صورة وقصة وطن

حسن درباش العامري

هذه الصورة لا تُظهر رجل أمن ومتظاهراً… بل تُظهر قصة وطن.
انظروا جيداً إلى تلك اليد المرفوعة.
ليست يداً تتحدى، وليست يداً تحمل سلاحاً، بل يد إنسان يحاول أن يحمي وجهه من ضربة قد تصيب جسده، بينما الجراح الحقيقية أصابت روحه منذ سنوات.
ذلك الشاب لم يخرج ليطلب قصراً ولا سيارة فارهة ولا امتيازات خاصة، خرج وهو يحمل حلماً بسيطاً جداً؛ وظيفة تحفظ كرامته، وراتباً يكفيه كي لا يمد يده لأحد، وسقفاً يأوي إليه حين يعود متعباً من يومه.
خرج لأنه تعب من أن يكون غريباً في وطنه.
تعب من أن يرى العمر يمضي وهو عاجز عن بناء بيت أو تكوين أسرة أو رسم مستقبل.
تعب من أن يقف آخر كل شهر أمام المؤجر وكأنه متهم، يعتذر ويترجى ويؤجل الدفع أياماً أخرى.
ومن لم يعش ذل الإيجار لا يعرف كم هو موجع أن تشعر بأن مفتاح بيتك ليس بيدك، وأن استقرار أطفالك مرهون بقرار شخص آخر.
إنها غربة من نوع آخر…
غربة لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى عبور حدود.
غربة داخل الوطن نفسه.
أما ذلك الشرطي الذي يقف أمامه، فهو أيضاً ابن هذا البلد.
له أم تخاف عليه، وزوجة تنتظر عودته، وأطفال يركضون نحوه حين يدخل البيت.
لكنه يملك ما يفتقده هذا الشاب؛ وظيفة، وراتباً، وإحساساً بأن الغد سيكون مشابهاً لليوم.
ولذلك يبدو المشهد مؤلماً إلى هذا الحد.
فالعصا ليست بين عدوين.
إنها بين أخوين جمعهما الوطن وفرّقتهما الظروف.
وكأن الشاب يقول له:
“أخي… لا تضربني.
أنا لا أريد أن آخذ مكانك، ولا أن أسلب رزقك.
أنا فقط أبحث عن فرصة تجعل أطفالي ينامون مطمئنين كما ينام أطفالك.
أبحث عن بيت لا يهددني صاحبه بالطرد كلما تأخرت في دفع الإيجار.
أبحث عن عمل يجعل زوجتي ترفع رأسها بين الناس بدل أن تخفي دموعها كلما عجزنا عن شراء ما نحتاجه.
أبحث عن وطن أشعر فيه أنني ابن الدار لا ضيفاً ثقيلاً على أبوابها.”
فالفقر لا يسرق المال فقط…
الفقر يسرق شيئاً أخطر.
يسرق شعور الإنسان بالانتماء.
ويجعله يشعر أحياناً أن وطنه لا يعرفه ولا يسمع صوته.
أما حين يجد الإنسان عملاً وبيتاً وكرامة، فإنه يتمسك بوطنه أكثر.
يدافع عنه أكثر.
ويخاف عليه أكثر.
لأن الوطن ليس قطعة أرض فقط…
الوطن هو المكان الذي تشعر فيه أن كرامتك محفوظة.
ولذلك فإن أكثر ما تبكي عليه هذه الصورة ليس خوف الشاب من الضربة، بل خوفه من أن يمضي عمره كله وهو يرفع يده يصد قسوة الحياة، بينما كان يحلم فقط أن يمدها ليبني ويعمل ويعيش بكرامة في بلده الذي أحبه ولم يغادره.
بقلم الكاتب الناقد السياسي
حسن درباش العامري