جديد

تحليل تصريحات ترامب في قمة الدول السبع G7

تحليل تصريحات ترامب في قمة الدول السبع G7

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

أبرز ما جاء في تصريحات ترامب الصادمة والخارجة عن المألوف في إجتماع قمة الدول السبع الكبرى:

#انتقاد نتنياهو إستهداف المجمعات السكنية بعنف:

وجه تراَمب إنتقادًا عنيفًا لنتنياهو دون أن يسمًّيه: “ليس عليك هدم مبنى سكني بالكامل في كل مرة تبحث فيها عن شخص ما، لأن هناك الكثير من السكان داخل هذه المباني وليسوا جميعهم من حzب الله”.

#إهانة نتنياهو بتحميله مسؤولية فشله في مواجهة حزب الله بقوله:

“إسرائيل تقاتل حزب الله منذ فترة طويلة جدًا دون جدوى” .

#طرح الشرع كبديل سياسي وعسكري لنتنياهو:

إقترح ترامب تولي سوريا (بقيادة الرئيس أحمد الشرع) زمام إدارة ملف حزب الله وضبط الوضع، إذا عجزت إسرائيل عن إنهاء المهمة دون استمرار قتل المدنيين.

#الخوف على الإتفاقيات الدبلوماسية:

أبدى ترامب غضبه من قصف بيروت، معتبرًا أن هذه الضربات العنيفة، تهدد جهود الوساطة الدبلوماسية المستمرة، ومساعي توقيع إتفاق سلام أوسع في المنطقة مع إيران.

فهذه التصريحات وفي مقر إجتماع الدول السبع الكبرى، ليست بذلات لسان لترامب، إنما تعبر عن حنقٍ شديدٍ، وكظمِ غيظٍ لم يعد يحتمل. فعبَّر ترامب بغيضٍ من فيضِ مما يجيش في صدره.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة :

لماذا الآن؛ وهل يتعارض تصريح ترامب مع التفاهمات المتعلقة بأيقاف الحرب على كل الجبهات؟

نعم، من حيث الشكل يبدو متناقضًا مع أي تفاهم يهدف إلى خفض التصعيد في لبنان، لأن حديثه لم يركز على وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو تثبيت الاستقرار، بل انتقل مباشرة إلى البحث عمّن يتولى “معالجة حzب الله”. وهذا يعني أن المشكلة بنظره ليست استمرار الحرب بحد ذاتها، بل الجهة التي ستتولى إدارة الملف الأمني.

لذا لا بد من تحليل الموضوع بشكل أعمق؛ ويمكن قراءة التصريح باعتباره محاولة لإعادة صياغة آلية تنفيذ التهدئة وليس إلغاءها بالكامل.

1- هل يتضمن التصريح إهانة أو توبيخًا لنتنياهو؟

التصريح فيه قدر واضح من التوبيخ السياسي؛ فعندما يقول ترامب: “من دوني لن تكون هناك إسرائيل”،ثم يضيف أن نتنياهو يجب أن يكون “أكثر مسؤولية تجاه لبنان”، فهو يضع نفسه في موقع الوصي على الحكومة الإسرائيلية. هذه ليست لغة شراكة متكافئة، بل لغة رئيس يرى أن إسرائيل مدينة له سياسيًا وعسكريًا. لذلك لاقت العبارة إهتمامًا إسرائيليا مستنكرًا، لأنها تمس صورة نتنياهو كقائد مستقل.

2- لماذا قال ترامب إن إسرائيل كان يجب أن تعالج الملف بسرعة؟

هذه العبارة تعكس عقلية ترامب التقليدية القائمة على النتائج السريعة.؛ فهو ينظر إلى الحروب كصفقات، ويجب حسمها بسرعة، لا كحروب استنزاف طويلة.
ومن هذه الزاوية فهو يلمح إلى أن إسرائيل لم تحقق أهدافها في لبنان رغم مرور فترة طويلة من المواجهة مع حzب الله دون جدوى. وتسببت الحروب بندوب في الداخل الإسرائيلي لا تمحى (الإنسحاب الإسرائيلي دون أي قيد أو شرط عام 2000، والإنسحاب إلى الحدود الدولية بعد هزيمة مدوية عام 2006) ، وأن استمرار العمليات دون حسم يخلق عبئًا سياسيًا وعسكريًا على واشنطن وتل أبيب معًا.

3- ما هي دلالة اقتراحه أن تتولى سوريا “أمر حزب الله”؟

هذه هي النقطة الأخطر في تصريح ترامب؛ فهي تعني أن ترامب ينظر إلى سوريا الجديدة كطرف يمكن إدماجه في ترتيبات الأمن الإقليمي.

كما أنها تحمل رسالة بأن واشنطن مستعدة لمنح دمشق دورًا إقليميًا مقابل التزامات أمنية معينة. لذلك لا ينبغي النظر إلى العبارة كتعليق عابر، بل كإشارة إلى تصور أمريكي جديد لدور سوريا بعد سنوات العزلة.

4-لماذا مدح أحمد الشرع بهذه الطريقة؟

فالمديح غير المعتاد للشرع وخلال إجتماع الدول السبع الكبرى يوحي بأن واشنطن تريد الإستثمار سياسيًا في السلطة السورية الجديدة.

فعندما يصفه بأنه “قام بعمل رائع” و”الشخص المناسب لإعادة النظام”، فهو يمنحه شرعية دولية إضافية ويبعث برسالة إلى إسرائيل ودول المنطقة بأن الإدارة الأمريكية تنظر إليه كشريك محتمل في ملفات الأمن الإقليمي.

5- لماذا وصف ترامب حzب الله بأنه “إزعاج بسيط”؟

هذا الوصف يحمل بعدين متناقضين: 1- فمن جهة يقلل من حجم التهديد الذي يمثله الحزب على المصالح الأمريكية المباشرة.

2- ومن جهة أخرى يسحب الذريعة من إسرائيل للإستمرار في عمليات عسكرية واسعة.

وكأن ترامب يقول إن الملف لا يستحق حربًا مفتوحة أو تدمير بيروت، بل معالجة سياسية وأمنية أكثر احتواءً.

6- لماذا اهتمت إسرائيل كثيرًا بهذا التصريح؟

لأن ترامب لم يكتفِ بانتقاد الأداء الإسرائيلي، بل طرح بديلًا إقليميًا يتمثل بسوريا. وهذا يثير أسئلة إستراتيجية داخل المؤسسة الإسرائيلية حول مستقبل حرية العمل العسكري في لبنان، وحول ما إذا كانت واشنطن بدأت تبحث عن ترتيبات جديدة لا تكون إسرائيل اللاعب الوحيد فيها.

7- ما الرسالة الحقيقية التي أراد ترامب إيصالها؟

يبدو أن الرسالة الأساسية ليست الدفاع عن لبنان ولا دعم حزب الله، بل القول لنتنياهو: “أنا من يحدد سقف التصعيد وشكل الحلول”. لذلك يمكن فهم التصريح في إطار شد الحبال بين الرجلين أكثر مما هو تحول جذري في السياسة الأمريكية.

وفي المحصلة، فإنَّ التصريح يحمل ثلاثة رسائل متزامنة:
1- توبيخ لنتنياهو بسبب إدارة الملف اللبناني.

2- تقديم أحمد الشرع كشريك محتمل في الترتيبات الأمنية الإقليمية.

3- تأكيد أن ترامب يريد ضبط إيقاع التصعيد لا تركه بيد الحكومة الإسرائيلية وحدها.

لذلك فإن أهمية التصريح تكمن في ما يكشفه عن توازن القوى بين واشنطن وتل أبيب أكثر مما تكمن في حديثه المباشر عن لبنان.

وكمتابع دقيق لتصريحات الرئيس ترامب المزاجية، وغير الثابتة والمتناقضة ؛ أحذر الجميع من تراجع ترامب عن تصريحاته وتعهداته بدون سابق إنذار، وبذلك ينقل المنطقة من الصفيح الساخن إلى فوهة بركان نشط جدًا.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

18 حزيران/ يونيو 2026