عافيتك رواية أنت تخط فصولها
بقلم: فرح علي الشهاري
________
أنت لست مجرد عابر في تفاصيل أيامك، بل أنت الكاتب الأول والوحيد لقصة حياتك الصحية. “نمط معيشتك” هو الحبر الذي تسطر به فصول العافية أو المرض، وكل صفحة تطويها هي قرار تصنعه أنت اليوم ليرسم ملامح الخاتمة. تخيل أنك تمتلك حق إعادة صياغة السيناريو قبل أن يجف الحبر؛ فهل ستختار فصل السعادة أم التراجيديا؟
في زوايا جسدك، يدور حوار صامت لا تسمعه إلا أنت. في كل مرة تمتلئ فيها مائدتك باللحوم المصنعة وتغرق في الدهون والزيوت المهدرجة، أنت فعلياً تبدأ في صياغة فصل مأساوي بيدك؛ فأنت ترسل دعوة مفتوحة، تشرع أبوابك لضيف ثقيل، غامض، ومؤلم، يُدعى سرطان القولون. الخمول والكسل ليسا مجرد راحة، بل هما كلمات تكتبها ببطء لتثقل كاهل بطل الرواية الذي هو أنت. ولكن، ما أجمل أن تقرر فجأة تعديل النص! فحفنة من الخضروات الطازجة، وبعض الألياف الذهبية، مع خطوات مشي يومية، تكفي لتنسج كلمات نجاة وتصنع درعاً متيناً من العافية يصعب اختراقه.
وبينما أنت منشغلٌ بكتابة فصول وقايتك الذاتية في منزلك، هناك من يكتب على أرض الواقع ملحمة وطنية كبرى لإنقاذ من تعثرت بهم سطور العافية. إنه صندوق مكافحة السرطان، ذلك المنجز الإنساني العظيم الذي أثمرت عنه ثورة 21 سبتمبر، ليترجم مسؤولية الدولة تجاه مرضاها. بمهنية وتجرد، حوّل الصندوق الأمل إلى بنيان؛ فشيّد وحدات متخصصة للأورام تنبض بالحياة في صعدة، تعز، المحويت، ذمار، حجة، وعمران، وصولاً إلى تأسيس أحدث وحدة للعلاج الإشعاعي في صنعاء.
وتستمر عجلة البناء عبر استكمال المدينة الطبية في الجرداء ومستشفيات الرسول الأعظم. لم يتوقف الأمر عند المباني، بل شمل التكفل بالنفقات التشغيلية وتوفير الأدوية الباهظة لتخفيف العبء عن كاهل الأبطال الذين يواجهون المرض.
ومن عمق هذا الجهد، تنبثق الحملة الوطنية العاشرة “وعيك يحميك” لتقرأ علينا لغة الأرقام بصوت عالٍ، وكأنها ناقوس خطر يصرخ في منتصف الرواية. فإجمالي حالات الإصابة بسرطان القولون في بلادنا تجاوز 2500 حالة! والأكثر مدعاة للانتباه أن المرض يترصد غالباً من أتموا عامهم الخمسين، ويميل لإصابة الرجال أكثر من النساء بفارق يتراوح بين 40 إلى 50 حالة. هذه الأرقام تتجاوز كونها مجرد إحصائيات؛ إنها دعوة عاجلة لمراجعة سلوكياتنا قبل فوات الأوان.
أما إذا تجاوزت في هذه الرواية عتبة الخمسين عاماً، فالبطل الحقيقي الذي يجب أن يبرز الآن هو الكشف المبكر. ثقافة الفحص الدوري هي بمثابة المدقق اللغوي الذي يكتشف الخلل في بداياته قبل أن ينتشر ويُفسد القصة. فالاكتشاف المبكر يجعل نسبة الشفاء التام حقيقة واقعة، ويغير مسار المرض نحو نهاية سعيدة بإذن الله. إن مواجهة السرطان لم تكن يوماً معركة يخوضها المريض منفرداً، بل هي شراكة وطنية تتضافر فيها جهود الأسرة، والمجتمع، والمؤسسات الطبية.
إن ما نراه اليوم من بناء لصروح الشفاء وصناعة للوعي، يدفعنا لتثمين هذه الجهود الاستثنائية التي يقودها صندوق مكافحة السرطان. فهذا الكيان يواصل العمل بصمت وإخلاص لبلسمة الجراح ورعاية المرضى، ليثبت للجميع أن إرادة الحياة في هذا الوطن، بفضل الوعي والتكاتف، هي التي ستنتصر في النهاية.
#وعيك_يحميك_الحملة_الوطنية_العاشرة_للتوعية_بسرطان_القولون