الفساد منظومة لا أفراد… والحيتان أكبر من أن تُصاد صدفة…
علي قاسم الكعبي….
في كل يوم تعجّ وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بأخبار الفساد، حتى أصبحت هذه الكلمة المعيبة مألوفة للآذان، ولم تعد تثير الصدمة أو الاستغراب كما في السابق. فقد اعتدنا سماعها مئات، بل آلاف المرات، في أحاديث المقاهي والدوائر الحكومية والمساجد، وحتى داخل البيوت وبين أفراد العائلة. وهكذا تحوّل الفساد من ظاهرة تستوجب الوقوف عندها ومحاسبة مرتكبيها إلى أمر اعتيادي في الحياة اليومية، بل إن بعض الفاسدين باتوا يُقدَّمون على أنهم شخصيات نافذة ومحبوبة تستحق التقرب منها.
قبل أيام، ظهر وزير الاتصالات الجديد مصطفى سند في لقاء صحفي أثار الكثير من الجدل، متحدثاً عن قضية اعتقال وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي. وقد وصفه بـ”حوت النفط”، مشيراً إلى أنه كان يشغل منصب وكيل وزير النفط لشؤون التصفية، ويُعد من أبرز الممولين للأحزاب السياسية. كما أوضح أنه كان يتمتع بنفوذ واسع وعلاقات متينة مع أطراف مؤثرة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكان نشاطه معروفاً على نطاق واسع.ومن المفارقة ان حادثة الفساد المالي للجميلي رافقتها حالة فساد لا اخلاقية لمدير عام شركة المشاريع النفطية المهندس”اياد الجوهر ” و مديرة القسم المالي في هيئة مشاريع الشمال -كركوك “لينا رعد محسن” .عبر نسريب فديو خادش للحياء برغم نفي الدائرة الا ان الحكومة فتحت تحقيقا بالحادثة وفي العودة للجمبلي هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت طبيعة نفوذ هذا الشخص وحجم تأثيره معروفة للجميع، فلماذا فُتح ملفه الآن تحديداً؟ ولماذا لم يُحاسب في وقت سابق؟ إن مثل هذه التساؤلات تفتح الباب أمام الشكوك حول طبيعة الصراعات السياسية وخلفيات تحريك بعض الملفات في أوقات معينة دون غيرها.وفي عالم السياسة ليس كل “مايَعرف يقال”
إن الفساد ليس حالة فردية يمكن القضاء عليها بمجرد إلقاء القبض على متهم أو إصدار حكم بحق مسؤول، بل هو منظومة متكاملة ومتجذرة في بنية النظام الإداري والسياسي. فجميع عمليات الفساد الكبرى لم تكن أعمالاً عشوائية، بل كانت تتم وفق آليات منظمة وشبكات مصالح مترابطة.
لقد سمعنا كثيراً عن عمليات بيع وشراء المناصب بعد كل انتخابات، وعن توزيع الحصص بين القوى السياسية وفق مبدأ المحاصصة. وإذا كان المسؤول قد وصل إلى منصبه عبر صفقات سياسية أو مالية، فمن الطبيعي أن يسعى إلى استرداد ما دفعه وتحقيق المزيد من المكاسب، وأن يحيط نفسه بشبكة من المنتفعين الذين يرتبط بقاؤهم ببقائه.
إن التقسيم الطائفي والعرقي للمناصب الحكومية يمثل أحد أكبر أبواب الفساد، لأن الولاء في هذه الحالة يكون للحزب أو الكتلة السياسية قبل أن يكون للدولة ومؤسساتها. ولذلك فإن أي حكومة تُفرض عليها شروط المحاصصة في اختيار مسؤوليها ستكون نسخة مكررة من التجارب السابقة التي كشفت الأيام حجم إخفاقها وفسادها.
كان الأجدر أن تُمنح السلطة التنفيذية الحرية الكاملة في اختيار فريقها الوزاري وفق الكفاءة والبرنامج الحكومي المعلن، بعيداً عن الضغوط والاشتراطات الحزبية. فهذه الاشتراطات لا تؤدي فقط إلى إجهاض المشاريع الإصلاحية، بل تساهم أيضاً في شرعنة الفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين من الزمن، وعند مراجعة الموازنات الضخمة التي أُنفقت، نجد أن ما وصل إلى المواطن من خدمات وتنمية لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الأموال التي دخلت خزينة الدولة. فما زالت قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية تعاني من أزمات مزمنة، فيما يعيش ملايين المواطنين أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة.
وفي المقابل، تتمتع الطبقة السياسية بمستويات عالية من الرفاهية والبذخ، وكأن أموال الدولة ومواردها خُلقت لخدمة مصالحها الخاصة. ومع مرور الوقت، بدا أن كثيراً من أصحاب السلطة لم يعودوا يكترثون لمطالب الشعب ومعاناته اليومية، رغم أن هذا الشعب هو من يدفع ثمن الفساد وسوء الإدارة وتراكم الأزمات.
إن مكافحة الفساد لا تبدأ بملاحقة الأفراد فحسب، بل بإصلاح المنظومة التي تنتجه وتحميه وتعيد إنتاجه. فطالما بقيت المحاصصة السياسية هي القاعkدة الحاكمة، سيظل الفساد يتجدد بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر