قراءة في بيان مقتدى الصدر ( دمج سرايا السلام بالدولة وإنهاء المظاهر المسلحة)

بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​في لحظة سياسية بالغة الحرج والتعقيد وفي توقيت يترقب فيه الشارع العراقي مسارات التهدئة وبناء الدولة، جاء البيان الأخير لزعيم التيار الشيعي الوطني، السيد مقتدى الصدر (دام عزه)، ليمثل انعطافة جوهرية تتجاوز مجرد الترتيبات التنظيمية الداخلية إلى إحداث هزة في بنية العلاقات العسكرية والسياسية في البلاد.
لم يكن القرار المفاجئ بالانفكاك التام لسرايا السلام عن متن التيار، والتحاقها الكامل بمؤسسات الدولة والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية مجرد إجراء إداري عابر بل هو تجسيد حي لموقف شجاع اعتاد عليه العراقيون من سماحته موقف يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويصب مباشرة في صالح المجتمع العراقي وأمنه واستقراره.
إن هذا القرار الشجاع يندرج ضمن سلسلة مواقفه وقراراته التاريخية السابقة التي كانت غايتها الثابتة دائماً هي التأسيس لدولة المؤسسات الحقيقية، وحصر السلاح بيد القانون، وحماية الهوية الوطنية من التدخلات والتجاذبات.
​إن الغوص في ثنايا السردية التي قدمها السيد الصدر يكشف عن رؤية وطنية عميقة تهدف إلى تفكيك الازدواجية التي طالما عانى منها الجسد العراقي بين منطق (الدولة) ومنطق (اللا دولة) . فبتحويل الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى مشروع (البنيان المرصوص) وتجريدها المطلق من أي مظاهر مسلحة أو مقرات أو زي رسمي أو عناوين خاصة،
يشرع سماحته في إعادة صياغة هوية تيار ممتد مبرزاً الطابع المدني والاجتماعي على حساب القوة الخشنة. هذا السلوك القيادي الحكيم يعكس محاولة جادة لإنهاء عسكرة المجتمع، وطمأنة الشركاء والمنافسين على حد سواء بأن الحضور السياسي والجماهيري لا يحتاج بالضرورة إلى غطاء من السلاح أو الاستعراضات العسكرية لتأكيد شرعيته، بل يستمد قوته من الالتزام ببناء مؤسسات الدولة الدستورية والالتحاق التام بها.
​ولا يمكن فصل هذه الهيكلية الجديدة عن الشق التحليلي الأعمق في البيان، والذي تمثل في الخطاب الموجه بشكل مباشر وصريح إلى بقية تشكيلات الحشد الشعبي والفصائل الأخرى. فالشكر الذي قدمه السيد الصدر لمقاتلي سرايا السلام على (جهادهم الأكبر والأصغر) اقترن بأمنية بالغة الدلالة تدعو جميع فصائل الحشد إلى التحرر من الأوامر الحزبية والولاءات الطائفية الضيقة.
هذه الدعوة لا تبدو جديدة في أدبيات التيار، لكنها تكتسب اليوم قوة إضافية كونها تأتي مصحوبة بنموذج تطبيقي عملي فالرجل لم يعد يطالب الآخرين بتسليم سلاحهم إلى الدولة فحسب، بل بدأ بنفسه وتياره أولاً، مستنداً إلى إرث طويل من القرارات الشجاعة التي كانت تهدف دائماً إلى تقوية هيبة الدولة ومنع تشتت القرار الأمني، وتحاشياً للمخاطر المحدقة بالوطن.
​في المحصلة، يتبدى هذا البيان كوثيقة سياسية وأمنية بالغة الأهمية، صاغتها حكمة سماحة السيد مقتدى الصدر لتكون خارطة طريق لإنقاذ الوطن في اللحظات الحرجة. إنه يضع المجتمع العراقي أمام فرصة حقيقية للانتقال نحو مرحلة الاستقرار والسيادة، ويضع الفصائل المسلحة الأخرى في زاوية حرجة أمام مسؤولياتها الوطنية. إن هذا المتغير السلوكي الجسير، الذي يسعى في نهاية المطاف إلى جعل الدولة هي المبتدأ والمنتهى في إدارة السلاح وحماية الوطن، يثبت مجدداً أن قرارات السيد الصدر كانت ولا تزال ترتكز على مبدأ واحد وثابت: إن مصلحة العراق وأبنائه وبناء دولة المؤسسات هي الأولوية القصوى التي تهون دونها كل المكتسبات الفئوية والحزبية الأخرى.