مسؤولية المثقفين بين القول بالحق وكشف الزيف

يُعدّ نعوم تشومسكي واحدًا من أبرز المفكرين المعاصرين، ليس فقط في مجال اللغويات، بل أيضًا في النقد السياسي والاجتماعي. ومن أبرز أقواله التي أثارت جدلاً واسعًا بين المفكرين والسياسيين: “مسؤولية المثقفين هي قول الحقيقة وفضح الأكاذيب”. هذه المقولة تتجاوز كونها مجرد عبارة فلسفية، لتصبح دعوة أخلاقية صريحة، تحث المثقفين على تحمل مسؤولياتهم تجاه المجتمع والدولة والإنسانية جمعاء.

يرى تشومسكي أن المثقف ليس مجرد ناقل للمعلومات أو متخصص في حقل معرفي معين، بل هو راصد للمجتمع والحقيقة. ففي عالم يكتنفه التضليل الإعلامي والسياسي، يصبح دوره محوريًا في مواجهة الأكاذيب والكشف عن الحقائق المخفية. فالمثقف مطالب بأن ينحاز للحق حتى لو كان ذلك غير شعبي، ويكشف المزاعم التي تُستَخدم لتبرير الحروب أو الظلم أو الاستغلال.

المسؤولية التي يسلط عليها تشومسكي الضوء ليست مجرد التزام مهني، بل واجب أخلاقي وإنساني. المثقف الذي يلتزم بهذه المسؤولية يعمل كضمير المجتمع، يذكر الناس بما هو صائب ويكشف ما هو مضلل. النقد السياسي والاجتماعي والفكري يصبح أداة ضرورية لتحقيق وعي أعمق، لأن المجتمعات لا يمكن أن تتقدم دون مواجهة الحقائق، مهما كانت مؤلمة.

تشومسكي يعتبر المثقف أداة للفضح والمساءلة. الأكاذيب، سواء كانت حكومية أو إعلامية أو تجارية، تؤثر على حياة الملايين، والمثقف هو الأكثر قدرة على تحليل هذه الأكاذيب وكشفها بطريقة منهجية ومدروسة. هنا يتضح الجانب العملي للمقولة: كشف الزيف لا يقتصر على التأمل الفلسفي، بل يمتد ليشمل توجيه المجتمع نحو فهم الحقائق واتخاذ قرارات مستنيرة.

على الرغم من وضوح هذه المسؤولية، فإن المثقفين غالبًا ما يواجهون ضغوطًا كبيرة، سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بما في ذلك الخوف من فقدان مكانتهم أو التعرض للقمع. ومع ذلك، يرى تشومسكي أن التراجع أمام هذه الضغوط يمثل خيانة للإنسانية وللقيم الأخلاقية، وأن المثقف الحقيقي يجب أن يختار الواجب على الراحة أو المكاسب المؤقتة.

عندما يختار المثقف قول الحقيقة ومواجهة الأكاذيب، يحدث تأثير متسلسل في المجتمع. الكشف عن الزيف يُنير العقول، ويحفز على النقد البناء، ويمنع تكرار الأخطاء السابقة. هذا الدور يعزز الوعي الجمعي ويخلق مجتمعًا أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، مما يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية.

مقولة تشومسكي: “مسؤولية المثقفين هي قول الحقيقة وفضح الأكاذيب”، ليست مجرد نصيحة، بل دعوة للتضحية الأخلاقية والفكرية. المثقف الحقيقي يمتلك الشجاعة لمواجهة المزاعم الكاذبة وتوجيه المجتمع نحو وعي أعمق، وتحمل تبعات قول الحق في زمن تُضج فيه الأصوات المضللة. وهكذا، تصبح مسؤولية المثقفين حجر الأساس في بناء مجتمع عادل ومستنير.

علي جاسم ياسين