جديد

الكاتب رياض سعد عن الشخصية الوطنية (ح 1): الشخصية العراقية 1 (كل نفس بما كسبت رهينة)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع الأمة العراقية عن الشخصية العراقية أساس النهضة الوطنية للكاتب رياض سعد: لا أمة قوية من دون إنسان قوي: لا يمكن الحديث عن أمة عراقية قوية أو مشروع وطني نهضوي حقيقي من دون التوقف عند العنصر الأهم في بناء الأمم والحضارات، ألا وهو الإنسان… ؛ فالأمة ليست مجرد حدود جغرافية، ولا مجرد مؤسسات ودساتير وقوانين، بل هي في جوهرها مجموع الشخصيات الإنسانية التي تشكل نسيجها الاجتماعي والثقافي والحضاري، ومن هنا فإن قوة الأمة أو ضعفها ليست سوى انعكاس لقوة أو ضعف الشخصية السائدة بين أبنائها. فالشخصية الإنسانية ليست مجرد مظهر خارجي أو سلوك عابر، وإنما هي منظومة متكاملة من القيم والأفكار والمعتقدات والدوافع النفسية والأنماط السلوكية التي تحدد طريقة تعامل الفرد مع نفسه ومجتمعه ووطنه. ومن تفاعل العقلية والنفسية تتشكل شخصية الإنسان، ومن الشخصية تتولد الأفعال والمواقف، ومن مجموع هذه الشخصيات تتكون الجماعة، ومن مجموع الجماعات تتشكل الأمة، ومن الأمة تقوم الدولة وتتحرك عجلة التاريخ. ولهذا فإن الأمم العظيمة لم تُبنَ أولاً بالحجارة ولا بالثروات ولا بالجيوش، وإنما بُنيت بالإنسان الواثق بنفسه، المؤمن برسالته، المعتز بتاريخه، القادر على تحويل طاقاته إلى إنجازات واقعية في مختلف ميادين الحياة.

قال الله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا” (البقرة 29) فبعد ان خلق الله الارض جعل فيها خليفة ليستثمر ما فيها”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة ” (البقرة 30). وطلب الله من الخليفة وذريته ان يتفكروا في الارض ومنها كيفية استثمار ثرواتها”وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الجاثية 13)، والكسب حسب جهد الانسان”كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة ” (المدثر 38). جاء في کتاب موسوعة عبد الله بن عبّاس للسيد محمد مهدي الخرسان: كانت مهمة الباحث المحايد. ولنسميه بالموضوعي النزيه. صعبة جداً، حيث عليه أن يكون حذراً ويقظاً، مستعملاً عقله وفطنته ليستشفّ ما وراء النص، ويتبيّن وجه الحق فيأخذ به، ويُصدر أحكامه على ضوئه، ولا ينساق وراء العواطف، ولا يخدع ببهرجة العناوين والألقاب. فالناس في الخلق سواسية كأسنان المشط، فمنهم المحسن ومنهم المسيء. ولكلٍ أجر ما أكتسب”قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ” (الانعام 164)، و”كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة ” (المدثر 38). ومن هنا تعالت صيحات إعادة كتابة التاريخ من جديد، ولا شك كان من بينها أصوات مخلصة وجادة في دعوتها إلى مراجعة التاريخ الإسلامي على ضوء الكتاب والسنّة، فلا يدان بريءٌ، ولا يُبرّأ مذنب، ولا يجامل الرجال على حساب الشرع. فلا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى”إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات 13) وهذا ما يستدعي رفع الحواجز بين الحاكم والمحكوم في تقويم الأعمال، كما يستدعي رسم الصورة لكل منهما دون تزويق أو تمزيق، وفوق مسار الشبهات التي تحجب العقل عن النظرة الموضوعية.

تعد الشخصية العراقية مزيجاً مركباً من التناقضات والعمق التاريخي، حيث تتسم بالاعتزاز العالي بالنفس، الكرم، الشجاعة، وتتأثر بالتقلبات السياسية والاجتماعية. وقد تباينت الدراسات السوسيولوجية والنفسية في تحليلها وتفكيك بنيتها، لعل أبرزها ما قدمه الباحثون في هذا المجال:1. نظرية “الازدواجية” لعلي الورديفي دراسته الشهيرة لطبيعة المجتمع العراقي، أشار عالم الاجتماع شخصية الفرد العراقي (كتاب) على ويكيبيديا إلى أن الشخصية العراقية تتسم بـ الازدواجية بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ويرجع ذلك للموقع الجغرافي للعراق، الذي يجمع بين أرض خصبة تصلح للاستقرار، وقرب شديد من الصحراء يجعلها عرضة للهجرات البدوية المستمرة. هذا التداخل جعل الفرد العراقي يحمل قيماً متناقضة تتجلى في سلوكه.2. العصبية والانتماءتبرز في الشخصية العراقية ظاهرة العصبية القبلية والروابط الأسرية الوثيقة، إضافة إلى الولاءات العميقة التي تتأثر بالبيئة المتنوعة والمتعددة الأطياف.3. أثر التحولات والصدماتيؤكد باحثون معاصرون (مثل الدكتور قاسم حسين صالح في أبحاثه (كتاب الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية على أبجد) الحروب المتتالية والأزمات الاقتصادية والسياسية أثرت في سمات هذه الشخصية، لتولد تفاعلات معقدة كالعنف، التحسس السريع، والمزاجية في بعض الأحيان، والتي تظهر وسط مجتمع يعيش في حالة توتر واضطراب مستمر.4. الإبداع والثقافة في المقابل، يتميز الفرد العراقي بنهم شديد نحو المعرفة، الفن، والأدب. ويُعرف العراقيون بكثرة الشعراء، الرسامين، والنحاتين الذين يمتلكون حضوراً متميزاً محلياً وعالمياً.

قال تعالى عن رهينة “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة ” ﴿المدثر 38﴾، و”وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” ﴿الطور 21﴾ رهين اسم، رهين: محتبس، رَهين: مَرْهونٌ عِـنـْد الله تعالى، بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ: محبوس بكسبه الباطل، والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم في الإيمان، وألحقنا بهم ذريتهم في منزلتهم في الجنة، وإن لم يبلغوا عمل آبائهم، لتَقَرَّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيُجْمَع بينهم على أحسن الأحوال، وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم. كل إنسان مرهون بعمله، لا يحمل ذنب غيره من الناس، و”وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ” ﴿البقرة 283﴾ فَرِهَانٌ: فَ حرف واقع في جواب الشرط، رِهَانٌ اسم، الرهن: حبسً الشيء مطلقاً، وما يوضع تأميناً للدَّين، وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه من دين، فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن، ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين، عليه أداؤه، وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه. فإن أنكر المدين ما عليه من دين، وكان هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يظهر شهادته، ومن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر. والله المُطَّلِع على السرائر، المحيط علمه بكل أموركم، سيحاسبكم على ذلك. وردت كلمة رهينة ومشتقاتها في القرآن الكريم: فَرِهَانٌ، رَهِينٌ، رَهِينَةٌ.جاء في معاني القرآن الكريم: رهن الرهن: ما يوضع وثيقة للدين، والرهان مثله، لكن يختص بما يوشع في الخطار (في اللسان: الخطر: الرهن بعينه. والخطر: السبق الذي يترامى عليه في التراهن، وأخطر المال: جعله خطرا بين المتراهنين)، وأصلهما مصدر، ويقال: رهنت الرهن وراهنته رهانا، فهو رهين ومرهون. ويقال في جمع الرهن: رهان ورهن ورهون، وقرئ: “فرهن مقبوضة ” (البقرة 283) (سورة البقرة: آية 283، وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو) و”فرهان” (وهي قراءة الباقين)، وقيل في قوله: “كل نفس بما كسبت رهينة ” (المدثر 38)، إنه فعيل بمعنى فاعل، أي: ثابتة مقيمة. وقيل: بمعنى مفعول، أي: كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله. ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان، قال: “بما كسبت رهينة ” (المدثر 38)، وأرهنت فلانا، ورهنت عنده وارتهنت: أخذت الرهن، وأرهنت في السلعة، قيل: غاليت بها، وحقيقة ذلك: أن يدفع سلعة تقدمة في ثمنه، فتجعلها رهينة لإتمام ثمنها. وعن تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (رهن)”كل امرئ بما كسب رهين” (الطور 21) أي محبوس بعمله. (بسل)”أبسلوا بما كسبوا” (الانعام 70) أي ارتهنوا واسلموا للهلكة، يقال: أبسل ولده إذا رهنه، والمبتسل: الواقع في مكروه لا مخلص له منه فيستسلم موقنا بالهلكة، و”تبسل نفس” (الانعام 70) ترتهن وتسلم للهلكة.

جاء في موقع الأمة العراقية عن دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ملامح الشخصية العراقية يستوحيها علي الوردي للكاتب صلاح عبد الرزاق: آثار النزعة الجدلية في الوضع المعاصر: وبقيت النزعة الجدلية قوية حتى اليوم، إلا أنها لم تقتصر على القضايا الدينية بل أخذت تدور حول مواضيع أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية. وللنزعة الجدلية جانب إيجابي حيث أنها تجعل الشعب أكثر ميلاً للإطلاع والقراءة وأوسع أفقاً من الناحية الذهنية، ولكنها تحمل جانباً سلبياً هو أنها تجعله مشتت الأهواء والآراء، لا يستقر على مبدأ واحد مدة طويلة، ولا يعجب بزعيم أو يلتف حوله ويستمر على تأييده. إن النزعة الجدلية تجعل الناس مثاليين في تفكيرهم أكثر مما ينبغي، فإذا انتشر بينهم رأي أو ظهر زعيم، فلابد أن يجدوا فيه نقصاً على وجه من الوجوه. فهم يتحمسون له في البداية، ثم تقل حماستهم له شيئاً فشيئاً، إذ أنهم يستخدمون تجاهه أقيستهم المنطقية ومثلهم العليا، فيرونه أقل مما تصوروه في بادئ الأمر. وعند هذا يبدأون بالنفرة منه وبالإنفضاض من حوله. من عيوب النزعة الجدلية أنها تعلّم الفرد أن يطلب من غيره أعمالاً لا يستطيع هو أن يحققها بنفسه. فهو يريد من غيره أن يكون مثالياً في أعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي، ونراه عندئذٍ شديد النقد، سليط اللسان، يفترض في من ينتقدهم أن يكونوا معصومين من الخطأ. فإذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخّمها بأدلته العقلية. أما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها، وقد يأتي بالأدلة ليبرهن على أنه لم يفعل سوى الصواب. إن الفرد الجدلي يطالب بالحقوق أكثر مما يقوم بالواجبات، وأدلته وانتقاداته جاهزة في كل الأحوال. فإذا تقاعس عن القيام بواجباته كما تقاعس غيره، وضع اللوم على غيره وبرّأ نفسه منه. فهو قادر على أن يبرهن أنه قام بواجباته خير قيام، وأن السبب في الآخرين. ومن الجدير بالذكر القول أنه ليس جميع العراقيين على درجة واحدة في هذا الإزدواج. فالبعض منهم قد انهروا في الثقافة الحديثة انصهاراً جعل ظاهرهم وباطنهم متقاربين. كما أن ظاهرة التدين قد هذبت قسماً كبيراً من حالة الإزدواج رغم أنها لم تختف بعد في أوساط المتدينين والمتمسكين بأهداب الدين. وغالباً ما تكون مرحلة الطفولة هي التي تكسب الفرد شخصيته، حيث تبقى الأسرة والوضع الإجتماعي والمستوى المعيشي وطبيعة العلاقات داخل الأسرة والمستوى التعليمي ذات تأثير على بناء شخصية الرجل أو المرأة. إن المشكلة في أولئك الذين كانوا في طفولتهم أشقياء أو محرومين أو لم ينالوا قسطاً من الحنان والتربية السليمة، ثم يصيرون رجالاً، ويحصلون على الشهادات العالية أو يتسنمون مراكز النفوذ والسلطة. فهؤلاء المزدوجين يبقون يرددون المبادئ والقيم العليا أمام الناس، بينما هم في سلوكهم الواقعي لا يختلفون عن غيرهم، ولعلهم أكثر انحرافاً عن المبادئ التي ينادون بها. إن المبادئ الحديثة التي جاءت إلى العراق طارئة، إذ أنها لم تنبعث من طبيعة ثقافته الإجتماعية الأصيلة. فبقيت على شكل محفوظات وأناشيد وهتافات وشعارات. والفرد يتعلمها في المدارس، ويقرأها في الصحف والمجلات والكتب، ويسمعها في الإذاعة والتلفزيون، وتلقى عليه في المظاهرات والإحتفالات. فتبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والإنتقاد فقط. ومن الصعب أن تتغلغل بتأثيرها في النفوس. فالفرد قد يجادلك على أساسها، إنما هو لا يستطيع أن يغير سلوكه بها إلا في نطاق محدود جداً.

جاء في تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي:قوله تعالى “كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة ” (المدثر 38) الباء بمعنى مع أو للسببية أو للمقابلة و”رَهِينَة ” بمعنى الرهن على ما ذكره الزمخشري قال في الكشاف: رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله: “كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور 21) لتأنيث النفس لأنه لو قصدت لقيل: رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن. انتهى. وكان العناية في عد كل نفس رهينة أن لله عليها حق العبودية بالإيمان والعمل الصالح فهي رهينة محفوظة محبوسة عند الله حتى توفي دينه وتؤدي حقه تعالى فإن آمنت وصلحت فكت وأطلقت، وإن كفرت وأجرمت وماتت على ذلك كانت رهينة محبوسة دائما، وهذا غير كونها رهين عملها ملازمة لما اكتسبت من خير وشر كما تقدم في قوله تعالى “كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور 21). والآية في مقام بيان وجه التعميم المستفاد من قوله”نَذِيراً لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر” (المدثر 37) فإن كون النفس الإنسانية رهينة بما كسبت يوجب على كل نفس أن تتقي النار التي ستحبس فيها إن أجرمت ولم تتبع الحق. قوله تعالى “إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ” (المدثر 38) هم الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يوم الحساب وهم أصحاب العقائد الحقة والأعمال الصالحة من متوسطي المؤمنين، وقد تكرر ذكرهم وتسميتهم بأصحاب اليمين في مواضع من كلامه تعالى، وعلى هذا فالاستثناء متصل. والمتحصل من مجموع المستثنى منه والمستثنى انقسام النفوس ذوات الكسب إلى نفوس رهينة بما كسبت وهي نفوس المجرمين، ونفوس مفكوكة من الرهن مطلقة وهي نفوس أصحاب اليمين. وقوله”كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور 21) تعليل لقوله”وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ” (الطور 21) على ما يفيده السياق، والرهن والرهين والمرهون ما يوضع وثيقة للدين على ما ذكره الراغب قال: ولما كان الرهن يتصور منه حبسه أستعير ذلك لحبس أي شيء كان. انتهى. ولعل هذا المعنى الاستعاري هو المراد في الآية والمرء رهن مقبوض ومحفوظ عند الله سبحانه بما كسبه من خير أو شر حتى يوفيه جزاء ما عمله من ثواب أو عقاب فلو نقص شيئا من عمله ولم يوفه ذلك لم يكن رهين ما كسب بل رهين بعض ما عمل وامتلك بعضه الآخر غيره كذريته الملحقين به. وأما قوله تعالى “كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ” (المدثر 38-39)، فالمراد كونها رهينة العذاب يوم القيامة كما يشهد به سياق ما بعده من قوله”فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ” (المدثر 41). وقيل: المراد كون المرء رهين عمله السيئ كما تدل عليه آية سورة المدثر المذكورة آنفا بشهادة استثناء أصحاب اليمين، والآية أعني قوله”كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور 21) جملة معترضة من صفات أهل النار اعترضت في صفات أهل الجنة.