“نحن نحب العراق”.. بين النفط والنفوذ الإيراني: قراءة في رسائل واشنطن بوست ونيويورك تايمز حول لقاء ترامب ورئيس الوزراء العراقي

إيهاب مقبل

تناولت كل من صحيفة واشنطن بوست وصحيفة نيويورك تايمز زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض ولقاءه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن كل صحيفة اختارت زاوية مختلفة لتغطية الحدث. وبينما ركزت واشنطن بوست على تصريحات ترامب بشأن وصول الزيدي إلى السلطة وسلطت الضوء على عدم دقتها، تناولت نيويورك تايمز الزيارة في إطار الصراع الأمريكي الإيراني، والجهود الأمريكية لإعادة تشكيل موازين القوى داخل العراق. ورغم اختلاف المعالجة، فإن التقريرين يقدمان صورة متقاربة عن حجم التأثير الأمريكي في المشهد العراقي، وعن التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة.

رسالة صحيفة واشنطن بوست
ركزت واشنطن بوست على تصريح الرئيس ترامب الذي هنأ رئيس الوزراء العراقي على “فوزه في الانتخابات”، مؤكدة أن هذا الوصف لا يعكس الواقع، لأن علي الزيدي لم يخض انتخابات عامة ولم يصل إلى رئاسة الوزراء عبر اقتراع شعبي، وإنما جاء نتيجة توافق سياسي بين القوى العراقية بعد أزمة سياسية معقدة.

وأشار التقرير إلى أن إدارة ترامب كانت قد رفضت عمليًا ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي كان مرشحًا للكتلة الشيعية الفائزة، وأن ترامب هدد في وقت سابق بوقف المساعدات الأمريكية إذا مضت بغداد في تكليفه، وهو ما أدى إلى حالة من الجمود السياسي، قبل أن تتوافق القوى العراقية على الزيدي بوصفه مرشحًا توافقيًا. وبهذا، فإن الرسالة المباشرة للتقرير هي أن ترامب أخطأ في وصف الطريقة التي وصل بها رئيس الوزراء العراقي إلى السلطة، وأن حديثه عن “فوز انتخابي” لا يتفق مع طبيعة النظام السياسي العراقي.

أما الرسالة غير المباشرة، فتتمثل في الإيحاء بأن واشنطن كان لها دور مؤثر في اختيار رئيس الوزراء العراقي، وأن الضغوط الأمريكية أسهمت في استبعاد نوري المالكي والتمهيد لوصول مرشح آخر يحظى بقبول أمريكي. كما يوحي التقرير بأن الرئيس الأمريكي لم يكن دقيقًا في فهم أو عرض آلية تشكيل الحكومة العراقية، وهو ما ينسجم مع الأسلوب التحريري الذي اعتمدته الصحيفة في إبراز التناقض بين تصريحات ترامب والوقائع.

رسالة صحيفة نيويورك تايمز
تناولت نيويورك تايمز اللقاء من منظور استراتيجي أوسع، معتبرة أن الزيارة تأتي في إطار مساعي إدارة ترامب لإقامة شراكة جديدة مع العراق يكون هدفها الأساسي تقليص النفوذ الإيراني داخل البلاد.

وأبرزت الصحيفة الأجواء الإيجابية التي رافقت اللقاء، حيث قال ترامب للصحفيين، بينما كان يجلس إلى جانب الزيدي في المكتب البيضاوي: “سنصنع معًا إنجازات عظيمة”. وأضاف: “لم يكن هناك الكثير من التعامل بيننا خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية مع الإدارة السابقة”. كما أكد أن العراق يمتلك “إمكانات هائلة بسبب نفطه، وأيضًا لأسباب أخرى، لكن النفط هو الأساس، وسنبرم الكثير من الصفقات”. وكان قد استقبل الزيدي عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض قائلاً: “نحن نحب العراق”.

ورغم أن عبارة “نحن نحب العراق” تبدو في ظاهرها تعبيرًا دبلوماسيًا عن التقارب بين البلدين، فإن السياق الذي وردت فيه يمنحها دلالة اقتصادية واضحة. فقد أعقبها ترامب مباشرة بالحديث عن الإمكانات النفطية للعراق، مؤكدًا أن النفط يمثل مصدر القوة الرئيس للبلاد، وأن واشنطن ستبرم “الكثير من الصفقات”. وبذلك، يوحي السياق بأن حديثه عن حب العراق ارتبط مباشرة بالنفط والصفقات الاقتصادية، بما يعكس أن البعد الاقتصادي، ولا سيما في قطاع النفط، يشكل أحد المرتكزات الأساسية للرؤية الأمريكية تجاه العراق في المرحلة المقبلة.

وتعكس هذه التصريحات الرسالة المباشرة للتقرير، وهي أن إدارة ترامب تسعى إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع بغداد تقوم على التعاون الاقتصادي، وتوسيع الاستثمارات الأمريكية، وتعزيز الشراكة السياسية والأمنية، مع التركيز بصورة خاصة على قطاع النفط بوصفه المدخل الرئيس لهذا التعاون.

كما يعرض التقرير سلسلة من الضغوط التي مارستها واشنطن على بغداد، من بينها وقف بعض أشكال التمويل الأمني، وتقييد تحويل الدولار، وربط توسيع التعاون الاقتصادي والأمني باتخاذ خطوات عملية ضد الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

ويشير التقرير إلى أن الزيدي رجل أعمال دخل السياسة حديثًا، وأنه يمتلك مصرف الجنوب الإسلامي (Al-Janoob Islamic Bank)، وهو البنك الذي حظره البنك المركزي العراقي عام 2024 من إجراء معاملات بالدولار الأمريكي، استجابة لضغوط أمريكية، بسبب شبهات تتعلق بغسل الأموال لصالح إيران وفصائل عراقية متحالفة معها.

كما يلفت التقرير إلى أن الحكومة العراقية أعلنت أنها أقنعت عددًا من “قادة الميليشيات” بالتعهد بنزع السلاح، غير أن هذه التعهدات لم تُنفذ فعليًا حتى وقت نشر التقرير، وأن الفصائل المسلحة ما زالت تحتفظ بقدراتها العسكرية. كما يوضح التقرير أن “الميليشيات التي أعلنت التزامها بنزع السلاح ليست من بين الفصائل التي تعاونت عسكريًا مع إيران خلال المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة”، ما يشير إلى أن إجراءات نزع السلاح لم تشمل بالضرورة جميع القوى المسلحة المرتبطة بإيران أو الأكثر تأثيرًا في المعادلة الأمنية، مثل كتائب حزب الله العراقية.

ويضيف أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة أسفرت عن إصدار أوامر باعتقال عشرات الشخصيات السياسية، إلا أن عددًا من الشخصيات المعروفة بقربها من إيران تمكن من مغادرة منازله قبل تنفيذ الاعتقالات، وهو ما فُسر داخل الأوساط السياسية العراقية على أنه نتيجة تسريب أو تحذير مسبق مكّنهم من الفرار وتجنب القبض عليهم.

ورغم أن التقرير يبرز الشراكة الجديدة بين واشنطن وبغداد، فإنه يبعث في الوقت نفسه برسالة ضمنية مفادها أنه لا ينبغي الوثوق بالكامل بتحول الزيدي نحو واشنطن.

فبعد الحديث عن الشراكة مع ترامب، ومكافحة الفساد، وتعهدات نزع سلاح الفصائل، ينتقل التقرير مباشرة إلى عرض مجموعة من الوقائع التي قد تضعف هذه الصورة، فيشير إلى مشاركة الزيدي في مراسم عزاء المرشد الإيراني، وإلى امتلاكه مصرف الجنوب الإسلامي الذي سبق أن تعرض لعقوبات وإجراءات أمريكية بسبب شبهات تتعلق بغسل الأموال لصالح إيران، كما يؤكد أن الفصائل المسلحة التي أعلنت التزامها بنزع السلاح لم تنفذ تعهداتها على أرض الواقع، وأن شخصيات سياسية مقربة من طهران تمكنت من الفرار قبل تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة بحقها.

ويعكس ترتيب هذه المعلومات رسالة غير مباشرة مفادها أن خطوات الحكومة العراقية في التقارب مع واشنطن قد تكون محدودة أو غير مكتملة، وأن النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية لا يزال قويًا، بما يجعل أي تحول استراتيجي نحو واشنطن عملية معقدة وطويلة.

مقارنة بين التغطيتين
رغم اختلاف زاوية التناول، فإن الصحيفتين تتفقان على أن وصول الزيدي إلى رئاسة الوزراء جاء في ظروف استثنائية ارتبطت بالصراع الأمريكي الإيراني أكثر من ارتباطه بمسار انتخابي تقليدي. كما تتفقان على أن واشنطن لعبت دورًا مهمًا في التطورات السياسية التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة، وإن اختلفتا في طريقة إبراز هذا الدور.

فـواشنطن بوست ركزت على الجدل المرتبط بتصريحات ترامب، وربطت بين استبعاد نوري المالكي وصعود الزيدي، بينما ذهبت نيويورك تايمز إلى تقديم صورة أشمل للعلاقة بين واشنطن وبغداد، متطرقة إلى ملفات النفوذ الإيراني، والفصائل العراقية، والقطاع المصرفي، والاستثمارات، ومكافحة الفساد.

المرجع
ترامب هنّأ رئيس وزراء العراق على فوزه في الانتخابات.. لكنه لم يكن على قائمة المرشحين، واشنطن بوست، 14 يوليو تموز 2026
https://www.washingtonpost.com/politics/2026/07/14/trump-congratulated-iraqs-prime-minister-election-he-wasnt-ballot/

ترامب لرئيس الوزراء العراقي الجديد في لقاء المكتب البيضاوي: نحن نحب العراق، نيويورك تايمز، 14 يوليو تموز 2026
https://www.nytimes.com/2026/07/14/us/politics/iraq-trump-oval-office-meeting.html

انتهى