الامة العراقية : إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (19)
رياض سعد
من أكثر الاعتراضات التي تُوجَّه إلى مشروع الأمة العراقية شيوعاً القول إن العراقيين المعاصرين لا تربطهم علاقة حقيقية بالشعوب التي سكنت بلاد الرافدين في الأزمنة القديمة، وإن الحديث عن امتداد تاريخي بين سكان العراق الحاليين وأسلافهم الحضاريين ليس سوى نوع من الرومانسية التاريخية أو الشعبوية السياسية التي تفتقر إلى الأساس العلمي.
ويبدو هذا الاعتراض، للوهلة الأولى، وجيهاً إلى حد ما، لكنه يصبح أقل قوة عند إخضاعه للفحص التاريخي والأنثروبولوجي الدقيق.
فصحيح أن هناك حالات تاريخية شهدت انقطاعاً سكانياً أو حضارياً واسعاً بين الماضي والحاضر، كما حدث في أجزاء من العالم الجديد بعد الهجرات الأوروبية الكبرى إلى الأمريكيتين وأستراليا، حيث حلت جماعات مهاجرة محل السكان الأصليين أو أصبحت هي المكون الغالب عددياً وثقافياً، إلا أن هذه الحالة لا تنطبق بالضرورة على جميع المجتمعات البشرية، ولا سيما المجتمعات ذات الاستمرارية الحضارية الطويلة.
إن بلاد الرافدين تمثل نموذجاً مختلفاً إلى حد كبير.
فالعراق لم يكن مجرد مسرح لتتابع شعوب متعاقبة منفصلة عن بعضها البعض، بل كان فضاءً حضارياً واحداً شهد عمليات تفاعل واندماج وتراكم ثقافي متواصلة عبر آلاف السنين.
فمنذ حضارات سومر وعيلام وأكد وبابل وآشور، مروراً بالعصور الهلنستية والفرثية والساسانية، ثم العصور الإسلامية المتعاقبة، ظلت أرض العراق تحتفظ بدرجة ملحوظة من الاستمرارية السكانية والثقافية والجغرافية.
وقد تغيرت اللغات والأديان والأشكال السياسية عبر الزمن، لكن ذلك لا يعني اختفاء المجتمعات السابقة أو انقطاعها الكامل عن المجتمعات اللاحقة.. , فالهوية التاريخية للأمم لا تقوم على نقاء عرقي متخيل، وإنما على عملية تراكم طويلة من التفاعل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي داخل فضاء جغرافي مشترك.
ولهذا نجد أن معظم الأمم الكبرى في العالم تنظر إلى تاريخها باعتباره سلسلة متصلة من التحولات لا مجموعة جزر منفصلة عن بعضها.. , فالمصري المعاصر لا يدعي أنه فرعوني بالمعنى البيولوجي المباشر، لكنه يرى نفسه امتداداً للحضارة المصرية.. , وكذلك الحال بالنسبة للصينيين والإيرانيين واليونانيين وسائر الأمم ذات الجذور التاريخية العميقة.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الأمة العراقية لا يعني الادعاء بوجود نقاء عرقي أو استمرارية بيولوجية مطلقة بين جميع العراقيين الحاليين وأسلافهم القدماء، بل يعني الاعتراف بوجود استمرارية حضارية وثقافية وتاريخية تشكلت على أرض الرافدين عبر آلاف السنين.
إن الأمة، وفقاً لما يذهب إليه عدد من منظري القومية والهوية مثل أنطوني سميث، ليست مجرد جماعة بيولوجية، بل هي مجتمع تاريخي يتشارك الذاكرة والرموز والأساطير المؤسسة والموروث الثقافي والمجال الجغرافي المشترك.. , ومن هنا تصبح الذاكرة الحضارية عنصراً أساسياً في تكوين الهوية الوطنية.
ولعل ما يميز الحالة العراقية أن موجات الهجرة والغزو التي مرت بالبلاد لم تستطع إلغاء الشخصية الحضارية الرافدينية أو محو خصائصها الثقافية الأساسية.. , فكما استطاعت الحضارة العراقية القديمة استيعاب المؤثرات القادمة من الشرق والغرب، استطاع المجتمع العراقي لاحقاً إعادة إنتاج تلك المؤثرات ضمن سياقه المحلي الخاص.
وهذه الظاهرة ليست حكراً على العراق وحده، بل نجد ما يشبهها في إيران والصين والهند وغيرها من المراكز الحضارية الكبرى التي امتلكت قدرة استثنائية على امتصاص العناصر الوافدة وإعادة تشكيلها وفق بنيتها الثقافية الخاصة.
ومن هنا فإن الانتماء إلى الأمة العراقية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتماءً عرقياً مغلقاً، بل بوصفه انتماءً حضارياً وثقافياً وتاريخيا ووطنياً مفتوحاً.. , فكل جماعة أو فرد يندمج في المجال الوطني العراقي، ويحترم ذاكرته التاريخية، ويتبنى مصالحه العليا، ويسهم في مستقبله المشترك، يصبح جزءاً من الأمة العراقية بغض النظر عن أصوله البعيدة.
غير أن هذا الاندماج يفترض، في المقابل، الاعتراف بالهوية الوطنية العراقية بوصفها الإطار الجامع الذي يعلو على الهويات الفرعية جميعاً.. , فالتنوع القومي والديني والمذهبي لا يمثل تهديداً بحد ذاته، وإنما يصبح كذلك عندما يتحول إلى مشروع منافس للهوية الوطنية أو إلى أداة لإضعاف الدولة وتفكيك المجتمع.
ولهذا السبب تواجه المجتمعات الحديثة تحدياً دائماً يتمثل في تحقيق التوازن بين الخصوصيات المحلية الفرعية والانتماء الوطني العام.. , فالدول المستقرة لا تلغي التعدد، لكنها تمنع تحوله إلى مشروع انفصال ثقافي أو سياسي أو جغرافي.
وفي الحالة العراقية يزداد هذا التحدي أهمية في ظل العولمة والفضاءات الإعلامية المفتوحة والتدخلات الإقليمية المتواصلة وصعود الهويات العابرة للحدود.. ؛ إذ أصبح الحفاظ على الشخصية الوطنية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وأصبحت الحاجة إلى مشروع وطني جامع أكثر إلحاحاً من أي مرحلة سابقة.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع الأمة العراقية بوصفه محاولة لإعادة وصل العراقيين بتاريخهم العميق، وتعزيز شعورهم بالانتماء إلى فضاء حضاري مشترك، وترسيخ الثقة بالذات الوطنية بعيداً عن أوهام القطيعة التاريخية أو التبعية الثقافية أو الذوبان في المشاريع الخارجية.
إن الدفاع عن الهوية العراقية لا يعني الانغلاق على الذات، كما لا يعني رفض التفاعل مع الحضارات الأخرى.. , فالأمم القوية هي التي تنفتح على العالم من موقع الثقة لا من موقع الذوبان، وتستفيد من تجارب الآخرين من دون أن تفقد خصوصيتها.
ولهذا فإن مستقبل العراق لا يتوقف على قدرته في استعادة ماضيه فحسب، بل على قدرته في تحويل ذلك الماضي إلى مصدر إلهام لبناء مشروع وطني حديث، يجمع بين الأصالة والتجدد، وبين الذاكرة التاريخية ومتطلبات الدولة المعاصرة.
فالأمة العراقية ليست بقايا الماضي، بل إمكانية المستقبل.. , وكلما ازداد وعي العراقيين بجذورهم الحضارية المشتركة، ازدادت قدرتهم على بناء دولة أكثر استقراراً وتماسكاً وثقة بذاتها في عالم سريع التحول.