ازدواجية السلاح والولاءات الموازية للدولة: عندما تصبح الدولة رهينة القوى المسلحة

ازدواجية السلاح والولاءات الموازية للدولة: عندما تصبح الدولة رهينة القوى المسلحة

دراسة في الاجتماع السياسي وقضايا الدولة والهوية الوطنية

بقلم الباحث: د. رياض الدليمي

تمهيد

من المسلمات الأساسية في علم الدولة الحديث أن السلطة الشرعية تحتكر استخدام القوة والسلاح عبر مؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية. فالدولة لا تُعرّف فقط بحدودها الجغرافية أو مؤسساتها السياسية، بل بقدرتها على فرض القانون بشكل متساوٍ على الجميع، ومنع ظهور مراكز قوة موازية تنافسها في القرار الأمني أو العسكري.

لكن عندما تظهر جماعات مسلحة تمتلك السلاح والتنظيم والتمويل والولاء الخاص، تبدأ الدولة بالدخول في مرحلة خطيرة تُعرف بـ ازدواجية السلاح أو ازدواجية السلطة، حيث يصبح القرار الوطني موزعاً بين مؤسسات الدولة الرسمية وبين قوى أخرى تمتلك القدرة على فرض إرادتها خارج الأطر الدستورية.

وهذه الظاهرة ليست نظرية مجردة، بل شهدتها دول عديدة مثل لبنان واليمن وليبيا، كما تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق منذ عام 2003.

ما المقصود بازدواجية السلاح؟

يقصد بازدواجية السلاح وجود جهات أو تنظيمات تمتلك قدرات عسكرية وأمنية مستقلة عن الدولة، سواء كانت تعمل داخل النظام السياسي أو خارجه.

وفي هذه الحالة يصبح للدولة جيشها وقواتها الأمنية الرسمية، وفي الوقت نفسه توجد تشكيلات أخرى تمتلك:

* السلاح.
* القيادة.
* التمويل.
* العقيدة الخاصة.
* القرار المستقل بدرجات متفاوتة.

وهنا لا يعود السؤال: من يمتلك السلاح فقط؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

من يملك القرار الحقيقي في أوقات الأزمات؟

المشكلة ليست في السلاح فقط

كثير من النقاشات تركز على السلاح بوصفه المشكلة الرئيسية، بينما تكمن المشكلة الأعمق في الولاءات الموازية للدولة.

فقد يحمل شخص السلاح داخل مؤسسة رسمية، لكنه يبقى عملياً ملتزماً بمرجعية حزبية أو عقائدية أو خارجية تتقدم عنده على الولاء للدستور والدولة.

وعندما يحدث تضارب بين أوامر الدولة ومصالح التنظيم أو المرجعية، تظهر الأزمة الحقيقية.

لذلك فإن الخطر لا يكمن في قطعة السلاح نفسها، بل في الجهة التي تحرك حامل السلاح وتحدد ولاءه النهائي.

العراق بعد عام 2003

بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 وما تبعه من انهيار مؤسسات الدولة، ظهرت تشكيلات مسلحة متعددة الخلفيات والانتماءات.

وبمرور السنوات تحولت بعض هذه الجماعات إلى قوى سياسية وعسكرية مؤثرة تمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

وقد ازدادت تعقيدات المشهد بعد الحرب ضد تنظيم داعش، حيث اكتسبت بعض الفصائل شرعية اجتماعية نتيجة مشاركتها في القتال ضد التنظيم.

لكن الإشكالية الكبرى لم تكن في الدور العسكري الذي أُدي في ظروف استثنائية، بل في استمرار الجدل حول مستقبل السلاح والولاء والقرار الأمني بعد انتهاء تلك الظروف.

فهل يكون الولاء للدولة العراقية حصراً؟

أم يبقى موزعاً بين الدولة والتنظيم والعقيدة والمرجعيات السياسية المختلفة؟

هذا السؤال ما زال مطروحاً بقوة حتى اليوم.

هل دمج الفصائل داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية يمثل حلاً؟

يُطرح أحياناً أن دمج أفراد الفصائل المسلحة داخل المؤسسات العسكرية أو الأمنية يمثل الطريق الأسرع لحل المشكلة.

لكن التجارب الدولية تشير إلى أن الدمج غير المدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

فالخطر لا يتمثل في انتقال الأفراد إلى مؤسسات الدولة، بل في انتقال التنظيمات وولاءاتها إلى داخل تلك المؤسسات.

وعندما تدخل جماعات تحمل عقيدة تنظيمية مستقلة أو ولاءات سياسية خاصة إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية بصورة جماعية، فإن ذلك قد يؤدي إلى:

* إضعاف العقيدة الوطنية الموحدة.
* نشوء شبكات نفوذ داخل المؤسسة الرسمية.
* تسييس القرار الأمني.
* صعوبة فرض الانضباط العسكري.
* بقاء الولاء للتنظيم أقوى من الولاء للدولة.

ولهذا فإن بناء جيش وطني محترف يتطلب أن يكون ولاء أفراده للدستور والقانون فقط، لا لأي جهة أخرى.

لبنان: نموذج الدولة المقيدة

يمثل لبنان أحد أبرز الأمثلة على إشكالية ازدواجية السلاح.

فعلى مدى عقود طويلة وجد الجيش اللبناني إلى جانب قوة مسلحة أخرى تمتلك قدرات عسكرية مستقلة.

وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة من هذه الحالة، فإن النتيجة العملية كانت بقاء القرار الأمني والاستراتيجي اللبناني موضع جدل دائم بين الدولة والقوى المسلحة.

وأصبح سؤال السيادة والقرار الوطني من أكثر القضايا تعقيداً في الحياة السياسية اللبنانية.

اليمن: تعدد الجيوش وانهيار الدولة

في اليمن ساهم تعدد مراكز القوة المسلحة ووجود ولاءات متنافسة في إضعاف الدولة بصورة كبيرة.

ومع تفاقم الصراعات السياسية والعسكرية، أصبحت البلاد ساحة مفتوحة للنزاعات الداخلية والتدخلات الإقليمية.

وأثبتت التجربة اليمنية أن الدولة التي تفقد احتكارها للسلاح تفقد تدريجياً قدرتها على إدارة الصراع وضبط المجتمع.

ليبيا: سقوط الدولة وصعود المليشيات

بعد عام 2011 شهدت ليبيا توسعاً كبيراً في نفوذ الجماعات المسلحة.

ورغم محاولات دمج بعض هذه التشكيلات داخل مؤسسات الدولة، فإن كثيراً منها احتفظ بقياداته وولاءاته الخاصة.

وكانت النتيجة استمرار الانقسام الأمني والسياسي وتعثر بناء مؤسسات دولة مستقرة.

وقد أظهرت التجربة الليبية أن منح الصفة الرسمية لبعض الجماعات المسلحة لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء نفوذها المستقل.

لماذا تفشل الدول في معالجة هذه المشكلة؟

غالباً ما تواجه الحكومات معضلة صعبة:

* فهي تخشى الصدام المباشر مع الجماعات المسلحة.
* وفي الوقت نفسه تخشى تركها خارج مؤسسات الدولة.

فتلجأ أحياناً إلى حلول وسط تقوم على استيعاب التشكيلات أو منحها مواقع رسمية.

لكن إذا لم يرافق ذلك تفكيك حقيقي للبنية التنظيمية والولاءات الموازية، فإن المشكلة تنتقل من خارج الدولة إلى داخلها.

وبدلاً من بناء مؤسسة وطنية موحدة، يتم نقل الانقسامات إلى قلب المؤسسة نفسها.

ما الطريق الواقعي أمام العراق؟

إن أي مشروع لبناء دولة مستقلة وقوية في العراق يجب أن ينطلق من عدة مبادئ أساسية:

أولاً: حصر السلاح بيد الدولة

يجب أن تكون جميع القدرات العسكرية والأمنية خاضعة للقيادة الدستورية للدولة دون استثناء.

ثانياً: تفكيك البنى التنظيمية المسلحة

المشكلة ليست في الأفراد، بل في استمرار التنظيمات الموازية للدولة.

ثالثاً: إعادة التأهيل والإدماج المدني

يمكن للأفراد الاندماج في الحياة المدنية أو الوظائف العامة وفق معايير الكفاءة والقانون، لكن دون نقل الهياكل التنظيمية أو الولاءات السابقة إلى مؤسسات الدولة.

رابعاً: بناء عقيدة وطنية موحدة

يجب أن يكون الولاء الأعلى للدستور والعراق، لا للحزب أو الطائفة أو المرجعية السياسية أو أي جهة خارجية.

خامساً: منع النشاط السياسي المسلح

الديمقراطية والسلاح لا يمكن أن يتساويا في التأثير داخل الدولة الحديثة.

فالعمل السياسي يجب أن يعتمد على صناديق الاقتراع لا على موازين القوة المسلحة.

نحو دولة واحدة وسلاح واحد

تُظهر تجارب العراق ولبنان واليمن وليبيا أن ازدواجية السلاح ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي أزمة دولة وسيادة وهوية وطنية.

فالدولة لا يمكن أن تكون قوية إذا شاركتها قوى أخرى حق اتخاذ القرار الأمني أو العسكري، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار الدائم في ظل تعدد الولاءات ومراكز القوة.

إن بناء العراق الحديث لا يتطلب فقط إصلاح الاقتصاد أو مكافحة الفساد، بل يتطلب قبل كل شيء ترسيخ مبدأ بسيط وواضح:

لا دولة قوية دون سلاح واحد، ولا سيادة حقيقية دون ولاء واحد للدستور والقانون.

وعندما يصبح العراق دولةً يحتكر فيها القانون القوة، وتكون المؤسسات أقوى من الأحزاب والجماعات، عندها فقط يمكن الحديث عن استقرار دائم واستقلال وطني حقيقي.

د. رياض الدليمي