د. فاضل حسن شريف
كثير من المفسرين يذكرون أن الدحو والطحو لهما نفس المعنى ولكن مع اقترابهما بالمعنى من حيث التسوية والفرش والانبساط وتسهيل العيش على الأرض ولكن من الضروري ربط كل اية ورد فيها المصطلح مع آيات السورة فسورة النازعات وردت فيها سهولة الزراعة والرعي مع ليل ونهار وهذا يوافق بسط الارض وتسهيل الحياة فيها مع دورانها حول نفسها ليحصل الليل والنهار حيث استخدم مصطلح الدحو في سورة النازعات اية 30 “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” (النازعات 30)، أما سورة الشمس فوردت فيها بناء سماء من السماوات السبعة وفيها أرضنا كارض البناء فيه السماء سقف وفرشت الارض كما تفرش ارضية البناء بسطح مصقول وايات توضح الشمس والقمر مما يدل بحركة الأرض حوله ضمن فضاء السماء ليحصل الصيف والشتاء حتى يمكن العيش السهل للناس بشخوصهم الخيرة والشريرة الذين منهم ثمود وخيرهم صالح عليه السلام حيث استخدم مصطلح الطحو في سورة الشمس اية 6 “وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا” (الشمس 6).
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز شأنه “أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ” ﴿سبإ 9﴾ ثم وعظهم سبحانه ليعتبروا فقال “أ فلم يروا” ﴿سبإ 9﴾ أي أ فلم ينظر هؤلاء الكفار “إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض” ﴿سبإ 9﴾ كيف أحاطت بهم وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يقدر على الخروج منها وقيل معناه أ فلم يتدبروا ويتفكروا في السماء والأرض فيستدلوا بذلك على قدرة الله تعالى. ثم ذكر سبحانه قدرته على إهلاكهم فقال “إن نشأ نخسف بهم الأرض” كما خسفنا بقارون “أو نسقط عليهم كسفا من السماء” ﴿سبإ 9﴾ أي قطعة من السماء تغطيهم وتهلكهم “إن في ذلك لآية” معناه إن فيما ترون من السماء والأرض لدلالة على قدرة الله على البعث وعلى ما يشاء من الخسف بهم “لكل عبد منيب” أناب إلى الله ورجع إلى طاعته أ فلا يرتدع هؤلاء عن التكذيب بآيات الله والإنكار لقدرته على البعث.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز شأنه “أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ” ﴿سبإ 9﴾ وعظ وإنذار لهم باستعظام ما اجترءوا عليه من تكذيب آيات الله والاستهزاء برسوله فالمراد بقوله: “ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض” ﴿سبإ 9﴾ إحاطة السماء والأرض بهم من بين أيديهم ومن خلفهم فأينما نظروا وجدوا سماء تظلهم وأرضا تقلهم لا مفر لهم منهما. وقوله: “إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء” ﴿سبإ 9﴾ أي إذ أحاط بهم الأرض والسماء وهما مدبرتان بتدبيرنا منقادتان مسخرتان لنا أن نشأ نخسف بهم الأرض فنهلكهم أو نسقط عليهم قطعة من السماء فنهلكهم فما لهم لا ينتهون عن هذه الأقاويل؟. وقوله: “إن في ذلك لآية لكل عبد منيب” ﴿سبإ 9﴾ أي فيما ذكر من إحاطة السماء والأرض وكونهما مدبرتين لله سبحانه أن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفا من السماء لآية لكل عبد منيب، راجع إلى ربه بالطاعة، فهؤلاء لا يستهينون بهذه الأمور ولا يجترءون على تكذيب هذه الآيات إلا لكونهم مستكبرين عاتين لا يريدون إنابة إلى ربهم ورجوعا إلى طاعته.
عن شبكة المعارف الاسلامية الثقافية: في التقويم الإسلاميّ، يحمل اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة الحرام عنوان: يوم دَحْو الأرض، لمشهد من مشاهد الخَلْق العظيمة، وواقعة جليلة في بداية الخلق الإلهيّ، وهي مذكورة في الكتاب العزيز في آيتين: الأولى: “والأرضَ بعدَ ذلك دَحاها” (النازعات 30). الثانية: “والأرضِ وما طَحاها” (الشمس 6). والآن نطل مع هذا العنوان القرآنيّ دَحْو الأرض من خلال أربع نوافذ: النافذة الأولى: تُطلّ على حقل اللغة، نقرأ في هذا الحقل: دَحَوتُ الشيءَ دحْواً: بَسَطتُه. وقيل: دحاه بمعنى أزاله عن مقرّه، أو جرَفه، أو رمى به بقهر. أمّا طحا فبمعنى: بسط فوسع، والطحا: المنبسط من الأرض، والطاحي الممتدّ، وقيل أيضاً: الطَّحْو كالدَّحْو، وهو بسط الشيء والذَّهاب به. النافذة الثانية: تُشرف على آفاق التفسير، يقول المفسّرون: “والأرض بعدَ ذلك دحاها” (النازعات 30) أي بَسَطها ومَدَّها بعد ما بنى السماء ورفع سَمْكها وسوّاها، وأغطَشَ ليلَها وأخرَج ضُحاها. وقيل: المعنى يكون هكذا: والأرضَ مع ذلك دحاها، وذكرَ بعضهم أنّ الدحو بمعنى الدَّحرَجة. أمّا الطَّحْو في قوله تعالى: “والأرضِ وما طحاها” (الشمس 6) فهو الدَّحو، وهو البَسط، و”ما” موصولة، فيكون المعنى والذي”طحاها”. أي الذي طحا الأرض هو الله جلّت قدرته. وقد استخدمت الآيتان”ما” بدل (مَن) لإيثار الإبهام المفيد للتفخيم والتعجيب، فيكون المعنى: وأُقسم بالأرض والقويّ العجيب الذي بَسَطها.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز شأنه “أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ” ﴿سبإ 9﴾ ثمّ ينتقل القرآن الكريم لتقديم دليل آخر عن المعاد، مقترن بتهديد الغافلين المعاندين فيقول تعالى: “أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض” ﴿سبإ 9﴾. فإنّ هذه السماء العظيمة بكلّ عجائبها، بكواكبها الثابتة والسيّارة، وبالأنظمة التي تحكمها، وكذلك الأرض بكلّ مدهشاتها وأنواع موجوداتها الحيّة، وبركاتها ومواهبها، لأوضح دليل على قدرة الخلاّق العظيم. فهل أنّ القدير على كلّ هذه الاُمور، عاجز عن إعادة الإنسان بعد الموت إلى الحياة؟ وهذا هو (برهان القدرة) الذي استدلّ به القرآن الكريم في آيات اُخرى في مواجهة منكري المعاد، ومن جملة هذه الآيات، الآية (82) من سورة يس “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (يس 82). الآية (99) من سورة الإسراء “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا” (الاسراء 99) والآيتين (6 و7) من سورة ق “أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)” (ق 6-7). ونشير إلى أنّ هذه الجملة كانت مقدّمة لتهديد تلك الفئة المتعصّبة من ذوي القلوب السوداء، الذين يصّرون على عدم رؤية كلّ هذه الحقائق. لذا يضيف تعالى قائلا: “إن نشأ نخسف بهم الأرض” ﴿سبإ 9﴾ فنأمر الأرض فتنشقّ بزلزلة مهولة وتبتلعهم، أو نأمر السماء فترميهم بقطعات من الحجر وتدمّر بيوتهم وتهلكهم “أو نسقط عليهم كسفاً من السماء” ﴿سبإ 9﴾ أجل، إنّ في هذا الأمر دلائل واضحة على قدرة الله تعالى على كلّ شيء، ولكن يختّص بإدراك ذلك كلّ إنسان يتدبّر في مصيره ويسعى في الإنابة إلى الله “إنّ في ذلك لآية لكلّ عبد منيب”. لابدّ أن سمع أو شاهد كلّ منّا نماذج من الزلازل أو الخسف في الأرض، أو سقوط النيازك من السماء، أو بتساقط وتناثر صخور الجبال بسبب صاعقة أو إنفجار بركان، وكلّ عاقل يدرك إمكانية حصول مثل هذه الاُمور في أيّة لحظة وفي أيّ مكان من العالم، فإذا كانت الأرض هادئة تحت أقدامنا، والسماء آمنة فوق رؤوسنا، فلأنّها كذلك بقدرة اُخرى وبأمر من آمر، فكيف نستطيع ـ ونحن المحكومون بقدرته في كلّ طرفة عين ـ إنكار قدرته على البعث بعد الموت، أو كيف نستطيع الفرار من سلطة حكومته