الامة العراقية : إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (18)
رياض سعد
إذا كانت الأمم تُبنى على الذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والمصير المشترك، فإن أخطر ما يهدد وجودها ليس الغزو الخارجي بحد ذاته، وإنما انهيار الإيمان الداخلي بها.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من المأساة العراقية الحديثة.
فالعراق لم يكن يعاني فقط من الاحتلالات الأجنبية أو التدخلات الإقليمية، بل عانى أيضاً من صراع طويل حول تعريف ذاته وهويته وحدود انتمائه.. , وقد أنتج هذا الصراع انقسامات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
إن دراسة تاريخ العراق الحديث تكشف أن واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت مشروع بناء الدولة تمثلت في ظهور نخب سياسية وثقافية لم تنظر إلى العراق بوصفه الغاية النهائية للانتماء، وإنما بوصفه جزءاً من مشاريع أكبر تتجاوز حدوده الوطنية.
فبعض هذه النخب ربط مصير العراق بالمشروعات القومية العابرة للحدود، وبعضها ربطه بالمشروعات الدينية أو المذهبية أو الإقليمية، بينما ظل المشروع الوطني العراقي عاجزاً عن التحول إلى مرجعية جامعة لجميع العراقيين.
ومن هنا برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ«ازدواجية الولاء السياسي»، وهي الحالة التي يصبح فيها الانتماء للوطن أقل حضوراً من الانتماء إلى مراكز وقوى ورؤى تقع خارجه.
لقد عرفت معظم دول العالم تعدداً دينياً وقومياً ومذهبياً، لكن نجاحها أو فشلها ارتبط بقدرتها على تحويل هذا التنوع إلى إطار وطني جامع.. , أما عندما يتحول التنوع إلى هويات متصارعة تتنافس على تعريف الدولة نفسها، فإن النتيجة تكون حالة مزمنة من عدم الاستقرار.
وفي العراق، أدى غياب السردية الوطنية الجامعة إلى تصاعد الاحتقانات الطائفية والقومية بصورة متكررة.. , فبدلاً من النظر إلى الشيعة والسنة والكرد والتركمان والمسيحيين والصابئة والإيزيديين بوصفهم مكونات تاريخية متشاركة في بناء العراق، جرى التعامل مع هذه المكونات في كثير من الأحيان بوصفها معسكرات سياسية متقابلة.
ولعل من أبرز تجليات هذه الأزمة ما تعرضت له الأغلبية الشيعية العراقية عبر مراحل طويلة من التهميش السياسي والثقافي.. , فالكثير من النظم الهجينة والتيارات المنكوسة التي حكمت العراق لم تنظر إلى هذه الأغلبية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات البلاد بل ممثلا رئيسيا عن الهوية الوطنية ، بل تعاملت معها أحياناً بمنطق الشك أو الريبة أو الاتهام، الأمر الذي عمّق الانقسام الوطني وأضعف فرص بناء دولة المواطنة.
وقد أسهمت بعض الاتجاهات الطائفية المتشددة في الوسط السني، كما أسهمت اتجاهات متشددة مقابلة في أوساط أخرى، في تكريس هذا الانقسام وإعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل.. ؛ وهكذا تحولت الهوية المذهبية لدى بعض القوى إلى أداة تعبئة سياسية تتقدم على الهوية الوطنية العراقية.
وفي الوقت نفسه، واجه العراق تحدياً آخر تمثل في تصاعد النزعات الانفصالية داخل بعض الأوساط الكردية التي نظرت إلى العراق باعتباره إطاراً مؤقتاً لا وطناً نهائياً.. , وقد أدى هذا التوجه إلى تعميق الشكوك المتبادلة بين المركز والأطراف، وفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية استثمرت المسألة الكردية لخدمة مصالحها الاستراتيجية.
إن المشكلة الأساسية هنا لا تكمن في التعدد القومي أو المذهبي بحد ذاته، فالتعدد حقيقة تاريخية في العراق منذ آلاف السنين، وإنما تكمن في تحويل الانتماءات الفرعية إلى بدائل عن الانتماء الوطني الجامع.
فحين يصبح المذهب وطناً، أو القومية وطناً، أو الجوار الإقليمي وطناً، يفقد العراق موقعه بوصفه الإطار الأعلى الذي يجمع الجميع.
ومن منظور أنثروبولوجي، فإن الجماعات التي لا تمتلك شعوراً مستقراً بالانتماء إلى الدولة الوطنية غالباً ما تبحث عن مرجعيات بديلة تمنحها الإحساس بالأمان والهوية.. , ولذلك شهد العراق خلال القرن العشرين صعود أشكال متعددة من الولاءات العابرة للحدود، سواء كانت قومية أو دينية أو مذهبية أو إقليمية.
وقد ترتب على ذلك أن تحولت ثروات البلاد وإمكاناتها البشرية في كثير من الأحيان إلى أدوات لخدمة صراعات لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الوطنية العراقية.
إن مراجعة التاريخ السياسي العراقي تكشف أن الصراع الحقيقي لم يكن بين الشيعة والسنة أو بين العرب والكرد فحسب، بل كان في جوهره صراعاً بين مشروعين متناقضين:
الأول: مشروع يرى العراق وطناً نهائياً وهويةً عليا ومجالاً مشتركاً لجميع أبنائه.
والثاني: مشروع يرى العراق مجرد محطة داخل فضاءات أوسع، ويمنح الأولوية لانتماءات تتجاوز حدوده الوطنية.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الأمة العراقية.
فالأمة العراقية، وفق هذا التصور، ليست مشروعاً مذهبياً ولا قومياً ولا عرقياً، بل إطار حضاري وتاريخي يضم جميع الجماعات التي تشكلت على أرض الرافدين وأسهمت في صناعة تاريخها.. , وهي ليست دعوة لإلغاء الخصوصيات القومية أو الدينية، وإنما محاولة لإيجاد مظلة وطنية عليا تتعايش داخلها تلك الخصوصيات من دون أن تتحول إلى مشاريع متصارعة.
إن الأمة العراقية ليست نقيضاً للعروبة ولا للإسلام ولا للكردية ولا لأي انتماء ثقافي آخر، بل هي الإطار الذي يمنع هذه الانتماءات من التحول إلى أدوات تفكيك للدولة والمجتمع.
ولهذا فإن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى على الغلبة الطائفية، ولا على النزعات الانفصالية، ولا على الارتهان للخارج، وإنما على تأسيس عقد وطني جديد يعترف بجميع المكونات ويجعل الانتماء للعراق فوق كل انتماء آخر.
فحين يدرك الشيعي أن أمنه مرتبط بأمن أخيه السني، ويدرك السني أن ازدهاره لا ينفصل عن ازدهار الشيعي، ويدرك الكردي أن قوة العراق هي الضمانة الحقيقية لاستقرار الجميع، عندها فقط يمكن أن تتحول الأمة العراقية من فكرة تاريخية إلى مشروع سياسي واجتماعي قادر على إنقاذ الدولة وإعادة بناء الوعي الوطني.
إن معركة العراق في جوهرها ليست معركة حدود، بل معركة هوية.. , ومن يحسم سؤال الهوية يحسم، في النهاية، مصير الدولة نفسها.