فريضة الحج في روايات أهل البيت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) (ح 16)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع معارف الحج عن الإمام الهادي عليه السلام: محمد بن يحيى؛ ومحمد بن أحمد، عن السيّاري، عن أحمد بن زكريا الصّيدلاني، عن رجل من بني حنيفة من أهل بُست وسجستان قال: رافقت أبا جعفر في السّنة الّتي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم، فقلت له وأنا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السّلطان: إنّ والينا جعلك فداك رجل يتولاّكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه بالإحسان إليّ، فقال: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك إنّه على ما قلت من محبّيكم أهل البيت وكتابك ينفعني عنده فأخذ القرطاس فكتب: “بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فانّ موصل كتابي هذا ذكراً عنك مذهباً جميلا وانّ ما لك من عملك ما أحسنت فيه، فأحسن إلى إخوانك واعلم أنّ الله عزَّ وجلَّ سائلك عن مثاقيل الذرّ والخردل”. قال: فلمّا وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة فدفعت اليه الكتاب فقبّله ووضعه على عينيه، وقال لي: حاجتك؟ فقلت: خراج عليّ في ديوانك قال: فأمر بطرحه عنّي وقال: لا تؤدّ خراجاً مادام لي عمل، ثمّ سألني عن عيالي فأخبرتهم بمبلغهم، فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلا، فما أدّيت في عمله خراجاً ما دام حيّاً، ولا قطع عنّي صلته حتّى مات.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز من قائل “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ” ﴿البقرة 198﴾ الآية التالية ترفع بعضا لاشتباهات في مسألة الحجّ وتقول “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم” ﴿البقرة 198﴾. لقد كان التعامل الإقتصادي بكافّة ألوانه محضوراً في موسم الحجّ عند الجاهليّين، وكانوا يعتقدون ببطلان الحجّ إذا اقترن بالنّشاط الإقتصادي، فالآية مورد البحث تعلن بطلان هذا الحكم الجاهلي وتؤكّد أنّه لا مانع من التعامل الإقتصادي والتّجاري في موسم الحجّ، وتسمح بابتغاء فضل الله في هذا الموسم عن طريق العمل والكد. وهذا النمط من التفكير كان سائداً في العصر الجاهلي ونجده كذلك في زماننا هذا وأنّ هذه العبادة العظيمة ـ يعني الحجّ ـ يجب أن تكون خالصة من أيّة شوائب ماديّة، ولكن بما أنّ سائر العاملين في هذا السبيل مضافاً إلى الناس الّذين يقصدون بيت الله من بعيد الدّيار يمكنهم أن يحلّوا الكثير من مشاكلهم الإقتصاديّة في سفر الحجّ هذا، ولهذا السبب أبطل القرآن الكريم هذا اللّون من التفكير، ويُحق لهؤلاء الأشخاص أن يأتوا بعبادة الحجّ ويؤدّوا مناسكه ضمن أداء خدماتهم الاُخرى ولا يكونوا في مضيقة من هذه الجهة، بل أنّ النصوص الإسلاميّة التي تتحدّث عن حكمة الحجّ تشير أيضاً إلى الجوانب الإقتصادية إضافة إلى الجوانب الأخلاقية والسياسية والثقافية، وتوضّح أنّ سفر المسلمين من كلِّ فجٍّ عميق إلى بيت الله الحرام لعقد مؤتمر الحجّ العظيم يستطيع أن يكون منطلقاً لتحرّك اقتصادي عامّ في المجتمعات الإسلامية. وذلك يتحقّق باجتماع الأدمغة الإقتصادية الإسلامية المفكّرة قبل أداء المناسك أو بعده لوضع أُسس اقتصاد سليم في المجتمعات الإسلامية يقوم على أساس التعاون والتبادل الإقتصادي بين أبناء الأُمّة الإسلامية، والاستغناء عن الأجانب والأعداء، وبلوغ المستوى الممكن اللائق من الإكتفاء الذاتي. من هنا، فهذه المعاملات والمبادلات التجارية سبل لتقوية بنية المجتمع الإسلامي أمام أعداء الإسلام، ذلك لأنّ أيّ شعب من الشعوب لا يمكن أن ينال استقلاله الكامل دون أن يقوم على أساس اقتصادي قوي، ولكن النشاط الإقتصادي في موسم الحجّ ينبغي طبعاً أن ينضوي تحت الأبعاد العبادية والأخلاقية للحجّ، لا أن يقدّم ويهيمن عليها. وواضح أنّ الحجّاج لهم الوقت الكافي قبل أعمال الحجّ وبعده لمثل هذا النشاط. يروي هشام بن الحكم أنّه سأل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام عن العلّة الّتي لأجلها كلّف الله العباد الحجّ والطواف بالبيت، فقال (فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد ولينتفع بذلك المكاري والجمّال ولوكان كلّ قوم إنّما يتكلّمون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد وسقطت الجلب والأرباح) ثمّ تعطف الآية الشريفة على ما تقدّم من مناسك الحجّ وتقول “فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالّين” ﴿البقرة 198﴾.

من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَيْسَ لِقَضآئِهِ دافِعٌ، وَلا لِعَطائِهِ مانِعٌ، وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ أَجْناسَ الْبَدائِعِ، وأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ الطَّلائِعُ، وَلا تَضيعُ عِنْدَهُ الْوَدائِعُ، أتْى بِالْكِتابِ الجَامِعْ، وبِشْرعِ الإسْلام النُور السْاطِع، وَهْوَ للخْلِيفةِ صَانِع، وَهْوَ المُسْتعَانِ عَلْى الفْجَائِع، جازي كُلِّ صانِع، وَرائِشُ كُلِّ قانع، وَراحِمُ كُلِّ ضارِع، وَمُنْزِلُ الْمَنافِعِ وَالْكِتابِ الْجامِعِ، بِالنُّورِ السّاطِعِ، وَهُوَ لِلدَّعَواتِ سامِعٌ، وَلِلدَّرَجاتِ رافِعٌ، وَلِلْكُرُباتِ دافِعٌ، وَلِلْجَبابِرَةِ قامِعٌ، وَراحِمُ عِبْرةَ كُلِّ ضارِع، وَدافِع ضُرعَة كُلِّ ضارِع، فَلا إِلهَ غَيْرُهُ، وَلا شَيءَ يَعْدِلُهُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ، وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ، اللَّطيفُ الْخَبيرُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ. أَللّهُمَّ إِنّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ، وَأَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبّي، إِلَيْكَ مَرَدّي، ابْتَدَأتَني بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذكوراً، وَخَلَقْتَني مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ اَسْكَنْتَنِي الأَصْلابَ، آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ، وَاخْتِلافِ الدُّهُورِ، فَلَمْ أَزَلْ ظاعِناً مِنْ صُلْب اِلى رَحِم، في تَقادُم مِنَ الأَيّامِ الْماضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْني لِرَأفَتِكَ بي، وَلُطْفِكَ لي، وَإِحْسانِكَ إِلَيَّ، في دَوْلَةِ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لكِنَّكَ أَخْرَجْتَني رَأفَةً مِنْكَ وَتحننَّاً عَليَّ للَّذي سَبَقَ لي مِنَ الْهُدى، الَّذي لَهُ يَسَّرْتَني، وَفيهِ أَنْشَأْتَني.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز من قائل “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ” ﴿البقرة 198﴾ لَيْسَ فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. عَلَيْكُمْ (عَلَى): حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”كَافُ الْمُخَاطَبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ (لَيْسَ):. جُنَاحٌ اسْمُ لَيْسَ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. أَنْ حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. تَبْتَغُوا فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَنْ تَبْتَغُوا): فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. فَضْلًا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. مِنْ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. رَبِّكُمْ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ”كَافُ الْمُخَاطَبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. فَإِذَا “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا): ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ. أَفَضْتُمْ فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ”تَاءُ الْفَاعِلِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. مِنْ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. عَرَفَاتٍ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. فَاذْكُرُوا “الْفَاءُ” حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اذْكُرُوا): فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. اللَّهَ اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. عِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. الْمَشْعَرِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. الْحَرَامِ نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. وَاذْكُرُوهُ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اذْكُرُو): فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. كَمَا “الْكَافُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا): حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. هَدَاكُمْ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَ”كَافُ الْمُخَاطَبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا هَدَا): فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْكَافِ. وَإِنْ “الْوَاوُ” حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ): حَرْفٌ مُخَفَّفٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. كُنْتُمْ فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ”تَاءُ الْفَاعِلِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ. مِنْ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. قَبْلِهِ اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. لَمِنَ “اللَّامُ” حَرْفٌ فَارِقٌ بَيْنَ إِنْ النَّافِيَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ): حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. الضَّالِّينَ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.

وعن النظر إلى زوار قبر الحسين عليه السلام مع تقدم وقوف أهل عرفات زماناً لاختلاف الأفق يقول السيد نبيل الحسني: غالباً ما يختلف الأفق بين أرض الرافدين وأرض الحجاز في رؤية الهلال في كل عام مما يؤدي إلى تقدم الشهر القمري بيوم وليلة في الحجاز، فيقوم الوافدون إلى بيت الله الحرام بالبدء بمناسك الحج تبعاً لرؤية الهلال. فيكون الوقوف على جبل عرفات متقدماً على من ذهب لزيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام بيوم وليلة، فكيف يتحقق نظر المولى عزّوجلّ بعين الرحمة والمغفرة إلى زوار قبر الإمام الحسين عليه السلام قبل نظره عزّوجلّ إلى أهل عرفات. ودفع هذا الإشكال يكون في أمرين: الأمر الأول: هو أن لكل إنسان ملائكة موكلين بعمله يكتبون كل ما يصدر عنه خيراً أو شراً، لقوله تعالى: “وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظينَ * كِراماً كاتِبينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُون” (الانفطار 10-12). وإن هذا العمل يرفع إلى الله تعالى فينظر فيه ثم يعرض على رسول الله صلى‌ الله ‌عليه وآله‌ وسلم ثم على وصيه عليه السلام، قال تعالى: “وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‌ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (التوبة 105). هذا النظر من الله عزّوجلّ في أعمال الخلق يكون فيه أولويات فتقدم بعض الأعمال للنظر فيه على غيره، ومثاله ولله المثل الأعلى كمن أراد أن يتقدم بطلب لدى مؤسسة حكومية أو أهلية وغيرها، للحصول على وظيفة، أو استثمار، أو مناقصة، وغيرها من الطلبات، وهو يرى أن هناك العديد من الطلبات التي سبقته في التقديم، وأن هناك كثيرين سيأتون بعده وهم يحملون نفس الشروط، سينظر المختصون في طلبه قبل هؤلاء جميعاً وجوابه: هو نيل رضا المختصين في هذه المؤسسة. الأمر الثاني: من الناحية العلمية فإن دوران الأرض حول نفسها يجعل الفارق الزمني بين مكة المكرمة وشمال أمريكا ما يقارب سبع الساعات، وإن قيام المسلمين بإحياء ليلة القدر في شمال أمريكا متأخر على أهل مكة بنحو ثلثي ليلة القدر في حين إن وعد الله صدق وقوله فصل، فليلة القدر، “سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر” (القدر 5). وعليه، فنزول الملائكة في ليلة القدر قائم بدوام عنوان الليل ووجوده سواء أكان الليل في مكة متقدماً على الليل في كندا بـ(6 أو 7) ساعات، أم أن ليل مكة متأخر عن ليل استراليا والشرق الأقصى سبع أو ثماني ساعات، فالأعمال كلها يعرج بها إلى الله تعالى، لكن تقديم بعضها على البعض في نيل رضا الله مرهون بمودة من أوجب الله مودتهم على جميع الخلق، ومن أعظم مصاديق المودة لآل البيت عليهم السلام هو زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام، ولأجلها ينال الزائر كل هذا الأجر والثواب والمغفرة وأكبر من ذلك كله، “وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّه‌” (التوبة 72). ولذلك، فقد زخرت كتب الحديث والفقه والأدعية بتأكيد استحباب زيارة قبر الحسين عليه السلام في بعض الأزمنة المخصوصة فضلاً عن ليلة عرفة ويومه، كليلة الفطر ويومه، وليلة الأضحى ويومه، وليلة الأول من رجب ويومه، وليلة النصف منه، وكذلك ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وليلة عاشوراء ويومه. وجميع هذه الأزمنة كان لها خصوصية التقرب إلى الله عزّوجلّ وطلب عفوه ومغفرته، وقد عرفت بين المسلمين بأنها ليالٍ وأيام مباركة يلوذ بها الداعي إلى ربه. فكيف إذا أضيف إليها ما حواه قبر ابن بنت رسول الله صلى‌ الله ‌عليه وآله‌ وسلم من خصوصية خاصة في استجابة الدعاء ونزول الرحمة وشمول العفو والمغفرة للزائرين والداعين.