من كربلاء إلى غزة هيهات منا الذلة

زهراء العرجلي

في السنة الـ60 للهجرة، وبعد أن عاش معاوية بن أبي سفيان حياةً قائمةً على الظلم والطغيان والفساد، وعودةٍ إلى جاهلية هي أشر من الجاهلية الأولى، اختتمها بتنصيب ابنه السكير “ملاعب القردة والخنازير” وبائع الدين، ليتولى رقاب هذه الأمة. وبعد أن هلك الطاغية معاوية، اعتلى يزيد الخلافة وتسمى بـ”أمير المؤمنين”، وأمر بأخذ البيعة له، وشدد على أن تؤخذ من الإمام الحسين (عليه السلام). لكن الإمام الحسين قال:
“إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحرمة، ومثلي لا يبايع مثله!”

وبعدها ثار الحسين على الظالم نُصرةً للمظلوم، لم يخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرج لإصلاح أمة جدّه محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، واستجابةً لأهل العراق الذين بايعوه، لكنهم سرعان ما نكثوا البيعة وتركوا ابن عمه في الكوفة وحيداً يواجه الطاغوت.

حطّ الحسين رحاله على أرض كربلاء واستعد للمواجهة، وقد خُيّر بين اثنتين: بين السلة والذلة، فقال: “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجورٌ طابت، وأرحامٌ طهرت، ونفوسٌ أبيّةٌ، وأنوفٌ حَمِيَّةٌ، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”. حُسم قرار المواجهة.

والناس بين أمرين: إما مع ابن بنت رسول رب العالمين وسيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين، وإما مع يزيد المجرم الفاسق المستبيح لحرمة المقدسات. لكن الطمع والجشع سيطر عليهم وأعمى قلوبهم، فأشهروا سيوفهم على ابن بنت نبيّهم، فخسروا دنياهم وآخرتهم.

لم أنسه إذ قام فيهم خاطباً
وإذا همُ لا يملكون خطاباً
يدعو: ألست انا ابن بنت نبيكم
وملاذكم إن صرفُ دهرٍ نابا
هل جئتُ في دين النبي ببدعةٍ
أم كنتُ في أحكامه مرتابا
أم لم يُوصِ بنا النبيُّ وأودع
الثقلين فيكم عترةً وكتابا
إن لم تدينوا بالمعاد فراجعوا
أحسابكم إن كنتم أعرابا
فغدوا حيارى لا يرون لوعظه
إلا الأسنة والسهام جوابا

حُوصر الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، ومُنع عنهم الماء. وجيش الطاغية يزيد كالذئاب المفترسة، بل هم أوحش، حتى الطفل الرضيع لم تسلمه سهامهم؛ فها هو حرملة اللعين يرمي بسهمه القاتل نحو رضيع لا حول له ولا قوة، إلا ان جاءوا به يطلبون له الماء.

ومع ذلك، سطّر الحسين وأهل بيته وأصحابه أروع البطولات والتضحيات، فدوه بأرواحهم. وبعد استشهادهم بقي الحسين على أرض المعركة وحيداً يجابه الطاغوت حتى الرمق الأخير، واستشهد وهو يحامي عن أمة خانته وغدرت به وأشهرت سيوفها في وجهه.

فكان جواد الإمام يصهل صهيلاً عالياً ويقول: “الظليمة الظليمة!” من أمة قتلت ابن بنت نبيها”،
أما زينب، فرغم عظم المصيبة ووجع الفقد وقهر السبي، كانت تقول: “اللهم إن كان هذا يرضيك، فخذ حتى ترضى.. ما رأيت إلا جميلاً”.
وها هي اليوم تعود كربلاء من جديد، فكم ظُلِمَ شعبنا العزيز، وحُوصِرَ وجُوِّعَ، وقُتِلَ أطفاله وكهله! كيف أُبيد قطاع غزة على مرأى ومسمع العالم، وما من ناصر ينصرهم، ولو بشربة ماء أو رغيف خبز؟ وكم قُتِلَ من الأطفال ظلماً وعدواناً في لبنان وإيران، لكن العرب والمسلمين بقوا في سكراتهم يعمهون. وكم ارتقى لنا من شهداء قادة، حين فرَّطنا وتخاذلنا وتقاعسنا!

الآن، هل سيكفي البكاء والعويل لتحريرنا من كل هذا الذل والهوان الذي تعيشه هذه الأمة؟ هل أراد لنا الحسين أن نبكي عليه وننوح في كل محرم، ثم نقعد في البيوت؟ هل ستعيد الدموع المشردين في غزة إلى بيوتهم؟ هل ستطعم الجوعى، أم ستحرر الأسرى؟ كلا والله.

فليس هناك نصر بغير تضحية، ولا عزّة بدون مجابهة للطاغوت.
وما انتماؤنا للحسين إلا تجسيدٌ لمبادئه وقيمه وانطلاقته. وكما وقف في وجه يزيد وحيداً، سنقف نحن في وجه الطاغوت الأكبر (أمريكا وإسرائيل) حتى نلقى الله على دين الحسين.