فضاء ثقافي أَجتماعي سياسي واسع ينطلقُ من توليد النزعة الشعورية والروحية الذاتية (الدينية- الثقافية) التي تكتسب وجودها المشترك داخل الامة العراقية بخصائصها المشتركة( الدينية/ الاثنية/ القومية) كشعور انساني عاطفي داخل الامة العراقية ليترجم كأيعازاً للممثلين السياسيين لبناء نظاماً سياسياً فعالٌ يحقق تمثيل مؤسساتي متوازن للأمة، نحو تكوين الهوية الوطنية داخل الدولة العراقية”5.
ولتوضيح ذلك نرى أَن الهوية العراقية هي نزعةٌ روحية وولادةِ شعورٌ وطني ذاتي حر أَنساني تتوالف وتنصهرُ داخلها شتى الانتماءات والتنوعات( الدينية /القومية /الاثنية) داخل الامة المتخيلة الموحدة لخلق أَرادة وطنية حرة تحفز الدولة (كجهاز حكم)عبرَ(نخبة سياسية) أيعازاً موحداً يعكسُ الشعور الروحي نحوَ أَعتراف بالهوية الوطنية والى صورة مادية تجسدها داخل مؤسسات الدولة العراقية تمثلُ أرادتها الوطنية وتعترف بهويات الجميع وفق المواطنة المؤسساتية.
وعلى وجه الخصوص دخل مكملاً لما طرحناه سابقاً مفهوم الوطنية كمحددٌ أَساس للهوية الوطنية عرفهُ فالح بأَن مفهوم الوطنية “ان مفهوم الوطنية هيَ الشعور الروحي القائم على الانتماء الى امة او وطن “، فبوجود الوطنية والدين الانساني الثقافي متجاورين كفضائين ثقافيين غير متصادمين سيمهدُ لبناءِ الهوية الوطنية العراقية الحرة، أما في حالة هيمنة الدولة وأَدلجتهم سيعملُ على تغييبها لصالح الدولة الاحتكارية وهُنا يقتربَ فالح مثل رأي (أيريك هوبز*)6.
نستنتج بأن : أن مفهوم الهوية نزعةٌ عاطفية شعورية ثقافية تشترك بها الخصائص المعنوية والذاتية للجماعات الانسانية المختلفة التي تُعبر عن محتواهم القيمي (الزمكاني) داخل حدود الوطن الواحد ومترجمة هذا الشعور مادياً في أطارٌ مؤسساتي حر متوازن، فعند أكتمال وأنتظام الهوية في المجتمع سيعمل ذلك على احراز بناء الامة الثقافية مولداً شعوراً بالهوية الوطنية وتطبيقها داخل الدولة العراقية وهذا ماسنبحثه في الآتي.
2- مفهوم الامة عند فالح عبد الجبار.
خَضَعَ مفهومَ الامة العراقية وعلاقتِها بالدولة الكثير من العلاقات المتشابكة، فالهدم الكلي المركزي مابعدَ 2003م، فتح الباب أَمام الجماعات الانسانية بالتحرر من الهمينة الشمولية المركزية للدولة العراقية، وتوجهت الجماعات نحوَ أَكثر انفتاحاً وحرية وتعبيراً عن الرأي خصوصاً بعدَ مجيء الدستور الحديث اللامركزي والديمقراطي وتوفير الفضاءات التعددية الحرة، الذي عَزَزَ من أًمكانية تأثير الجماعات الاجتماعية كمُركز تأثير على الحكومة وتقويمها.
عرفَ فالح مفهومَ الامة بأنها “الأمة هيَ وجودٌ بشري- ثقافي بينما الدولة تقومَ على أركان الاقليم /الشعب /النظام السياسي ” وهذه الرؤية تتوافق نسبياً مع طبيعة الدولة اللامركزية العراقية الحديثة ودستورها الجديد مابعد 2003م7.
و بالمثل أَيضاً أَن الامة هي بوصفها مفهوماً أَنسانياً يستندُ على فكرة(الأندماج السلمي) اللاقسري وأَنصهار مُختلف الجماعات البشرية وأَنتماءاتهم (الاثنية–الدينية-الثقافية)، بوجود فضاء ثقافي محفز للدولة (كجهاز حكم)، ثم أحلال روابط حديثة وفضاءاتً (مادية-روحية-بنيوية–أَدارية) تحملُ هذهِ التنوعات وتديرَ مصالحها وصهرها داخل الدولة 8.
وعاد فالح عبد الجبار مؤكداً طرحه مفهوم الامة بأنها بـــــ( إرادة طوعية أنسانية قائمة على أساس روح ووحدةِ القضايا الانسانية الوطنية المشتركة، التي توحدها روح التسامح والتعايش وقبولَ الآخر كجماعة أَنسانية، وانعكاسها تمثيلياً بوجود دولة مؤسساتية تُجسدَ روحَ الأنتماء الوطني المشترك، ولتعترف بأفرادها وفق مبدأ المواطنة المؤسساتية)9.
بالإضافة إلى ذلك عاد بتعريفهِ مفهوم الامة الحديثة (ثقافياً) عِندَ فالح عبد الجبار (الامة الثقافية):هي جماعة متخيلة متجانسة ثقافياً تربطها خصائص أنسانية تتمثلُ بـــ(اللغة/الدين/العرق)، وتُحيطها الروابط والمشتركات القيمية والانسانية والخصائص البشرية المتنوعة التي تبثَ الروح الموحدة والموقدهَ لتماسك الامة فهيَ موجودة في الواقع وتهدفُ أَن تتحقق في دولة، تمثلها فهي ليست مفهوماً حضارياً أَو مقدساً بل أَقرب إلى الأصطناع10.
وليس هذا فقط بل أَن مفهوم الامة المتجانسة عبرَ عنها من وجود (الطابع الاقتصادي الريعي/ الحر) اذ أَن الأمة تتشكل كوحدة متماسكة متجانسة متحررة من التمييز الطبقي(القديم/الحديث)،هذا ما يعزز روح التضامن والتوحيد المصلحي المشترك ليلغي على أَثرها أَشكال التمايزات (الدينية/الأثنية) والتمهيد لخلق فضاء أَقتصادي سلمي موحد للجماعات11.
وإلى حد كبير ووفق صميم العلاقة مابين الأمة والدولة أَن الامة العراقية الحديثة بإعتٍبارٍها منَ البلدان النامية يَنبغي بنائِها من الأعلى أي (إيجاد ممثلين سياسيين/نخبة) تُمثل أرادة الامة، ونظام سياسي لامركزي مفتوح مرن وأَيدولوجيات جامعة لمعالم الامة العراقية وتنوعاتها (الدينية –الاثنية) (أكثرية/اقلية) مواكبة لحَركة التطور والتفاعُل والإشراك (الاقتصادي/والسياسي)، وفقَ سياقِ المواطنة المؤسساتية دونَ إِقصاء12.
ثم رأى فالح بعَد التحول الى عصر التعددية السياسية، تداخل مفهوم الامة بمفهوم الوطنية كنزعة أنتماء (روحية-نفسية) ومن هذا المنحى سيتجهُ العراق نحوَ(الايدولجية الوطنية العراقية) فهيَ النزعة الحية التي لا تحتاجُ الى مبادئ مجردة، نحوَ أَضمحلال وزوالَ الايدولجيات السياسية جميعها، عصر مابعد الحداثة سيتجهُ نحوَ النزعة الوطنية الحرة التي تتعايش في كل زمان ومكان13.
والاكثر أَهمية أَن بناء الامة العراقية الديمقراطية الحرة لا يتم، إلا بوجود دولة ذات حريات مفتوحة على الافراد والجماعات تتمثل بــ (نظام سياسي لامركزي اداري) حر متوازن تحكمهُ اٌغلبية سياسية متوزانة تمثل أَرادات متنوعة، وتكونَ النخبة خاضعةَ لِرقابة السلطة التشريعية، والسلطة القضائية المستقلة، ومراقبة الرأي العام، وبِهذا الصدد، ذكر فالح عبد الجبار قولهُ: “في دیمقراطیات الامم المتجانسة، تحكم الاغلبیة البرلمانیة، وتخضع لمساءلة مجلس نیابي، كما تواجه سلطة قضائیة نافذة، وسلطة رابعة، سلطة الرأي العام”14.
نَستَنتِجُ مما سبق: أنَ وجود مفهوم الأمة حديث نسبياً، فهوَ وليدة الدولة الحديثة المؤسساتية، فبالرغم من العمق والمشتركات الوجودية الهوياتية الانسانية الدالة لوجودها، إلا أنها لم تظهر الى الواقع إلا بتحفيز مفتعل من قبل افراد الامة لتقويم نظامها السياسي وتجسيدها داخل النظام السياسي والدولة العراقية، كونها أَقرب الى الاصطناع، فهي شعورٌ معنوي روحي ويجسد مادياً داخل مؤسسات لتعترف بوجودها وهويتها الفرعية على أَساس أَنساني بمعزل عن الادلجة السياسية، ومنها لتمهدُ فكرة ولادة الهوية الوطنية الموحدة مؤسساتياً.
أَن مفهوم الهوية العراقية الوطنية (أَنساني ثقافي عاطفي روحي تجسدهُ ارادة الامة الموحدة داخل الدولة العراقية عبر الممثلين السياسيين لهم في الواقع)، أَن مفهوم الهوية العراقية هوَ شعورٌ عاطفي انساني ثقافي يتجسد وفق وادارة حرة تشترك فيها جلَ الخصائص الانسانية والروحية والثقافية للهويات المتنوعة للجماعات الانسانية دخل الامة العراقية، بصيغة متألفة لتترجم هذا الشعور الروحي الى صيغة مادية مؤسساتية تعترف بأنتماءاتهم الهوياتية وفقَ سياق الهوية المواطنة، بالنتيجة أن مفهوم الهوية العراقية هو نزعةٌ وجودية نفسية روحية ومادية وخصائص أَنسانية وارادة شعورية تنبثق من روح الامة، لتترجمها واقعياً كأعتراف رمزي معنوي ومادي على نحوٌ مؤسساتي داخل نطاق حدود الوطن الجغرافية، هذا ما سنبحثه بالمطلب الثاني.
المطلب الثاني
معوقات بناء الهوية والامة في العراق بعد عام 2003 عند فالح عبد الجبار.
أَفرزت التراكُمات والتعاقبات الايديولوجية السياسية العراقية من ولادة الدولة العراقية 1921م ، وصولاً الى البعث (التوليتاري) ومابعدها تحولات وتصارعات وتغيرات حادة جذرية بسبب الأثر والانغلاق الايدولجي (القومي) الذي ترابط وتضادَ بصورةٌ مُباشر بمصير وحدة الهويات الفرعية والامة العراقية وتماسكها، فمُنذ تأسيس الدولة العراقية وصولاً الى تسعينات القرن العشرين في عهد البعث افرزت الهوية والامة بفعلِ الايدولجية البعثية تحولاتٌ فوضوية أَفرزتها قيام البعث بالحملة الايمانية منها التوجه نحوَ (أَسلمة) الدولة العراقية وهدمٌ جزئي لمظاهر التمدن وتحول المجتمع إلى قبائلي أَسلامي وصعود النسب العشائري مكانة مرموقة، أثر ذلك على تشظي وأَنقسام هويات الامة وتغييب الهوية العراقية، وصولاً الى هدم مؤسسات الكلية للدولة العراقية بعد (2003م) أَنتجت أمة وهوية مسيسة ممزقة متهرئة خالية من الوحدة الوطنية والروابط المؤسساتية التلاحمية أنهت من وجودها وفاعليتها نسبياً التي كانت تتواجد داخلها روابط حضرية مؤسساتية داخلَ الأمة العراقية الوطنية منذُ ( 1993وصولاً إلى2003م) ومابعدها بصعود الهوية السياسية.
ذكر فالح عبد الجبار بالقول حول أَحد تحديات ومعوقات بناء الامة “لاتزال قضية التجانس الثقافي تطرح بقوة منذُ القرن العشرين وحتى اليوم “15. مثال تلك المعوقات :-
1- غياب الوحدة الثقافية المتجانسة للامة والهوية العراقية.(الصدام الثقافي).
أَن ضعف الدولة وغياب التوازن السياسي أَضاعَ أمكانية أَستقرار الامة والهويات وتمثيلها الحر،وجَعَلَ من أَستقرار الهويات والجماعات بيد الممثلين السياسين، وأنعدام الاستقرار السياسي غَيَبَ وحدة التجانس والاستقلال الثقافي والاجتماعي وأَختلال التمثيل المؤسساتي16، وجَعَلَ من النخب المتمدنة تتوجهُ نَحَوَ النزوح والهجرة الجماعية دون احتواء الدولة،كما حالة التراكم المدني الحضاري للمجتمع العراقي بعد 2003م، أَسهمت في أَحداث تغيرات ديموغرافية بأنتقال الطبقات ذات الثقافة (الدنيا) الريفية نحوَ المدينة وأَحدثت حالة تضاد داخلي، مما أَنتجت تضاد ثقافي مابين (الثقافة الحضرية المدنية/امام مواجهة الثقافة الدنيا الريفية) وأَفرز حركةَ ديناميكية مُتعرجة غيِرِ مُستقرة للأمة وهوياتها الفرعية والوطنية17.
2- هيمنة الثقافة القبائلية/البدوية.
وهيَ نابِعة من ضعف بنية مؤسسات الدولة العراقية المركزية، في أحكام الضبط الاجتماعي،مما أَتاحَ من وجود حِدة وتصارع وأَنقسام والتشظي ذاتي للبنية المجتمعية على مستوى (الثقافة/الايدولجية/الطبقية/الوعي)، جعل من الامة وهوياتها في حالةِ شتات نحو الولاءات الفرعية المحلية والقبائلية والمذهبية الدينية، دونَ وجود رابط وطني يوحدة ويصهر أَنتماءاتهم في بوتقة الدولة العراقية، فهمينة الثقافة البدوية على المجتمع غيبت من فكرة وجود الولاء الوطني الحر للدولة العراقية الحديثة18.
وثم خضوع الجماعات الاجتماعية الى الروابط الفرعية، وبهذا الصدد ذكر فالح عبد الجبار (قول فيصل الاول ملك العراق الاول) وبغياب الروح والاحتواء المؤسساتي للدولة غيب من الرابط الوطني الشعوري كنزعة وطنية قومية موحدة تمهد لبناء الهوية الوطنية العراقية19، ومن جهه اخرى أَّن الفكر الوسطي (السياسي /الديني /الاجتماعي)، مازالَ حبيس الأيدولجية السياسية على التعاقب دونَ أَنفصال، فأشاعته تَنبع من الوسطِ الأصولي الديني السياسي العراقي، فإستقرارنا ووطنيتنا مازالت مرهونهَ بهذا الأساس20.
أَن ضعف بنية المجتمع وتشتيتهُ غَيَبَ من فِكرة وجودِ روابط وطنية موحدة، تَعمق الشعور الوطني في أَيجاد وحدة وطنية كنزعة وشعور روحي مادي يلملم هذا الشتات الاجتماعي المُتناثر من جهة وغيب من فكرة (الوحدة القومية الوطنية) نحو الدولة، وجَرَدَ الواقع من وجود النزعة القومية الوطنية الحرة ثم فِكرةِ الهوية الوطنية العراقية 21.
3- غياب النزعة القومية الوطنية .
ولتوضيح هذه الفكرة، ذكر فالح عبد الجبار مثالاً بِهذا الصدد: “أَن العراق يخلوَ من فكرة النزعة القومية والروح الموحدة بصورة مركزية وغير مركزية، عكسَ ماوجدت عندَ بلدان عربية اخرى (مصر، تونس، الجزائر )”22.
ومن جهة مكملة اخرى أن التراكمات الأيدولجية الشمولية الاحتكارية غَيبت أَمكانية إِيجاد نزعة قومية حرة كونها أَرتبط بطبيعة ميول الدولة وأَيدولجيتها مثل العراق، فأن غياب التمثيل المتوازن وتوزيعَ الثَرَوات العادل وأَختلال النظام السياسي جَعَلَ من الامة خالية من فكرة الوطنية والشعور القومي والروحي داخل الأمة العراقية وهويتها الوطنية بصورة خاصة وجعلها في حالة أَغترابٌ دائم ومشلولة الارادة 23.
بالإضافة الى ذلك ذَكَرَ فالح عبد الجبار قولهُ “لنٌ تزول الانقسامات الطائفية– فهي اختلافات ثقافية ذات بعد تاريخي، لكن ما يمكن أن يزول هو تسييس الاسلاميين والمتعصبين لهذه الاختلافات، فأن المخرج من عنق الزجاجة، هو الوسطية السياسية والمزاج الاكثر شيوعاً وسط الطبقات الوسطى المتعلمة، والمالكة العابرة للمذاهب والطوائف والاثنيات “24.
وثم أَن غياب الفضاءات الحرة للامة العراقية وغياب التوازن السياسي جردَ الامة من فكرة النزعة القومية والهوية الوطنية وأتجهت الهويات بالأرتماء نَحوَ الولاءات الفرعية والمذهبية والدينية كجههِ مُنقذه لهم وهذه الاشكالية منذَ عهد البعث وصولاً الى يومِنا هذا، فالتجربة اللامركزية التركية أَعطت قوة وحافزاً تلاحمياً، عكس الدولة المركزية العراقية لم تُصهر الامة بصورة واقعية مستقلة، بل خَضَعت للأدلجة والتسيس، هذا المنطق جَعَلَ العراق دولة تبحث عن أَمة وهوية وطنية جامعة25.
اذن يمكن القول: أَن هنالك نوعاً من المغالاة والتعميم المطلق للحكم، فلا يمكن أن نطلق ونعمم الاحكام وفق السياق الزمكاني والتطور التاريخي، فالحالة ظرفية والتأثيرات المحلية والاقليمية والدولية (السياسية/الاجتماعية/الاقتصادية)، وإيضاً حالة عدم الإستقرار لها دوراً في توجيه سلوك الافراد والجماعات الاجتماعية و السياسية وأثرها على مسار الدولة، فلابد الاخذ برؤية منهجية وسياق موضوعي للبعد الزمكاني وكذلك يتطلب مسار زمني تدريجي يحقق ارادة الامة في دولة.
4-غياب الهوية الثقافية المستقلة وبروز الهوية المسيسة.
يقول فالح عبد الجبار “أَن سقوط البعث لم يطلق شرارة أَحقاد قديمة، مزمنة، ولا تسبب بأستيراد خطاب طائفي غريب الى العراق، بالاحرى ثمة مزيج من العوامل نشأت قبل و بعد عراق 2003م، وأَسهمت في أَستشارة هوية طائفية، وأَكسابها قدرة سياسية وبروزاً محتدماً”، فأن ثمرة تراكمات البعث التوليتارية في التسييس القبلي وأَسلمة المجتمع، أَستمرت نتاجاتها الى مابعد هدم الدولة المركزية 2003م، وتعزز بظهور الأسلام السياسي وأَعتماد نشوء سياسة الهوية كأسلوب وسلوك للتعبئة الاجتماعية مما أحدثت توترات مستمرة فَتَكت بالهويات الفرعية، و جعلت حالة الفراغ المؤسساتي تتوجهُ نَحَوَ أعادة أحياء الروابط القبلية العشائرية ملجاً تحتمي بها الأفراد، أَن الهدم الكلي أَدى الى تفتيت وحدة الامة والهوية العراقية26.
بالإضافة إلى ذلك أَن غياب نهج السلمي للتعبئة السياسية للأحزاب الاسلامية والأنفتاح على الآخر ستنذر بحدوث كارثة تخلُ بعملية اَدارة الدولة من جهة، وبمثابة أنتحار سياسي أَيدولوجي للأحزاب الدينية والسياسية والدولة برمتها بصفتِها جزء ممثل للامة العراقية وأَستقرارها، وستولد ردات فعل عنيفة وطنية تتوجه خلالها النزعة الوطنية الموحدة ضد أي احتكار او أَكراه وتوجه الأنظار من التسيس المذهبي الهوياتي الى سياسة القضايا والمحاسبة الوطنية لجميع الاحزاب
ونتيجة ذلك أَن أَعاقة بناء الامة والهوية العراقية نابعة من طبيعة علاقتها بالدولة العراقية واَستقرارها السياسي، فأن هيمنة الدولة على الامة سيؤدي الى تحجيم مكانة وفاعلية الدولة ويعيق من بناء الامة العراقية، فان طبيعة الامة تكتملُ بوجود وبناء الدولة العراقية القوية مؤسساتياً وفقَ مبدأ التمثيل المتجانس المتوازن للأمة العراقية داخل مؤسساتها فالطابع الاحتكاري المؤسساتي عمق فجوة تمثيل المواطنة وأَمكانية بناء وأيجاد أَمة عراقية متوازنة مستقرة وطنية.
بعد ذلك أَفرز التغيير السياسي بعد 2003م،وهدم مركزية الدولة العراقية، الأعتماد على منطق (سياسة الهوية) بوصفِها أَداة للتعبئة السياسية ، لتمثيل أَفراد المجتمع والامة العراقية بصورة متوازنة([1])، ومن منطق الأغلبية الغير متوازنة التمثيلية أَدى الى(اضعاف السلطة القانونية) مما غيب التوازن التمثيلي الهوياتي فوق سياق المواطنة المؤسساتية27، وتبع ذلك غياب المؤسسات الحامية للتنوعات أَخذت تتجهُ نحوَ نمط متحارب عنيف ومتصارع داخلياً (دينياً–اثنياً) في القاعدة الاجتماعية (البنية الافقية) (المجتمع والامة)، بسبب فقدان قوة الضبط لمؤسسات الدولة الحامية لمصالحها وتمثيلها السياسي الوسطي المتجانس والمتوازن الهوياتي 28.
5- الاختلال البنيوي المؤسساتي للدولة العراقية بعد 2003م.
واجهت فرضية الامة والهوية العراقية تفككاً داخلياً وانهيارات حادة خلفتها طبيعة الهدم الكلي لمؤسسات الدولة المركزية العراقية عام 2003م،أَذ مهدت التجربة الامريكية الى الارتكاز بأقامة دولة ذات نظام (ديمقراطي/فدرالي/لامركزي) وفقَ الاقتصاد الليبرالي الحر،إلا ان الامة والهوية العراقية وبحكمَ طبيعة أَرتباطها بالنظام السياسي ومركزيتها واجهت أَختلالات حادة خلفتها منطق الهدم الكلي للنظام المركزي للدولة الذي كان سائد فترة 1921م29، ولاحقاًعام2003م أَتخذت مساراً مغياراً نحوَ نظام الدولة العراقية اللامركزية الادارية المؤسساتية، هذا ما ادى الى صعوبة أَبراز مفهوم الامة والهوية العراقية كونهُ سيُخلق مفهوماً هش البنية للامة والهوية العراقية يخلوَ من المركزية الادارية للدولة العراقية بعد 2003م وهوية وطنية موحدة30.هنا نلمس نوعاً من التناقض، ففالح بالرغم من أَنه تحول نحو اللامركزية الادارية الا انهُ استمرت كتابتهِ وبعض أَفكارهُ بالحنين الى الميول المركزية من ناحية الضبط المؤسساتي والتنظيم.
فعليه أَن تقويض عَمل مؤسسات الدولة (الادارية/العنفية) ولدَ حالة فراغاً وفجوةٌ كبيرة مابين الدولة والامة،مما ولَدَ كسرِ طوقَ الحماية ذاتهِ إلى تفكيك بنية الامة وهوياتها المتعدده، والوطنية إلى حالة أَحتراب وتفكك وتصارع داخل الامة تَحَوَلَت تأثيراتها الى تفتيت المجتمع العراقي ووحدتهِ الاجتماعية والسياسية نحوَ أَفراد متحاربة تبحثُ عن ذواتِها، حولتهم الى اَفراد متحاربين ومتصارعين الى (حرب الانسان ضد الانسان،ومع نفسه والاخر والجميع )31.
ليس هذا فقط بل أَن غياب التغيير التدريجي المؤسساتي لبناء الدولة العراقية أَثر بصورة مباشرة على أَنفلات الامة وهويتها من تحت عباءةِ الدولة وأَضمحلال روابط التمدين والمؤسسات الحديثة الراعية لأرادة الامة العراقية داخل الدولة وتفكيكها وأَنزوائها للبحث عن ذوات افراد الامة نحوَ الروابط المحلية (القبلية والاسرية-المذهبية-العشائرية)، بالنتيجة تشظي وتفكيك وحدة الامة العراقية وتجانسها التي كانت خاضعة لرقابة ورعاية الدولة تحتَ نطاق الهوية الوطنية العراقية32.
هذه ابرز المعقوات ذات السياق الثقافي لبناء الهوية والامة في العراق بعد العام 2003 عند فالح عبد الجبار، مع ذلك طرح بدائل ومعالجات كانت بمثابة مقومات لبناء الهوية والامة في العراق ، سنبحثها في المطلب الثالث.
المطلب الثالث
مقومات بناء الهوية والامة في العراق بعد عام 2003 عند فالح عبد الجبار.
اَن البحث في مواضيع بناء الهوية والامة الوطنية العراقية يجعلُنا ندخلَ في سياق متداخل وجدلي شائك نبع منذ نشأت الدولة العراقية وطابعها غير المستقر (مؤسساتياً/ سياسياً/ اجتماعياً/ ثقافياً/ اقتصادياً)،اذ شهدت حالة انعدام الاستقرار السياسي والتصارع أَفراغاً مؤسساتياً من آلية التمثيل الوطني، وجعل من الهوية والامة الوطنية رهينة بيد الفاعل السياسي بأختلال مستمر، كونَ أَن أَستقرار وقوة الدولة ومؤسساتها التمثيلية ووجود الحريات والثقافية الحرة يؤدي الى التمهيد لبناء الهوية والامة العراقية الثقافية الديمقراطية المستقلة إِلا أَن ضعف الاولى يؤدي تغييب الثانية والثالثة.
وللبحثِ في مقومات بناء الهوية والامة العراقية بعد 2003:- وبحسب طبيعة الترابط الوظيفي للأمة والدولة وضح فالح قائلاً ” أَن بناء الامة يعتمدُ على أَستقرار مؤسسات الدولة (كجهاز ادارة حكم) وتمثيلها المتوازن للأمة، فبناء الدولة هي بناء مؤسساتِها،أَما بناء الامة هيَ تتضمنُ إِشراك الجماعات وافراد الامة داخل تلك المؤسسات بصورة عادلة ومتوازنة”33.
فأن بناء الهوية والامة الوطنية العراقية يتمثل بوجود حريات وفضاءات في الدولة منها:-
- المقومات الثقافية : ويندرج تحتها مايلي :
أ-الفعل الرمزي الديني الثقافي/غلق أَسلامية التاريخ.
يلعب الدين دوراً محورياً في بناء الامة العراقية عبرَ فهمهُ مؤسساتياً ثقافياًقيمياً سلوكياً،عكسَ ما ذكرناه سلفاً، فأن فهم الدين ثقافياً (ثقافة: دنيا-عليا) وترجمته مؤسساتياً سَتَمتزجُ النزعة الروحية بالعقلانية وسيُعزز من قوةِ تلاحُم البناء الطبقي المجتمعي وسَينبذُ التمايز بين الافراد34، وبالتالي أَن التخلص من خلخلة (الدين/الاثنية/القومية) يتم عبر إيجاد خلقِ وعاءٌ فكري سياسي شامل وجامع لكلَ أَنتماءات الامة وهوياتها الفرعية نحو الوطنية34.
ليس هذا فقط بل أَن تجاوز الصدام ذاته يتم عبرَ توفير حريات ومجال ثقافي مؤسساتي حر يُعطيَ حرية ممارسة الاديان من جههَ و دولة مؤسساتية حديثة تتبنى مسألة الاندماج السلمي السياسي الموحد والحثِ على بناء سياسي مقارب لتركيبة المجتمع36 ، ومنها ستكسر حاجز الفهم المغلق الاحتكاري للدين بأسم الفقهاء ورجال الدين، ويَكسرُ حدودِ الأرغام والتقييد والطاعة القسرية للأفراد37، ثم عاد في طرح رؤيتهِ مؤكداً على أَهمية البعد الديني الرمزي التاريخي السلمي في تحقيق التعايش السلمي قائلاً:(يدخلَ بناءِ الامة والهوية العراقية ضمنها الأطر والقضايا الرمزية الدينية الاساس المولد للأمة من خلال تقديم الأعتذارات والسماحة للأديان الاخرى مثل (أَعتذار اليهود لصلب المسيح)،(مقتلِ الامام الحسين) وتوظيفها في الحاضر فلا ضَيرْ في ذلك، وبالتالي سَيؤدي الى غلقِ التاريخ وتناسي خلافاتهُ بالأنطلاق بصفحة جديدة تُعزز قيمَ التشارك والأنسجام الانساني العابر للتميز، فالدور من قبل المرجعية ورجال الدين هامٌ وأَساس معني بذلك ولتقديم جهودهم بِهذا الامر)38.
ب-الجذور الحضارية المولِدِة للأمة والهوية العراقية.
وبحكمَ طبيعة التقارب الحضاري للبلدان العربية من الناحية (الفكرية،الثقافية،الاجتماعية،الحضارية) مَهَدت لإيجاد قوة تلاحم وترابط مُتقارب يَتَفَاعل مَعَ الواقع العربي بِصورة واسعة وديناميكية فالطابع الحضاري العربي يحكم عليهِ التفاعل المستمر والتأثير المولد للنزعات الحرة الوطنية ضدَ أي أَستبداد سياسي، ومنها ما بَرَزَ فترة مابعدَ 2010م، كعاملٌ حضاري جَسَدَ إِرادة عميقة حرة ترفضُ التسييس والادلجة وشلّ ارادتها المستقلة39.
ثُمَ أن المشاركة الثقافية للامة العراقية هيَ بِمعنى أَحترام الاديان والمذاهب والشعائر واللغات والتلاوين الثقافية، فبوجود طابع اللاتجانس الثقافي يَعكسُ ديناميكية وقوة تلاحمية وسرِ لِتَقَدُم الأمة كما في الولايات المتحدة، فَهي تُعطي طابعاً متجدداً، وتكون عرضةَ للتفاعل مع كلَ ماهوَ مُتجدد في العالم والكون من ناحية التقدم (الاقتصادي/العلمي/التكنلوجي/الاجتماعي/السياسي)، والتنوع الثقافي للأمة العراقية ليكونَ أَساساً لتقدُمِها دونَ عَرقلَتِها وأَقتصارها على ثقافة مُحددة ومؤدلجة لجههَ معينة40، وبنفس الطريقة أَن فتح وتوفير الدولة مؤسساتِها التمثيلية المفتوحة ستُعزز شعورَ المواطنة الحرة والثقافة المتنوعة في بوتقةٌ موحدةَ وسَيُضفيَ عاملاً ديناميكياً لتلاحم البشر بصورةَ مُشتركة دونَ نَفي الآخر وأَحترام خصوصياتهِم وفق نطاق التعايش الانساني السلمي، ذلك سَيُساهمَ عامل الثقافة بوصفهِ أحَدَ الركائز التي تُخلق فِكرة وتعزيز الهوية الجمعية التي تُلمَ الجميع في بوتقة واحدة بأسم الهوية الوطنية الموحدة وفقَ سياقٌ مُتوازن41.
ج- الاستشعار الرمزي الديني(التدين الشعبي)،(هوية الجماعة الموحدة).
ذَكَرَ بِالقول فالح عبد الجبار: “حينَ يَتَصَرَف الأفراد كما تتصرف الجماعات وفقاً لتأويل العالم الذي يعيشَ فيهِ، والرموز هي حاملاتِ المعاني التي يسبغها، الافراد على الاشياء، تعبيراً عن هذا العالم وموقعهم/موقعها فيه”42، إذ يثري تنوع الثقافات الدينية والممارسات الشعائرية الموحدة بين الجماعات، طابعاً متماسكاً روحياً وذاتياً، توحدَ خلالها رابطة الشعور المشترك للجماعة، عبرَ ممارستها (الشعائر:احياء الرموز الدينية/ الشعارات التاريخية/ توظيف المتخيل الديني)، مما يضفي حالة أنزواء الفرد نَحَوَ الجماعة (ثقافة/دنيا/عليا) كلجوء ذاتي روحي لأيجاد ذَواتِهِم وهَويتِهم داخِلَ تلك الجماعة، نتيجة ذلك فأن سَتعطيَ الممارسة الشعائرية حافزاً ونزعةٌ ذاتية روحية للجماعة كهوية للفعل الجمعي لَهويتهم الموحدة (هوية دينية ثقافية)43.
ليس هذا فقط بل أَن الافراد داخل المجتمع (المحلي/أَمي) (المدني/النخبوي) يَجدون أَنفسهم مُرغمين للعودة الى أَصلهم المذهبي والديني لممارسة الطقوس الدينية والشعائرية، كوعيٌ جَمعي ثقافي ووحدة ثقافية مستقلة للتعبير عن الهوية الذاتية لتلك الجماعة الثقافية الاجتماعية44، ثم أن الفعل الرمزي لــــ (أَفراد/جماعة) وفقَ تَوظيف وأَحياء الرموز والشعائر والقضايا الرمزية والعلامات والشعارات(الدينية/العسكرية/التجارية/الوطنية) سوف(سَيعكسُ فعلهم ووعيهم الجمعي وهويتهم الموحدة، أَمام الاخرين ويميزهم عن غيرهم)،علامات تعبر عن محتوى الجماعات ولتتعايش فيما بينها45،ونتيجة ذلك يعكس التدين الشعبي بعداً روحياً على الفرد والجماعة ويثري عليها حالة التماسك والوحدة، فحاجة الجماعة تقتضيَ أَن تعبد أَنفسها وحاجتها ومن ثُمَ تسترجعها كقوة روحية تلاحمية للجماعة46، بالتالي أن الدولة العراقية يجب عليها توفير فضاءات ثقافية أَجتماعية حرة تحترمُ خصوصية الجميع دونَ تقييد، كون أَن الهويات الدينية الثقافية تُشكل قوة روحية وطنية ترفضَ أي أستبداد وأَحتكار سياسي أَو أَضرار وتمهد نحوَ الهوية الوطنية47.
د- الانساق الرمزية الثقافية.
أَن التوحيد الثقافي (المرئي /المسموع) من قِبَلِ الجماعات الوطنية الاجتماعية تَحتَ راية الوطنية العراقية الموحدة لِتُعطيَ حافزاً نَحوَ توحيد التلاحم الداخلي للأفراد داخل المجتمع وتعمق الشعور الوطني بالأنتماء وتمهدُ لخلقِ فضاءاً ثقافياً واجتماعياً مستقلاً حراً يرفضَ التسييس المؤدلج الطائفي والمذهبي، وتُعزَزَ من فكرة وجودِ الهوية الوطنية العراقية العابرةَ للتسييس الايدولجي (الديني/المذهبي/الطائفي) وهذا ما جسدتهُ حركة الأحتجاجات الاجتماعية داخل العراقية بعدَ (2015-2016م)، وتوظيفَ شتى وسائلَ التعبير الذاتية الموحدة للجماعة (الصورية/ الفنية/ المرئية/ المسموعة) وخلقِ جماعة وثقافة وطنية عابرة للفرقة (الدينية/ الاثنية)48.
فعليهِ تَكمنُ أهمية أَتقان الجماعات طرق التعبير الذاتي في نقل وتجسيد الحقائق (السياسية/ الاجتماعية) ونقدِها بطرق مُختلفة، وخلقِ تصور ملموس ينقل القضايا العامة للدولة لمعالجتها مثلَ طرق التعبير الرمزية المختلفة لتصحيح مسارها، ستجسد لوحة فسيفسائية وطنية، وأَيقونهَ التعبير الذاتي (الصورية/المسموعة/المرئية) لتخلق تصوراً وشعوراً واقعياً ملموساً وتعبيراً للقضايا الوطنية بصورة حضارية ديناميكية، لايمكنُ أَيقافها فالتباين الثقافي يثري تماسكاً ذاتياً تعبيراً مثل:(رموز الحرية /الشعر/الغناء/الأهزوجات/الاناشيد/الكاريكاتير/التعبيرية الساخرة) وصهرها في أَيقونة الهوية الوطنية مما سَيُمهد الى خلق فضاءٌ متماسكاً (أَجتماعياً ثقافياً حراً) موحداً لهوية الجماعة الوطنية العراقية49.
2 – المقومات الاجتماعية.
أ- بروز النزعة الوطنية المستقلة (حركة الأحتجاجات الاجتماعية الوطنية).
أَن (الحركات الاجتماعية) الاحتجاجية والتظاهرات التي تقودها الجماهير(نبض الشارع وواقعه) والأفراد والشرائح الفقيرة والمهمشة والعاطلين عن العمل الاساس الحقيقي ومولد الشعور الروحي والانساني والوطني للنزعة الوطنية العراقية الحرة للأمة المستقلة والوعي الجمعي المستقل للهوية الوطنية، مثال ذلك برزت في فترة 1991م، في الأنتفاضة الشعبانية ضدَ النظام البعثي التوليتاري وسياسيتهِ التائِهة المتخبطة المزاجية، وصولاً الى مابعد 2003م50، وفي غضون ذلك أَن اَولى بداياتِ أَنفصال الهوية الوطنية الحرة عن اَيديولوجيا الدولة وهويتها بدأت منذُ قيامِ ( الانتفاضة الشعبانية) عام 1991م، إذ نشأت كرد فعل تحررية وطنية ضد أَدلجة الدولة لإيجاد ذواتهم، نتيجة تراكمات وسياسات خاطئة ولدتها أَرادة الدولة الحاكمة من أَهواء وسياسيات اَنفعالية، وتمثلت بأعادة نتاج الشعور الوطني الخالي من ادلجة(الدولة التوليتارية)52.
ومع ذلك يدخل أَيضاً (الدين الثقافي امام الوطنية) معلماً حضارياً في تحديد الهوية الوطنية، ليتمثل بأرادة ودور رجال الدين(شيعة/سنة) الوطنيين العراقيين، بخطابات وطنية عراقية تحفز الامة والطبقة السياسية (النخب الفوقية) في إِيجاد مؤسسات دولة تحتكم الى بناء الهوية المؤسساتية العراقية الموحدة53.
ب- أَيقاظ شعور النزعة القومية الدينية الوطنية العراقية (إِيجاد تنظيم مؤسساتي محلي مدني للجماعات المذهبية الدينية).
أَذ رأى فالح عبد الجبار أَن أَهمية اَيقاظ الشعور الروحي الذاتي للنزعة الوطنية الدينية القومية (الوطنية العراقية ) يكمنُ في أرساء السبل والأسس لأحكام التنظيم الاجتماعي المؤسساتي للجماعات الدينية والمذهبية والاجتماعية المُشتتة، وإيجاد النظم والروابط المؤسساتية التي تعزز من تنظيمهم (فكرياً/سلوكياً/طقوسياً) وتوظيف التدين الشعبي الذي،بصفتهِ معلماً (ثقافياً/دينياً/قومياً/وطنياً)، وتُضفيَ سمة التماسك الترابط والاندماج الانساني (الديني/الاجتماعي) على غرارِ تَجربة (النزعة القومية الفارسية الدينية)54.
وذلك سَيُحرر المجتمع من همينة الايدولجيات المتعاقبة، (اقتصادياُ/ثقافيا/مؤسساتياً) سيعمل على لم شتات المجتمع نحو ايجاد نزعة قومية وطنية دينية ثقافية، منتظمة توحد وعي المجتمع وهوياته الفرعية نحو الوطنية55 ومع ذلك أَن تنظيم الجماعات والسلطة الدينية مؤسساتياً واستقلاليتها ثقافيا/اقتصادياً)، سيُمهدَ لأرساء التجانس الروحي وأَيقاظ الوحدة الوطنية الدينية الثقافية داخل الامة العراقية56، بالإضافة إلى ذلك دور(السلطة الدينية) في تنظيم فكر وروح الجماعة الموحدة ولتُحدد نظامها الديني والطقوسي بأطرٌ تقويمية تنظيمية وفق (التواريخ/الازمنة/قواعد التنظيم الذاتي)، سَيُعطيَ أَنعكاساً ايجابياً يوحد الجماعات الانسانية، ويُعبرَ عن وجود وعيٌ جمعي مستقلٌ لجماعة ثقافية أَجتماعية روحية دينية متماسكة تعبرَ عن وحدة الشعور الوطني المشترك لروح الامة ولوحدة الهوية الدينية الوطنية العراقية أَسوةٌ بالنزعة القومية الفارسية للهوية الدينية75 .
ج- مأسسة الهوية الدينية الثقافية (دور الاسر الأجتماعية/الدينية).
أَن دور الأسر الدينية العراقية ورجال الدين الوطنين هوَ الأساس في أيقاظ الشعور الموحد للهوية الدينية الثقافية وبأَستطاعتِها قلب موازين التسيس نحوَ الاستقلالية، وبهذا الصدد ذكر فالح قائلاً : ان أَسرة الصدر الواسعة، ومعها الاسر النجفية والكربلائية القيادية الآخرى، سوفَ تقوم حتماً من جديد بتزويد قادة جدد ذوي مكانة بارزة ومثالاً على ذلك أَسرة آل الصدر (والحركة الدينية الشيعية الوطنية)، ضد التسييس الهوياتي58، إذ أَن الصدر الثاني هو أول من أَدلى بأهمية الهوية المذهبية الوطنية غير المسيسة ضِدَ تسّسيسها من قِبَلِ البعث التوليتاري فترة التسعينات59 ومنها شَدَدَ على أَعادةِ بناء التنظيم الاجتماعي والشبكات التنظيمية المحلية ولملمة شتاتهم المتناثر للبنية المجتمعية من (الاسر/القبائل/الافراد المحليين/الطبقات)60 ، وثم مأسستهم فكرياً وتَقويمهم روحياً عبر العمل الخيري الثقافي لتعميق فكرة الهوية الوطنية61.
وإيضاً أَهمية دور نجلَ الصدر الثاني (السيد مقتدى الصدر)، في أَعادةِ اَستكمال ما حققهُ والدهِ فترةِ التسعينات، وخلقِ موازين جديدة تَنذرُ ببناء الهوية الدينية المذهبية العراقية ومأسستها 62، وأيضاً دوره في إِبراز النزعة الوطنية الشعبية من الحركات(الاحتجاجية/الشعبوية) التي عَبَرَت عن ردودِ أَفعالٌ عَفَوية وطنية جماعية وفعلٌ جمعي مستقل موحد وعن مفهوم الهوية الثقافية المستقلة منذُ( 2003/2015م)63.
ونحن نضيف أَيضاً :أنَ بقاء وأَستمرار الضغط من الحركات الاجتماعية والثقافية والتيارات الاجتماعية الدينية الوطنية العراقية، سَيُعزز من تقوية روح الأمة وهويتها الفرعية نحو الوطنية وسَيُلجِمَ التفرقة وأي تهديدٌ مُحتمل، والاكثر أهمية بقائها كأداة وقوة ضغط وحركة (مستقلةَ)،ستُمثلُ ضغطاً وتقويماً على النظام السياسي العراقي، ويقوي من تماسك ووجودِ الامة والهوية الوطنية العراقية.
الخاتمة والاستنتاجات :
على صعيد (الامة) أن الامة العراقية الوطنية الديمقراطية الحرة أَستندت (أفقياً) الى الروابط(التقليدية) الاجتماعية القيمية والدينية الثقافية والتاريخية وهوياتها الفرعية الاجتماعية لتحقيق وجودها وتعايشها الانساني،ثم تتعزز أرادتها (فوقياً) بالمجيء بِمُمَثلين سياسيين يُعَبرون عن أَرادتهم داخل الدولة،ثم تَمدُ الدولة الاُسس (الاقتصادية/الاجتماعية/الخدمات) لخدمة الامة كأنعكاس لأرادتها، بصورة عابرة للتمييز،ثم أَن إرساء سُبل التنظيم وهندسة المجتمع بالأسس(المادية/المؤسساتية/النظم المعاصرة) من قبل الدولة، سَيُعزَزَ من تطورِ وتَجديد روح الامة، أَما الأمة الانسانية فخاضعة لقانونها، وبأصطناعِ فالح وهندستهُ الامة العراقية، أَراد أَن يُحرَرَها مِنَ التصاقها الأيدولجي المُتراكم الذي مَزَقَ نسيجها الوطني،ليحولها الى أَمة ثقافية أَنسانية ذاتَ طابعٌ مَصلحيِ وَظيفي عابرةٌ للتميز والتمايز، فتوازنها مرهون بالانفتاح السياسي، اما أَنغلاقهِ سَيَعِيدنا إلى المربع الاول للبعث والفترة الثانية بعد 2003م، لتتجه نحو الصراع والتناحر(الديني/الاجتماعي/السياسي)، أن الامة وهوياتها الفرعية أرتبط مصيرها بتمثيل واستقرار النظام السياسي، فالعلاقة الوظيفية تَكامُلية مُحفزة مِنَ قِبَلِ الأمة امام الدولة.
أما على صعيد (الهوية): فتجانس الهويات الاجتماعية الفرعية وبناء الامة العراقية،ستولد على اثرها شعوراً لولادة الحالة الوطنية والنزعة الروحية لفكرة الهوية الوطنية العراقية لتجسيدها مادياً داخل دولة المواطنة العراقية، أن كلَ محاولات التسيس للهوية الثقافية الوطنية هيَ ظرفية لها وقتٌ محددٌ وتنتهي،بأرادة وطبيعة السلوك النشاز للممثل السياسي، فأن تَجربة الهوية العراقية مابعد 2003م، ربط الهويات سياسياً بأرادة الممثلين السياسين وأَستقرار النظام السياسي العراقي، فدورِ الدولة العراقية الوظيفي المؤسساتي يُكمنَ في إيجاد حريات وفضاءات مؤسساتية معرفية مفتوحة على الجميع دونَ تسييس، ايضاً أن إيجاد موادً دستورية تَكفل حرية الجميع دونَ تقييدٌ أَو حصر،أَن أَستقلالية الجماعات الاجتماعية الانسانية(ثقافياً/أجتماعياً/مؤسساتياً)،سَيُعطيَ طابعاً تلاحمياً مستقلاً، فأستقلالية السلطة الدينية (ثقافياً/أقتصادياً) بِصِفَتِها مؤسسة غيرَ رَسمية تَخضعَ لقانون الدولة سَيعززُ مِنَ شعور التجانس الاجتماعي المنظم للهويات من جهه ويُجردها من التسييس المفتعل والتوترات الثقافية التي تمزق وحدة الهويات الفرعية والوطنية .
أن بناء الامة والهوية العراقية الوطنية، يتعزز بوجود وعي و بناء المجتمع (من الأسفل) قيمياً بصفتهُن فضاءً ثقافياً أجتماعياً وأقتصادياً وسياسياً حراً موحداً،يَعملَ على مراقبةِ الدولة بوَصفِها جهازاً للحكم، فعندما تشذُ عن أَرادتهم والأضرار بوطنهم ومصلحتهم وقضاياهم الوطنية، وهذا مرهونَ بأستقرار وإيجاد ممثلين سياسين وطنيين(من الإعلى) يعبرونَ عن أَرادتهم وسلوك سياسي وسطي وطني، لمأسسة دولة المواطنة المؤسساتية التي تَعترِفُ بالجميع، عِبرَ تَحقيق روح الأمة العراقية نحو هوية وطنية عراقية وغرسها داخل الدولة العراقية الوطنية.
التوصيات :
وبالنظر الى اهمية ماطرحناه في بحثنا نؤكد على التوصيات التالية استكمالاً لما سبق :-
1- دراسة موضوعات الدين والتدين الشعبي واستكمال ما طرح فالح عبد الجبار من افكار .
2- دراسة موضوعات التجانس الثقافي (اكاديمياً) وغرسها داخل جسد الدولة.
3- دراسة الجوانب المؤسساتية التي تحقق فكرة الاعتراف بالتنوع الانساني.
4- دراسة فلسفة التسامح والتعايش السلمي وتطبيقها روحياً وسلوكياً في الواقع .
5- دراسة الجوانب القانونية التي تعزز من مسألة حقوق الانسان والآخر..
الهوامش :
- فالح عبد الجبار، سعد عبد الرزاق ، حركة الاحتجاج والمسائلة (نهاية الامتثال وبداية المساءلة )،ط1. دراسات عراقية ، بغداد- بيروت-اربيل،2017، ص12.
- المصدر نفسه ، ص12.
- المصدر نفسه،ص12.
- ينظر الى :فالح عبد الجبار، ان نكون بهوية او لا نكون، ابواب، العدد (28) ،ابريل، لبنان،2001، ص37.(بتصرف).
- المصدر نفسه، ص452.
- فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ت (امجد حسين)، ط1، منشورات الجمل، بيروت-بغداد، 2010، ص،ص، 449-450.
- المصدر نفسه، ص449.
(*) ايريك هوبزاوم /1917-2012م: وهو احد المؤرخين والباحثيين اليساريين الذين اهتموا بدراسة التاريخ الحديث واتخاذه المنهج التجريبي الموضوعي لدراسة الاجتماع والتاريخ والسياسة.
ينظر: اريك هوبزاوم، الماركسية تؤرخ العصر، متاح على موقع الانترنت، https://www.bidayatmag.com/node/24 ، تم الدخول الى الموقع يوم 28/8/2019/الساعة 9:56م.
- فالح عبدالجبار، التوافقية والدين والدولة وهوية العراق،في مازق الدستور–نقد وتحليل، ط1، الفرات للنشر والتوزيع _منشورات معهد الدراسات الإستراتيجية ، بغداد-بيروت ،2006.، ص،ص119-120.
- المصدر نفسه، ص25.
- فالح عبد الجبار، القومية العربية بأزاء القومية الكردية تأملات في التماثلات والتباينات البنيوية، في الاثنية والدولة الاكراد في العراق وايران وتركيا، ت(عبد الاله النعيمي)، ط 1 ،دار الفرات للنشر والتوزيع، بغداد- بيروت،2006 ، ص 496.(بتصرف).
- محاضرة القائها فالح عبد الجبار في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، بعنوان (بناء أو تفكك العراق في إطار نظريات سوسيولوجيا القوميات و الأمم – الباحث فالح عبد الجبار)، بتاريخ 12/11/2017، https://www.youtube.com/watch?v=4MpyU0Vra-w .
- فالح عبد الجبار، الدين والاثنية والتوجهات الايديولوجية في العراق: من الصراع الى التكامل)، ط1، مركز الامارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ، الامارات ،2004،ص،ص،12-13.
- فالح عبد الجبار، (الدولة في الوطن العربي : ازمتا الاندماج والشرعية، ازمة اندماج الهوية)، في ازمة الدولة في الوطن العربي (ندوة فكرية ضمت بحوث ومناقشات)،ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2011،ص273.
- المصدر نفسه، ص25.
- فالح عبد الجبار ، المالكي واخرون ، مقالة ، على الموقع الالكتروني ، https://iraqstudies.com/featured4a.html ، تم الدخول الى الموقع في يوم 6-1-2019، الاربعاء ،الساعة 5:33 ص .
- فالح عبد الجبار، دولة الخلافة التقدم الى الماضي (“داعش” والمجتمع المحلي في العراق)، ط1، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، بيروت،2017،ص39.
- المصدر نفسه ،ص،ص،246-247.
- المصدر نفسه ،ص،247.
- فالح عبد الجبار ، العمامة والافندي (سيسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني )، مصدر سبق ذكره ،ص،ص83-84.
- المصدر نفسه ،ص،ص83-84.
- فالح عبد الجبار، العراق وسواه من اوضاع مشابهه :الوسطية الضائعة منذ نصف قرن، صحيفة الحياة، العدد 34 ،الخميس ،10/فبراير/2005.
- محاضرة في اليوتيوب لفالح عبد الجبار، بعنوان (د.فالح عبد الجبار)،بتاريخ 14/4/2015، متاح على الرابط https://www.youtube.com/watch?v=_MfpDCtA3Ak .
- فالح عبد الجبار، كتاب الدولة اللوياثان الجديد، ت(فريق ترجمة)،ط1، منشورات الجمل ، بغداد- بيروت،2017،ص63.
- فالح عبد الجبار، اثر الاندماج الاجتماعي – حضورا وغيابا –في عملية الثورة ونتائجها، في الثورة والتحول الديمقراطي في الوطن العربي (نحو خطة طريق)، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2013،ص176.
- فالح عبد الجبار، (الدولة في الوطن العربي: ازمتا الاندماج والشرعية ازمة اندماج الهوية )، في ازمة الدولة في الوطن العربي (ندوة فكرية ضمت بحوث ومناقشات)،مصدر سبق ذكره، ص،ص291-292.
- فالح عبد الجبار، الدولة اللوياثان الجديد، مصدر سبق ذكره، ص،ص63-64.
- فالح عبد الجبار، صراع الامة والدولة (حول التمزقات الطائفية من الثقافة الى التسييس والعسكرة: نموذج العراق) في الصراع المذهبي فصول في المفهوم والتاريخ ،مصدر سبق ذكره ،ص،ص46-48.
- المصدر السابق،ص43.
- المصدر نفسه، ص48.
- فالح عبد الجبار، الطائفية واسئلة الانقسام البشري، صحيفة الحياة، التاريخ، الاحد،4 /فبراير/2007.
- فالح عبد الجبار، العراق حيال مسالة الفصام بين الامة والدولة ،صحيفة الحياة، التاريخ ، الاحد 7/نوفمبر/2004.
- فالح عبد الجبار،دولة الخلافة التقدم الى الماضي (“داعش” والمجتمع المحلي في العراق)،مصدر سبق ذكره ،ص39.
- المصدر نفسه، ص39.
- مؤتمر المسألة الطائفية وصناعة الاقليات، شارك فيه فالح عبد الجبار، بعنوان( في المسألة الطائفية والاثنية في العراق) ، بتاريخ14/9/2014، https://www.youtube.com/watch?v=BpXqxZbcoHw..
- فالح عبد الجبار، دولة الخلافة التقدم الى الماضي (“داعش” والمجتمع المحلي في العراق)،مصدر سبق ذكره ،ص،ص46-47.
- فالح عبد الجبار، القومية العربية بأزاء القومية الكردية تأملات في التماثلات والتباينات البنيوية، في الاثنية والدولة (الاكراد في العراق وايران وتركيا)، مصدر سبق ذكره،ص،ص468-470.
- فالح عبد الجبار ، معالم الخرافة والعقلانية في الفكر السياسي العربي ،ط1، دار الساقي ، بيروت، لبنان،1992،ص82.
- فالح عبد الجبار، النزعة القومية العربية والاسلام (1890-1990)،في القومية :مرض أم خلاصة العصر؟،مصدر سبق ذكره،ص119.
- برنامج مع فالح عبد الجبار، بعنوان (ابعاد عالم الاجتماع فالح عبد الجبار1)، بتاريخ 12/8/2012، متاح على موقع يوتيوب https://www.youtube.com/watch?v=j8Jtnj81CJ8 .
- محاضرة القائها فالح عبدالجبار في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ، بعنوان (بناء أو تفكك العراق في إطار نظريات سوسيولوجيا القوميات و الأمم – الباحث فالح عبد الجبار)، بتاريخ 12/11/2017، https://www.youtube.com/watch?v=4MpyU0Vra-w ،(بتصرف).
- فالح عبد الجبار، اثر الاندماج الاجتماعي – حضورا وغيابا –في عملية الثورة ونتائجها،في الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي نحو خطة طريق مصدر سبق ذكره، ص180.
- فالح عبد الجبار ، الدين والاثنية والتوجهات الايديولوجية في العراق: من الصراع الى التكامل، ص،ص24-25.
- فالح عبد الجبار، القومية العربية بأزاء القومية الكردية تأملات في التماثلات والتباينات البنيوية، في الاثنية والدولة (الاكراد في العراق وايران وتركيا)،مصدر سبق ذكره، ص،ص،465-466.
- فالح عبد الجبار، دولة الخلافة التقدم الى الماضي (“داعش” والمجتمع المحلي في العراق)، مصدر سبق ذكره ،ص93.
- المصدر نفسه،ص،ص91-92.
- فالح عبد الجبار، العمامة و الافندي (سيسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني )، مصدر سبق ذكره ،ص،ص311-313.
- المصدر نفسه،ص،ص91-93.
- برنامج تلفزيوني مع فالح عبد الجبار ،بعنوان (ابعاد فالح عبد الجبار عالم اجتماع 1)،بتاريخ 5/8/2012، متاح على موقع https://www.youtube.com/watch?v=0qB-e7bBq3g .
- المصدر السابق،ص،ص311-313.
- فالح عبد الجبار، سعد عبد الرزاق، حركة الاحتجاج والمسائلة(نهاية الامتثال بداية المسائلة)، مصدر سبق ذكره،ص،ص،33-34.
- المصدر نفسه ، ،ص،ص33-39.
- فالح عبد الجبار، دولة الخلافة التقدم الى الماضي (“داعش”والمجتمع المحلي في العراق)،مصدر سبق ذكره ،ص248.
- المصدر نفسه ص 249.
- فالح عبد الجبار، وسعد عبد الرزاق، حركة الاحتجاج والمساءلة (نهاية الامتثال داية المساءلة)، مصدر سبق ذكره ،ص،ص42-43. وكذلك ينظر الى /فالح عبد الجبار، العمامة والافندي (سيسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني )، مصدر سبق ذكره،ص،ص449-450.
- فالح عبد الجبار،العمامة والافندي (سيسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني )،مصدر سبق ذكره ،ص485.
- المصدر نفسه ،ص،ص485-486.
- فالح عبد الجبار، اللوياثان الجديد، مصدر سبق ذكره،ص59.
- المصدر نفسه ،ص،ص485-486.
- المصدر نفسه،ص،264.
- المصدر نفسه،ص،464.
- لقاء مع فالح عبد الجبار على اليوتيوب، بعنوان (إضاءات :. فالح عبد الجبار)، مصدر سبق ذكره.
- المصدر نفسه،ص،ص،462-464.
- فالح عبد الجبار، سعد عبد الرزاق،حركة الاحتجاج والمسائلة (نهاية الامتثال بداية المسائلة)، مصدر سبق ذكره،ص،ص،1-15.