بقايا معدات الجيش العراقي على طريق الموت أثناء الانسحاب من الكويت عام 1991
إيهاب مقبل
عندما انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، خرج العراق من واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وهو يمتلك جيشًا يعد من أكبر الجيوش في العالم من حيث العدد والتسليح. فقد امتلك أكثر من مليون جندي بين قوات عاملة واحتياط، وآلاف الدبابات والمدرعات، وسلاحًا جويًا كبيرًا، إضافة إلى خبرة قتالية اكتسبها خلال ثماني سنوات من الحرب.
لكن هذه القوة العسكرية لم تستمر طويلًا. ففي الثاني من أغسطس آب عام 1990، اتخذ صدام حسين قرارًا وصفه كثير من المؤرخين والمحللين بأنه أحد أكثر القرارات العسكرية والسياسية تكلفة في تاريخ العراق الحديث، عندما أمر بغزو الكويت. هذا القرار أدخل الجيش العراقي في مواجهة مع تحالف دولي بقيادة واشنطن، وأسفر عن تدمير جزء كبير من قدراته العسكرية، ثم أعقبه حصار اقتصادي طويل أدى إلى شلّ قدرته على التطور والتحديث، وانتهى الأمر بتفكك المؤسسة العسكرية العراقية وحلّها رسميًا عام 2003.
ولا يعني تحليل هذه الأحداث تبرير الغزو أو الدفاع عن انتهاك سيادة الدول، فغزو الكويت كان قرارًا مخالفًا للقانون الدولي ومبادئ العلاقات بين الدول، وأدى إلى نتائج كارثية على العراق والكويت والمنطقة بأكملها.
الجيش العراقي بعد الحرب مع إيران: قوة ضخمة بثمن باهظ
كان الجيش العراقي في نهاية الثمانينيات من أكبر الجيوش في العالم من حيث الحجم والقوة البرية. فقد بلغ تعداد القوات العراقية أكثر من مليون عسكري بين قوات عاملة واحتياط، وامتلك نحو أربعة آلاف دبابة وآلاف العربات المدرعة وقطع المدفعية، إضافة إلى قوة جوية كبيرة كانت تُعد من أقوى القوات الجوية العربية آنذاك، وضمت مقاتلات سوفيتية مثل ميغ-29 وميغ-23 وسوخوي سو-22 وسو-25، إلى جانب طائرات ميراج F1 الفرنسية التي كانت من أبرز مقاتلاته.
كما أن الحرب مع إيران منحت الجيش خبرة واسعة في الحروب التقليدية، خصوصًا في استخدام المدرعات والمدفعية والعمليات البرية الواسعة. فقد خاض العراق معارك ضخمة على جبهة امتدت مئات الكيلومترات، وأصبح لديه عدد كبير من الضباط الذين اكتسبوا خبرة ميدانية حقيقية.
لكن هذه القوة العسكرية جاءت بتكلفة اقتصادية هائلة. فقد أنفق العراق موارد ضخمة على الحرب، واضطر إلى الاقتراض من دول عربية وأجنبية، الأمر الذي تركه بعد عام 1988 أمام أزمة مالية كبيرة. وكان الجيش نفسه بحاجة إلى صيانة وتحديث مستمرين، وهو أمر أصبح صعبًا مع تراجع الموارد المالية.
قرار غزو الكويت: عندما دخل الجيش حربًا لم تكن محسوبة
في الثاني من أغسطس آب عام 1990، دخلت القوات العراقية الكويت وسيطرت عليها خلال فترة قصيرة. من الناحية العسكرية البحتة، كان الجيش العراقي يمتلك تفوقًا ساحقًا على الجيش الكويتي، لكن المشكلة لم تكن في احتلال الكويت، بل في التعامل مع رد الفعل الدولي.
فقد اعتقدت القيادة العراقية أن العالم سيقبل بالأمر الواقع، أو أن الخلافات بين القوى الكبرى ستمنع تدخلًا عسكريًا واسعًا. لكن الحسابات تغيرت سريعًا، إذ تشكل تحالف دولي بقيادة واشنطن، وبدأت الاستعدادات لإجبار العراق على الانسحاب.
وفق شهادات عدد من كبار الضباط العراقيين، ومنهم الفريق الركن رعد مجيد الحمداني، فإن قرار الغزو كان قرارًا سياسيًا اتُخذ في دائرة القيادة العليا، ولم يكن نتيجة تقييم عسكري شامل من هيئة الأركان. وبذلك وجد الجيش العراقي نفسه في مواجهة واحدة من أكبر التحالفات العسكرية في التاريخ الحديث.
عاصفة الصحراء: بداية انهيار القوة العسكرية العراقية
في يناير كانون الثاني 1991 بدأت عملية “عاصفة الصحراء”، حيث شنت قوات التحالف حملة جوية مكثفة استمرت أكثر من شهر. لم تكن هذه الحملة مجرد قصف تقليدي، بل كانت حربًا تعتمد على التفوق التكنولوجي الكامل، حيث استُهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والقواعد الجوية، ومخازن الذخيرة، وشبكات الاتصالات.
كان الجيش العراقي يمتلك عددًا هائلًا من القوات، لكنه واجه خصمًا يمتلك سيطرة جوية كاملة وقدرات استخباراتية متقدمة. وأدى ذلك إلى عزل الوحدات العراقية المنتشرة في الكويت، وقطع خطوط إمدادها، وإضعاف قدرتها على الرد.
وعندما بدأت العملية البرية في فبراير شباط 1991، انهارت معظم الوحدات العراقية خلال أيام قليلة، واضطرت القوات العراقية إلى الانسحاب من الكويت. وأصبح طريق المطلاع شمال الكويت، الذي عُرف لاحقًا باسم “طريق الموت”، رمزًا لحجم الخسائر التي تعرض لها الجيش العراقي أثناء الانسحاب، بعد تعرض الأرتال العسكرية لقصف مكثف.
خسائر العراق العسكرية: تدمير ترسانة بُنيت خلال عقود
كانت خسائر الجيش العراقي في حرب الخليج ضخمة، ولم تقتصر على خسارة المعركة فقط، بل شملت تدمير جزء كبير من القوة العسكرية التي بناها العراق خلال سنوات الحرب مع إيران.
وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية والدراسات العسكرية الغربية إلى أن العراق فقد خلال حرب الخليج ما يقارب ثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وسبعمائة دبابة، إضافة إلى أكثر من ألفي عربة مدرعة وناقلة جنود، ونحو ألفي قطعة مدفعية. كما تعرض سلاح الجو العراقي لخسائر كبيرة نتيجة الحملة الجوية للتحالف، حيث دُمرت أو أُخرجت أعداد كبيرة من الطائرات العسكرية من الخدمة، في حين لجأت أكثر من 130 طائرة عراقية إلى إيران خلال الحرب هربًا من القصف، وبقيت هناك بعد انتهاء العمليات.
أما الخسائر البشرية فتختلف تقديراتها حسب المصادر، إلا أن معظم الدراسات العسكرية تشير إلى مقتل عشرات الآلاف من الجنود العراقيين خلال حرب الخليج، بينما وقع نحو 80 ألف عسكري عراقي في الأسر لدى قوات التحالف. كما تعرضت البنية العسكرية العراقية لضربات واسعة استهدفت القواعد الجوية ومراكز القيادة والسيطرة ومخازن الذخيرة وشبكات الاتصالات، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرة الجيش العراقي على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة بعد الحرب.
ولم تكن الخسارة مجرد فقدان للمعدات، بل كانت أيضًا خسارة لجزء من الخبرة العسكرية التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الحرب العراقية الإيرانية، إذ فقد الجيش عددًا من كوادره خلال العمليات، كما تعرضت قيادته لهزة كبيرة بعد الهزيمة وإعادة تنظيم واسعة أثرت في تماسك المؤسسة العسكرية وقدرتها على التطور.
الخوف داخل المؤسسة العسكرية: إقالات وإعدامات وشكوك
بعد انتهاء الحرب، بدأ صدام حسين بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتحميل بعض القادة مسؤولية الهزيمة.
وخلال تلك الفترة ظهرت تقارير دولية تحدثت عن عمليات اعتقال وإعدام بحق ضباط عراقيين اتُهموا بمعارضة غزو الكويت أو رفض تنفيذ الأوامر. فقد نقلت وكالة رويترز في نوفمبر تشرين الثاني 1990، عن ضابط عراقي منشق، أن صدام حسين أمر بإعدام 120 ضابطًا وستة جنرالات برتبة فريق بسبب رفضهم المشاركة في الغزو أو اعتراضهم على سياسات القيادة.
لكن هذه الرواية لم تُحسم تاريخيًا، إذ لم تذكر التقارير أسماء هؤلاء الضباط أو الجنرالات، ولم تظهر وثائق مؤكدة بعد سقوط النظام تثبت هوياتهم أو ظروف إعدامهم. لذلك فإن الثابت تاريخيًا هو أن المؤسسة العسكرية العراقية شهدت بعد حرب الخليج إعادة هيكلة واسعة، شملت إبعاد عدد من القادة والضباط، إضافة إلى وقوع عمليات اعتقال وإعدام طالت بعض العسكريين في مراحل مختلفة من حكم صدام حسين. كما ازداد اعتماد النظام على الأجهزة الأمنية والحرس الجمهوري والقوات الخاصة الموالية له بدلًا من المؤسسة العسكرية التقليدية، نتيجة مخاوف القيادة من احتمال حدوث انقلاب عسكري.
وأدى ذلك إلى تغير طبيعة الجيش العراقي، حيث أصبحت الثقة السياسية والولاء للنظام عاملًا أساسيًا في اختيار القيادات، وهو ما أضعف استقلالية المؤسسة العسكرية.
العقوبات الدولية: الجيش الذي توقف عن التطور
بعد حرب الخليج، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات اقتصادية قاسية على العراق. وكانت هذه العقوبات من أكثر العوامل التي أضعفت الجيش العراقي خلال التسعينيات.
فقد مُنع العراق من شراء أسلحة حديثة أو الحصول على قطع غيار للعديد من معداته. ومع مرور السنوات أصبحت أعداد كبيرة من الدبابات والطائرات غير صالحة للعمل بسبب نقص الصيانة.
كما تراجع التدريب العسكري، وانخفضت قدرة الجيش على إجراء مناورات واسعة، وتحول من جيش هجومي ضخم إلى قوة دفاعية محدودة تعاني من نقص المعدات والتكنولوجيا.
وهكذا فقد الجيش العراقي تدريجيًا المكانة التي كان يمتلكها في نهاية الثمانينيات.
انتفاضة 1991: استنزاف جديد للجيش
بعد انتهاء حرب الخليج مباشرة، اندلعت انتفاضة شعبية واسعة في عدد من المدن العراقية، بدأت في جنوب العراق ثم امتدت إلى مناطق أخرى، كما شهد شمال البلاد تمردًا واسعًا ضد حكومة بغداد. وقد أدت هذه الأحداث إلى تدخل الجيش العراقي والحرس الجمهوري لإعادة السيطرة على المناطق التي خرجت عن سلطة النظام.
استخدم النظام العراقي قوات الجيش والحرس الجمهوري لاستعادة السيطرة، وهو ما أدى إلى مزيد من الاستنزاف للمؤسسة العسكرية.
كما تركت هذه الأحداث أثرًا عميقًا داخل الجيش، إذ أصبحت القيادة السياسية أكثر خوفًا من احتمال وقوع انقلاب عسكري، ولذلك عملت على موازنة قوة الجيش مع الأجهزة الأمنية والحرس الجمهوري.
عام 2003: النهاية الكاملة للمؤسسة العسكرية العراقية
بحلول عام 2003، لم يعد الجيش العراقي هو الجيش الذي خرج من الحرب مع إيران عام 1988. فقد فقد معظم قدراته، وتراجعت جاهزيته، وأصبحت معداته قديمة مقارنة بالجيش الأمريكي.
عندما بدأت واشنطن غزو العراق عام 2003، انهارت القوات العراقية بسرعة أمام التفوق العسكري الأمريكي.
وبعد سقوط بغداد عام 2003، أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر القرار رقم 2 الخاص بحل الكيانات، والذي أدى إلى حل وزارة الدفاع والجيش العراقي والقوات المرتبطة بالنظام السابق. وبذلك انتهت رسميًا مؤسسة عسكرية كانت قبل عقد ونصف فقط من أكبر المؤسسات العسكرية في المنطقة، لكنها كانت قد تعرضت خلال السنوات السابقة لاستنزاف كبير بسبب حرب الخليج، والعقوبات الدولية، وتراجع قدراتها القتالية.
الخاتمة
كان غزو الكويت نقطة التحول الكبرى في تاريخ الجيش العراقي الحديث. فقد انتقل الجيش خلال سنوات قليلة من قوة عسكرية ضخمة خرجت من حرب طويلة مع إيران إلى مؤسسة منهكة فقدت معظم قدراتها بسبب الحرب، ثم العقوبات، ثم الصراعات الداخلية.
لقد أدى قرار سياسي واحد إلى إدخال الجيش العراقي في مواجهة تفوق فيها خصمه بالتكنولوجيا والقدرات الجوية، ثم حوّل سنوات البناء العسكري إلى خسائر يصعب تعويضها.
وهكذا لم يكن غزو الكويت مجرد حدث عسكري قصير، بل كان بداية مسار طويل أدى إلى تراجع الجيش العراقي وانتهاء دوره كواحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم العربي.
انتهى