كيف نستثمر أيام المحرّم (( دليل المكلّف الواعي))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الأربعاء، 24 حزيران 2026

​يطلّ علينا شهر محرم الحرام في كل عام، لا بوصفه مجرد فاصل زمني في التقويم الهجري، بل كظاهرة إنسانية وروحية عابرة للحدود والأزمان، حيث تتحول الأيام العشرة الأولى إلى مختبر حقيقي لإعادة بناء الذات وتصحيح المسارات.
إن استثمار هذه الأيام لا يكمن في الاكتفاء بالمشاركة العاطفية في طقوس الحزن فحسب بل في تحويل هذا الحزن إلى طاقة دافعة نحو الوعي والبصيرة ليكون المكلّف حاضراً في مشروعه الإصلاحي بقلبه وعقله معاً.
​تبدأ رحلة استثمار المحرّم من فهم طبيعة ((التكليف)) في هذا الشهر، فهو ليس تكليفاً جامداً يقتصر على الصلاة والصيام، بل هو تكليفٌ مرتبطٌ بالنهضة الحسينية كمنظومة قيمية متكاملة. لذا فإن أول خطوات الاستثمار الواعي تكمن في (توطين النفس على الفكر) أي أن يجعل المكلّف من مجالس العزاء فرصةً لاستحضار العقل وتفكيك المفاهيم التي جاءت من أجلها هذه الثورة، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى تعزيز قيم العزة والكرامة والصدق.
إن حضور المجلس يجب أن يتبعه تأملٌ في السيرة، فالمكلف الواعي هو الذي يخرج من أجواء الحزن وهو أكثر حرصاً على تطبيق الأمانة، وأكثر صرامةً في محاسبة النفس على تقصيرها.
​وتتسع دائرة الاستثمار لتشمل (الممارسة السلوكية) حيث ينبغي أن تنعكس الروح الحسينية على التعاملات اليومية للمكلّف. فإذا كان الحسين (عليه السلام) قد جسّد قمة الإيثار والتضحية، فإن وظيفة المكلّف في هذه الأيام هي مراجعة علاقاته الاجتماعية ونبذ الخصومات، والتقرب إلى الله من خلال خدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس.
إن استثمار ايام شهر محرم يقتضي أن تتحول المجالس من مجرد طقوسٍ نؤديها، إلى (بيئة تربوية) نصحح فيها أخلاقنا، فنكفّ ألسنتنا عن الغيبة، ونطهر قلوبنا من الحقد، ونلتزم بالعدل في أخصّ خصوصياتنا.
​أما الجانب الأعمق في هذا الاستثمار، فهو الارتباط الوجداني الذي يُولد (البصيرة) . ففي خضم الضجيج الإعلامي والمغريات التي تحيط بالمكلّف في عصرنا الحالي، تأتي أيام المحرّم لتكون محطةً للاختلاء بالذات ومراجعة (الموقف) .
إن سؤال المكلّف لنفسه (ماذا لو كنت في كربلاء اليوم) ؟
هو سؤالٌ تحليليّ بامتياز، لأنه ينقل المعركة من التاريخ إلى الحاضر حيث تُخاض اليوم معارك الفكر، والأخلاق، والهوية.
الاستثمار الواعي هنا يعني أن أكون مكلّفاً منتجاً، صاحب كلمة حق في وجه الباطل، لا يقبل بالدنية في دينه ولا يتنازل عن مبادئه تحت الضغوط.
​إننا ندعو إلى تجاوز النظرة القشرية للحدث، والانتقال إلى مرحلة (الوعي الاستراتيجي) في التعامل مع المحرّم. الاستثمار لا يتوقف بانتهاء عاشوراء، بل هو مشروعٌ يمتد لعام كامل؛ فالمكلّف الناجح هو الذي يخرج من محرم وقد حدد جدولاً زمنياً لأهدافه الروحية والاجتماعية، وقد رسخ في قلبه حب الخير والنزوع نحو الكمال. إن استثمارنا الحقيقي يظهر في ثباتنا على الطريق، وفي قدرتنا على تحويل الدمعة إلى موقف، والموقف إلى سيرة حياة، لنثبت أننا لا نكتفي بذكر الحسين، بل نتبع نهجه في كل حركة وسكنة.
​في الختام، يظلّ شهر المحرّم هو المرآة التي نرى فيها حقيقتنا، فإن أردنا حقاً أن نستثمره، فعلينا أن نجعل من كل يوم فيه خطوةً نحو الله، وخطوةً نحو الإنسان، وخطوةً نحو بناء مجتمعٍ يتحلى بتلك القيم الشريفة التي استشهد من أجلها سيد الشهداء. إنه دعوةٌ مستمرة لكي نكون بمستوى التكليف، نعيش القضية لا كحكايةٍ تقرأ، بل كرسالةٍ تُحمل وتُؤدى بأمانة.