إيهاب مقبل
لم تعد ظاهرة الفاشينيستات والتيك توكرات العراقيات مجرد موجة عابرة من موجات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يمكن اختزالها في كونها تسلية لجيل شاب سرعان ما ستنتهي. نحن أمام ظاهرة اجتماعية وإعلامية واقتصادية أخذت تتوسع بصورة لافتة، وأصبحت بعض الشخصيات الرقمية تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الذوق العام، وأنماط الاستهلاك، وطريقة التفكير، وحتى في إعادة تعريف المفاهيم مثل الأخلاق والنجاح والجمال والحياة السعيدة لدى قطاعات من الجمهور، ولا سيما المراهقين والشباب.
المشكلة ليست في امرأة عراقية تستخدم هاتفها، أو تعمل في مجال الموضة والجمال، أو تسافر، أو تبني مشروعًا تجاريًا من خلال شهرتها. فالعمل والنجاح والحرية الشخصية حقوق لا يجوز مصادرتها لمجرد أن أصحابها من النساء. كما أن النقد الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى حملة ضد المرأة العراقية أو إلى محاكمة لشكلها أو حياتها الخاصة.
المشكلة تبدأ في مكان آخر تمامًا: عندما يصبح الاستفزاز وسيلة للشهرة، والابتذال سلعة، والمشاجرات مادة للترفيه، والاستعراض معيارًا للنجاح، والمحتوى المخل بالحياء والآداب العامة طريقًا إلى ملايين المشاهدات. عندها لا تعود القضية قضية أشخاص بعينهم، وإنما قضية ثقافة رقمية جديدة ينبغي للمجتمع العراقي أن يتوقف أمامها طويلًا.
من الشهرة إلى صناعة الاستفزاز
كان الوصول إلى الشهرة في الماضي يحتاج إلى سنوات من العمل أو إلى موهبة واضحة في الفن أو الأدب أو الإعلام أو الرياضة أو غيرها من المجالات. أما اليوم فقد يستطيع شخص مجهول أن يتحول خلال أسابيع إلى شخصية معروفة إذا تمكن من إنتاج محتوى يجذب انتباه الخوارزميات والجمهور.
وهنا ظهر ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لا تكون قيمة المحتوى مرتبطة بالضرورة بقيمته العلمية أو الثقافية، وإنما بقدرته على جذب العين وتحفيز المشاهد على المشاهدة والتعليق والمشاركة. وفي هذا الاقتصاد تصبح المشاجرة قابلة للتحول إلى محتوى، والخلاف الشخصي إلى مادة جماهيرية، والفضيحة إلى وسيلة تسويق، والاستفزاز إلى استراتيجية للانتشار.
وقد تناولت الباحثة العراقية أسمى نوري صالح هذه الظاهرة في دراسة منشورة عام 2021 بعنوان «عناصر الجذب في المحتوى الإعلامي للمؤثرين (Influencers) على مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاسها على سلوكيات المجتمع العراقي» في مجلة «مداد الآداب». واعتمدت الدراسة على استبانة إلكترونية لعينة عشوائية بسيطة من 400 مبحوث تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عامًا، وتنوعت مستوياتهم التعليمية من خريجي الثانوية إلى حملة الدراسات العليا.
وتوصلت الدراسة، بصورة واضحة، إلى أن محتوى المؤثرين يمكن أن يسهم في تشكيل آراء الجمهور وأذواقه والتأثير في سلوكياته الاجتماعية والاستهلاكية، وأن المؤثرين أصبحوا بالنسبة إلى شريحة من الشباب والمراهقين بمثابة قدوات، بما يجعل المحتوى الذي يقدمونه قادرًا على إحداث تغيرات في بعض السلوكيات الاجتماعية. كما بحثت الدراسة مدى تقبل الجمهور لهذا المحتوى، ودرجة تأثره به، ودور المستوى التعليمي في درجة التأثر، وأهم عناصر الجذب التي تجعل محتوى المؤثرين أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور.
وهذه النتيجة مهمة؛ لأنها تعني أن المؤثر الرقمي لا يمكن النظر إليه دائمًا باعتباره شخصًا ينشر صورًا ومقاطع للتسلية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى فاعل مؤثر في الذوق والسلوك والاستهلاك، خصوصًا عندما يكون جمهوره من الشباب والمراهقين. ولذلك فإن دراسة مضمون ما يقدمه المؤثرون، ولا سيما عندما يتضمن إساءة أو ابتذالًا أو سلوكًا مخالفًا للقيم الاجتماعية، تصبح قضية تتجاوز حرية الفرد في النشر إلى سؤال أوسع يتعلق بأثر المحتوى في الجمهور والمجتمع.
المؤثرون يدخلون سوق الإعلان
لم تعد الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للحصول على المشاهدات والإعجابات، بل أصبحت أيضًا أداة تسويقية يمكن تحويلها إلى تأثير في سلوك المستهلك وقرارات الشراء. وتوضح دراستان عراقيتان حديثتان كيف أصبح المؤثر جزءًا من العملية الإعلانية نفسها.
في 1 فبراير شباط 2025 نشرت الباحثة العراقية رحاب جواد كاظم دهيرش دراسة بعنوان «دور مواقع التواصل الاجتماعي “تيك توك” في الإعلان الرقمي: دراسة ميدانية على عينة من مستخدمي تيك توك بمحافظة ذي قار» في مجلة واسط للعلوم الإنسانية. اعتمدت الدراسة على عينة من 100 مستخدم لتيك توك في محافظة ذي قار. وأظهرت النتائج أن 46% من أفراد العينة يفضلون التعاون مع المؤثرين في الإعلانات، وخلصت الباحثة إلى أن المؤثرين أصبحوا بمثابة «مخرجين جدد» للإعلان الرقمي، لأنهم يستطيعون تقديم المحتوى الإعلاني بصورة جذابة وتفاعلية، وتتجاوز مهمتهم مجرد الترويج للسلعة إلى المساهمة في تشكيل اتجاهات السوق وزيادة ارتباط الجمهور بالعلامات التجارية. كما أظهرت الدراسة أن الفئة العمرية الأكبر في العينة كانت 18–24 سنة، وأن 58% من المشاركين كانوا من الإناث.
أما الدراسة الثانية، التي نشرتها الباحثة ختام عبدالحسين كاظم العبيدي في العدد نفسه من المجلة عام 2025 بعنوان «فعالية التسويق عبر المؤثرين ومستوى العلاقة مع الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي: بحث ميداني»، فقد قدمت نتائج أكثر دلالة على قوة المؤثر في التأثير التجاري. اعتمدت الدراسة على 100 مستخدم عراقي لوسائل التواصل الاجتماعي تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عامًا، ووجدت أن 86% من المشاركين اشتروا منتجات بناءً على توصيات المؤثرين، وكانت تجربة الشراء إيجابية لدى 62.7% منهم. كما كشفت الدراسة عن علاقة قوية بين الثقة بالمؤثر وتكرار الشراء، وأن المتغيرات التي درستها فسرت 48.2% من التباين في سلوك الشراء، في حين جاءت المصداقية والأمانة في مقدمة الصفات التي ينتظرها الجمهور من المؤثرين بنسبة 38.8%.
وتكشف الدراستان إذن عن أمر بالغ الأهمية: المؤثر لم يعد مجرد شخص يحظى بمتابعين، بل أصبح قناة إعلانية قادرة على التأثير في قرارات المستهلكين. فالدراسة الأولى تبين استعداد جزء من الجمهور للتعامل مع المؤثرين بوصفهم أداة إعلانية فعالة، بينما تبين الثانية أن توصية المؤثر يمكن أن تصل بالفعل إلى مرحلة دفع المتابع إلى شراء منتج، وأن الثقة والمصداقية تلعبان دورًا مهمًا في تكرار هذا السلوك.
وهذا يفسر لماذا أصبحت حياة بعض الفاشينيستات والتيك توكرات نفسها جزءًا من المنتج الذي يُسوَّق للجمهور. فالملابس، ومستحضرات التجميل، والمطاعم، والفنادق، والسفر، والسيارات، وأسلوب الحياة الفاخر يمكن أن تتحول جميعها إلى محتوى تجاري، حتى عندما تبدو للمشاهد مجرد تفاصيل من الحياة اليومية. المؤثر لا يبيع السلعة فقط؛ بل يستطيع أن يبيع الثقة بها، وأحيانًا يبيع معها أسلوب حياة كاملًا.
الدراسات الأجنبية تؤكد أن المؤثرين أصبحوا قوة اقتصادية
هذه الظاهرة ليست عراقية فقط، بل أصبحت موضوعًا مهمًا في الدراسات الدولية المتعلقة بالتسويق وسلوك المستهلك. ففي 10 أبريل نيسان 2025 نشرت الباحثتان سايناز سردار وتي. ساي فيجاي دراسة بعنوان «مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي ونية الشراء: مراجعة وأجندة بحثية» في المجلة الدولية لدراسات المستهلكين. وكانت الدراسة مراجعة منهجية شملت 76 بحثًا محكّمًا نُشرت بين عامي 2011 و2023. وخلصت إلى أن تأثير المؤثرين في نية المستهلك للشراء أصبح مجالًا بحثيًا مهمًا ومتناميًا، وأن الأبحاث السابقة تناولت عوامل متعددة تفسر هذا التأثير، من بينها خصائص المؤثر وعلاقته بالجمهور والسياق الذي يقدم فيه المحتوى. كما حددت الدراسة فجوات بحثية واقترحت اتجاهات جديدة لدراسة تأثير المؤثرين في مجالات مختلفة.
بمعنى مبسط: الدراسة لا تقول إن كل مؤثر قادر على إقناع الناس بالشراء، وإنما تؤكد أن العلاقة بين المؤثر وقرار الشراء أصبحت ظاهرة تستحق الدراسة العلمية، وأن المؤثرين أصبحوا جزءًا مهمًا من منظومة التسويق الحديثة.
وفي 26 سبتمبر أيلول 2025 نشر الباحثون أجيمون جورج، وميلكا شيبو، وإريك توماس جوزيف، وبراجود ساني دراسة بعنوان «تأثير التسويق عبر مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي في نية شراء العملاء في صناعة الأزياء: مراجعة منهجية للأدبيات» في مجلة فرونتيرز إن كوميونيكيشن (آفاق في الاتصال). واستخدمت الدراسة منهجية PRISMA لمراجعة الأدبيات المتعلقة بالتسويق عبر المؤثرين في قطاع الأزياء. وخلصت إلى أن المصداقية والثقة والجاذبية من أكثر العوامل التي تناولتها الدراسات السابقة باعتبارها مؤثرة في فعالية تسويق المؤثرين، وأن هذه العوامل يمكن أن ترتبط بتأثير المؤثر في اتجاهات المتابعين ونواياهم الشرائية. كما أشارت الدراسة إلى أن البحث في هذا المجال ما زال بحاجة إلى مزيد من الدراسات، خصوصًا في البيئات والسياقات المختلفة.
بمعنى مبسط: في صناعة الأزياء تحديدًا، لا تكفي كثرة المتابعين وحدها؛ فـثقة الجمهور بالمؤثر ومصداقيته وجاذبية المحتوى عوامل أساسية في تحويل حضوره على وسائل التواصل إلى قوة تسويقية.
وهنا تتضح أهمية هذه الدراسات بالنسبة إلى ظاهرة الفاشينيستات والتيك توكرات: المتابع لم يعد مجرد متفرج، بل يمكن أن يتحول إلى مستهلك، والانتباه الذي يحصل عليه المؤثر يمكن أن يتحول إلى قيمة تجارية. ولذلك أصبحت حياة المؤثر نفسها قابلة للتسويق؛ فالملابس ومستحضرات التجميل والسفر والمطاعم والفنادق والسيارات وأسلوب الحياة يمكن أن تدخل جميعها في منظومة الإعلان والترويج. لكن الأدلة العلمية لا تعني أن كل منشور أو كل مؤثر هو إعلان ناجح، وإنما تؤكد أن اقتصاد المؤثرين أصبح قطاعًا حقيقيًا من قطاعات التسويق، وأن الثقة والانتباه والعلاقة مع الجمهور أصبحت لها قيمة اقتصادية قابلة للدراسة.
عندما يصبح الاستعراض نموذجًا للحياة
لا مشكلة في أن يكون الإنسان غنيًا، ولا مشكلة في السفر أو الإقامة في الفنادق الفاخرة أو ارتداء الملابس الجميلة. وليس من حق أحد أن يتهم شخصًا بالفساد لمجرد أنه يعيش حياة مرفهة.
لكن المشكلة الثقافية تبدأ عندما يتحول الاستعراض إلى رسالة بحد ذاته.
عندما يرى المراهق بصورة يومية أن النجاح هو سيارة فاخرة، وسفر دائم، ومطاعم وفنادق، وملابس باهظة، وحفلات، وعدد هائل من المتابعين، بينما يبدو التعليم والعمل والقراءة والبحث العلمي والمهنة أشياء مملة لا تستحق المشاهدة، فإننا أمام عملية خطيرة لإعادة تعريف معنى النجاح.
المؤثر لا يقول دائمًا: «كونوا مثلي»، لكن الصورة التي يكررها يوميًا قد تقول ذلك نيابة عنه.
والأخطر أن الجمهور يرى النتيجة ولا يرى بالضرورة الكواليس. لا يعرف طبيعة العقود التجارية، ولا حجم الإنفاق، ولا مصادر الدخل، ولا حجم الإعلانات، ولا مقدار ما يتم ترتيبه وإخراجه قبل ظهور الصورة النهائية.
لكن يجب في الوقت نفسه الإنصاف: الثراء الظاهر ليس دليلًا على الفساد، كما أن الفقر ليس دليلًا على الفضيلة، والمظهر الفاخر أو كثرة السفر أو امتلاك السيارات والعقارات لا يمكن أن تكون وحدها أساسًا لاتهام أي شخص بمصدر أمواله. ولا يجوز تحويل الشائعات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى حقائق، أو إطلاق اتهامات تتعلق بالفساد أو الدعارة أو غسل الأموال أو مصادر الدخل من دون أدلة موثوقة وقرائن يمكن التحقق منها.
لكن الإنصاف لا يعني إعفاء المشاهير من المساءلة. فكلما تحولت الشهرة إلى نشاط تجاري يدر أموالًا كبيرة، أصبحت الشفافية والمسؤولية أكثر أهمية. والمؤثر العراقي الذي يمارس نشاطًا تجاريًا أو يتلقى عوائد من الإعلانات والرعايات والتسويق ينبغي أن يكون خاضعًا للقواعد الضريبية والمالية والقانونية المعمول بها في العراق، وأن تكون مصادر دخله قابلة للتدقيق من الجهات الحكومية والقضائية المختصة متى كان القانون يوجب ذلك.
كما أن الشفافية يجب ألا تكون انتقائية. فإذا كان المواطن العادي مطالبًا بتبرير معاملاته المالية عندما تستدعي القوانين ذلك، فلا ينبغي أن تتحول الشهرة وكثرة المتابعين إلى حصانة مالية. المؤثر ليس فوق القانون، كما أنه ليس متهمًا لمجرد أنه مؤثر. المعيار هو الدليل، والقانون، والرقابة المؤسسية.
ومن هنا فإن المطلوب ليس أن يقدم المؤثرون كشفًا علنيًا بكل تفاصيل حياتهم وأموالهم للجمهور، فذلك قد يمس الخصوصية، وإنما أن تكون مصادر الدخل والالتزامات التجارية والضريبية والمالية واضحة وقابلة للتدقيق أمام الجهات الرسمية المختصة وفق القانون. كما ينبغي أن تكون الإعلانات المدفوعة والرعايات التجارية واضحة للجمهور، حتى يعرف المتابع متى يشاهد رأيًا شخصيًا ومتى يشاهد محتوى ترويجيًا مدفوعًا.
وهذه القاعدة يجب أن تطبق على الجميع بلا استثناء: لا تشهير بلا دليل، ولا حصانة بلا سبب، ولا ثراء فوق المساءلة، ولا فقر يُستخدم معيارًا للأخلاق. فالدولة الحديثة لا تحاكم الناس على مظهرهم، وإنما على أفعالهم وما يمكن إثباته قانونيًا.
حين يصبح الجسد مشروعًا للمقارنة
لا تتوقف المشكلة عند المال والاستهلاك؛ فهناك جانب آخر يتعلق بصورة المرأة عن جسدها ومظهرها. ففي 15 يناير كانون الثاني 2022 نشرت الباحثات جوليا فيورافانتي، وسارا بوتشي بينوتشي، وجوليا تشيراجولي، وسيلفيا كازالي دراسة بعنوان «كيف يؤثر التعرض لمُثل الجمال على مواقع التواصل الاجتماعي في صورة الجسد: مراجعة منهجية للدراسات التجريبية» في مجلة مراجعة أبحاث المراهقين.
راجعت الدراسة 43 دراسة تجريبية شملت 8637 مشاركًا، ووجدت بصورة عامة أن التعرض المتكرر لصور الجمال المثالية على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يرتبط بزيادة عدم الرضا عن صورة الجسد. كما وجدت أن المقارنة بالمظهر تمثل أحد العوامل المهمة في تفسير هذا التأثير؛ فعندما يقارن الشخص شكله الحقيقي بالصور المثالية التي يراها على المنصات، قد يشعر بأنه أقل جمالًا أو أقل جاذبية من النموذج الذي تعرضه تلك الصور.
بمعنى أبسط، لا تقول الدراسة إن كل فتاة تشاهد صور الفاشينيستات ستصاب تلقائيًا بعدم الرضا عن شكلها، وإنما تشير إلى وجود أثر سلبي محتمل ومتكرر للتعرض لمعايير جمال مثالية وغير واقعية، ولا سيما عندما يدخل المتلقي في مقارنة مباشرة بين مظهره ومظهر الآخرين.
وهذا يجعل ظاهرة الفاشينيستات أوسع من مجرد الملابس والمكياج؛ فالمحتوى قد يقدم أحيانًا نموذجًا كاملًا للحياة المثالية: وجه بلا عيوب، جسد مثالي، ملابس مثالية، منزل مثالي، سفر دائم، ومظاهر نجاح لا تتوقف. والمشكلة ليست في العناية بالمظهر أو الأناقة بحد ذاتها، وإنما في أن تتحول هذه الصور المتكررة إلى معيار وحيد للجمال والنجاح، خصوصًا بالنسبة إلى المراهقين والشباب.
فالحياة الحقيقية ليست صورة على إنستغرام، والصورة التي تظهر على الشاشة لا تمثل بالضرورة الحياة كاملة. والإنسان الحقيقي ليس مرشحًا إلكترونيًا.
المحتوى الهابط والإخلال بالآداب العامة
هنا ينبغي التحدث بصراحة أكبر. فليس كل ما يمكن تصويره ونشره على الإنترنت يدخل تلقائيًا في نطاق الحرية الشخصية. وهناك فرق بين حرية الفرد في حياته الخاصة وبين تقديم محتوى عام يتضمن إسفافًا أو ألفاظًا نابية أو إهانات أو سلوكيات تخدش الحياء أو تتعارض مع القواعد الأخلاقية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يجب التمييز بين المحتوى الذي يرفضه المجتمع أخلاقيًا وبين الفعل الذي يشكل جريمة قانونية؛ فليس كل ما يوصف بأنه مبتذل أو هابط جريمة، وتحديد المسؤولية الجنائية والعقوبة من اختصاص القانون والقضاء.
وقد أصبحت ظاهرة «المحتوى الرقمي الهابط» نفسها موضوعًا للبحث الأكاديمي في العراق. ففي عام 2026 نشرت الباحثتان العراقيتان يسرى حمزة علي وهند سعيد أسود دراسة بعنوان «آليات تصدي الإعلام الأمني العراقي للمحتوى الرقمي الهابط والحد من انتشاره في مواقع التواصل الاجتماعي: تيك توك أنموذجًا» في مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية. واعتمدت الدراسة على منهج مسحي واستبانة شملت 40 عنصرًا من العاملين في الإعلام الأمني بوزارة الداخلية العراقية.
وتوصلت الدراسة إلى أن الإعلام الأمني يتعامل مع ظاهرة المحتوى الهابط من خلال آليات وقائية وتوعوية تهدف إلى حماية الجمهور من السلوكيات السلبية والحد من انتشار هذا النوع من المحتوى، كما أشارت إلى أهمية توفير المعلومات للرأي العام ومواجهة الشائعات والحفاظ على الذوق العام. واعتبرت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة مفتوحة تسمح بنشر محتويات مختلفة من دون رقابة كافية، وأن بعض هذه المحتويات يتضمن رسائل تخدش الحياء أو تؤثر في الاستقرار المجتمعي.
أهمية الدراسة أنها تؤكد أن قضية «المحتوى الهابط» في العراق لم تعد مجرد انطباعات أو انتقادات يكتبها مستخدمو مواقع التواصل، بل أصبحت موضوعًا بحثيًا وإعلاميًا وأمنيًا. لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن كل مؤثر أو كل محتوى ترفيهي يمثل مشكلة، ولا تمنح وصف «الهبوط» قيمة قانونية تلقائية.
لذلك يجب أن يبقى الخط الفاصل واضحًا: من حق المجتمع أن ينتقد محتوى يراه مبتذلًا أو مسيئًا للذوق العام، لكن التجريم والعقوبة لا يحددهما الذوق الاجتماعي وإنما القانون والقضاء. كما أن مواجهة المحتوى المسيء ينبغي أن تتم من خلال التوعية والرقابة القانونية والإعلامية المسؤولة، لا من خلال التشهير أو التهديد أو الاعتداء على أصحاب الحسابات.
الشباب والقيم الأخلاقية في البيئة الرقمية
وفي عام 2025 نشر الباحث العراقي مازن منذر جبار دراسة بعنوان «استخدام الشباب لتطبيقات الإعلام الرقمي وانعكاسه على القيم الأخلاقية: دراسة ميدانية على عينة من الجمهور العراقي في محافظة بغداد» في مجلة الجامعة العراقية. واعتمدت الدراسة على عينة طبقية من 400 مبحوث، واستخدمت المنهج الوصفي التحليلي والمسح الاجتماعي.
وأظهرت الدراسة أن استخدام الشباب يتركز بدرجة مرتفعة في التطبيقات الترفيهية، وفي مقدمتها تيك توك وإنستغرام، مع تعرض محدود للمحتوى المعرفي والتعليمي. كما رصدت الدراسة تغيرات سلوكية وأخلاقية متفاوتة بين الفئات العمرية والجنسين، ولذلك أوصى الباحث بتعزيز التوعية الرقمية وإنتاج محتوى قيمي موجه إلى الشباب.
والأهم أن الدراسة لا تثبت أن تيك توك أو إنستغرام يفسدان جميع الشباب؛ فهذا استنتاج أوسع مما تسمح به نتائجها. لكنها تشير إلى حقيقة أكثر أهمية: أن التطبيقات الرقمية أصبحت جزءًا من البيئة التي يتعرض فيها الشباب للمحتوى، وبالتالي يمكن أن يكون لها دور في تشكيل بعض الاتجاهات والسلوكيات والقيم. ولهذا فإن التعامل مع البيئة الرقمية لم يعد شأنًا ترفيهيًا فقط، بل أصبح جزءًا من مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
لماذا تتحول المشاجرات والخلافات إلى عروض جماهيرية؟
من أخطر التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل أن الخلاف الشخصي لم يعد ينتهي بالضرورة بين أصحابه.
مشاجرة تتحول إلى تصوير. والتصوير يتحول إلى مقطع. والمقطع يتحول إلى آلاف التعليقات. ثم تظهر الردود والردود المضادة. وبعدها تدخل حسابات أخرى في النزاع. وفي النهاية يصبح الخلاف مسلسلًا مفتوحًا أمام الجمهور.
ولا يجوز اتهامُ أشخاصٍ بعينهم بافتعال مشاجراتهم من أجل حصد المشاهدات من دون دليل. لكن نظام المنصات قد يخلق إغراءً واضحًا، لأن المحتوى المثير للجدل والصادم غالبًا ما يجذب تفاعلًا أكبر من المحتوى الهادئ.
وهنا يدخل اقتصاد الانتباه: الخوارزميات تقيس المشاهدة والتعليق والمشاركة، لا القيمة الأخلاقية للمحتوى. وهكذا يمكن للغضب والجدل أن يتحولا إلى وقود للشهرة، وتصبح المشاجرة التي كانت تنتهي خلال دقائق مادة يتداولها الجمهور لأيام.
الجمهور ليس بريئًا تمامًا
من السهل توجيه اللوم إلى الفاشينيستا والتيك توكر، لكن الحقيقة أن الجمهور شريك في صناعة الشهرة.
من يشاهد مقطعًا لأنه «مقرف» يرفع مشاهداته، ومن يرسله للآخرين للسخرية منه يزيد انتشاره، ومن يدخل إلى التعليقات لشتم صاحبه يرفع مستوى التفاعل. وهنا المفارقة: قد يكره الجمهور المحتوى، لكنه يمنحه الشهرة بالمشاهدة والتفاعل.
لذلك، فإن أقوى وسائل مواجهة المحتوى الذي يراه المجتمع مبتذلًا قد تكون ببساطة تجاهله.
إذا كان المحتوى لا يستحق، فلا تشاهده، ولا تشاركه، ولا تجعل من غضبك إعلانًا مجانيًا لصاحبه.
أين الأسرة العراقية؟
السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا ظهرت الفاشينيستات والتيك توكرات؟ بل السؤال الأصعب: لماذا أصبح بعض الشباب يمنح الشهرة السريعة قيمة أكبر من العلم والعمل والإنجاز؟
تواجه الأسرة العراقية اليوم منافسًا لم يكن موجودًا بهذه القوة من قبل: الهاتف الذكي. فالمراهق قد يقضي ساعات مع شخصية رقمية يعرف تفاصيل حياتها وملابسها وسفرها وسياراتها، حتى يصبح المؤثر أحيانًا أكثر حضورًا في يومه من المعلم أو الكاتب أو العالم.
وعندما تغيب الأسرة عن الحوار، والمدرسة عن صناعة القدوة، والإعلام الجاد عن المنافسة، تملأ الخوارزميات هذا الفراغ.
لذلك فإن مواجهة الظاهرة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية والجمهور نفسه. فالقدوة التي يراها الأولاد كل يوم على شاشة الهاتف قد تكون أقوى تأثيرًا من عشرات المحاضرات والنصائح.
ماذا يمكن أن نتعلم من التجربة السويدية؟
إذا كان تشخيص المشكلة مهمًا، فإن الأهم هو السؤال: ماذا نفعل عندما يتحول بعض صناع المحتوى إلى نموذج للابتذال والإساءة والسلوك الذي يراه المجتمع منافيًا للذوق العام؟ هل يكفي أن نهاجمهم على مواقع التواصل؟ وهل يكفي أن نطالب الدولة بإغلاق حساباتهم؟ بالتأكيد لا.
المشكلة أكبر من حساب أو شخص، والحل يجب أن يكون منظومة متكاملة تجمع بين التربية والوعي والقانون ومسؤولية المنصات والمحاسبة الاجتماعية.
وهنا يمكن النظر إلى التجربة السويدية بوصفها تجربة جديرة بالدراسة، لا باعتبارها وصفة ينبغي نسخها حرفيًا.
فقد أصدرت هيئة الصحة العامة السويدية في سبتمبر أيلول 2024 توصيات رسمية بشأن استخدام الأطفال والمراهقين للوسائط الرقمية في أوقات الفراغ، وتشمل وسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو والألعاب والبث المرئي. وتوصي الهيئة بألا يتجاوز الاستخدام الترفيهي للشاشات عادةً ساعة واحدة يوميًا للأطفال من عمر سنتين إلى خمس سنوات، وساعة إلى ساعتين للأطفال من السادسة إلى الثانية عشرة، وساعتين إلى ثلاث ساعات للشباب من الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة. كما توصي بعدم استخدام الشاشات للأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين، وإبعاد الأجهزة عن غرف النوم، وترك استخدامها قبل النوم بمدة كافية.
لكن الأهم أن التجربة السويدية لا تتعامل مع القضية باعتبارها مجرد «عداد ساعات». فالتوصيات تشدد على نوعية المحتوى، وعلى معرفة الوالدين بما يشاهده الطفل، والالتزام بالحدود العمرية للتطبيقات، والحوار مع الأبناء حول تجاربهم الرقمية، وتحقيق التوازن بين الشاشة والنوم والحركة والدراسة والعلاقات الاجتماعية. كما أن التوصيات تتعلق أساسًا بالاستخدام الترفيهي، وليس باستخدام الأجهزة للأغراض التعليمية.
وهذه نقطة يمكن للعراق الاستفادة منها بشدة. فالسؤال ليس فقط: كم ساعة يمسك الطفل الهاتف؟ بل السؤال الأخطر: ماذا يرى خلال هذه الساعات؟
قد يقضي طفل ساعة أمام درس علمي أو لغة جديدة، وقد يقضي الساعة نفسها أمام سلسلة من الشتائم والمشاجرات والإيحاءات والمظاهر الاستعراضية. ولذلك فإن تحديد الوقت يجب أن يترافق مع مراقبة المحتوى وتعليم الطفل كيف يختار ما يشاهده.
وفي سبتمبر أيلول 2025 أعلنت هيئة الصحة العامة السويدية أن بيانات تقرير «الأطفال والإعلام 2025» أظهرت انخفاضًا في استخدام الأجهزة الرقمية لدى الأطفال بين التاسعة والثانية عشرة من العمر، وأشارت الهيئة إلى أن التوصيات والنقاش العام حول وقت الشاشة كانا من العوامل التي رافقت هذا التغير. وهذا لا يعني أن التوصيات وحدها تسببت في الانخفاض، لكنه يقدم تجربة قابلة للدراسة والقياس بدل الاكتفاء بالشعارات.
ماذا يحتاج العراق؟
يستطيع العراق الاستفادة من هذه التجربة من خلال وضع توصيات وطنية لاستخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، تتناسب مع الأعمار المختلفة، وتضع حدودًا إرشادية للاستخدام الترفيهي، وتشجع الأسر على منع الهواتف أثناء النوم، ومراقبة المحتوى، والحديث مع الأولاد عما يشاهدونه.
كما ينبغي أن تتضمن هذه السياسة توعية بمخاطر التنمر الإلكتروني، والابتزاز، والاستغلال، والمحتوى الجنسي غير المناسب للعمر، والعنف، واللغة البذيئة، والإفراط في استخدام المنصات، والوهم الذي تصنعه صور الشهرة والثراء.
لكن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها. الإعلام العراقي نفسه يجب أن يكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة. فمن غير المنطقي أن تطالب الأسرة بحماية أولادها من المحتوى الهابط، بينما تستضيف بعض القنوات الفضائية مؤثرين ارتبط اسمهم بمحتوى مثير للجدل أو مبتذل، ثم تمنحهم مساحة إضافية للانتشار والشهرة. إن استضافة شخصية لمجرد قدرتها على جذب المشاهدات قد تعني عمليًا مكافأة السلوك الذي يدعي الإعلام أنه ينتقده.
المطلوب من الإعلام العراقي أن يعيد النظر في معايير الاختيار والظهور، وأن يمنح مساحة أكبر للنماذج الإيجابية في المجتمع: للعلماء والأطباء والمهندسين والباحثين والرياضيين والفنانين والمبدعين وأصحاب المشاريع والشباب الذين حققوا إنجازات حقيقية. فالإعلام لا يكتفي بنقل الشهرة؛ إنه قادر أيضًا على صناعة القدوة.
ولا ينبغي أن تتحول التوصيات إلى مراقبة قمعية للحياة الخاصة للأطفال أو إلى مصادرة شاملة للهواتف. الهدف هو تربية طفل قادر على إدارة عالمه الرقمي، لا طفل يخاف من هاتفه عندما يغيب والده عنه.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج؛ يحتاج إلى رفع قيمة النماذج التي تستحق أن تُرى وتُسمع وتُحتذى.
لا بد من التمييز بين الحرية والمحتوى المسيء
الحل الثاني هو التوقف عن الخلط بين الحرية الشخصية وبين الحق في إيذاء الآخرين أو انتهاك كرامتهم. من حق الإنسان أن يختار مظهره وحياته ومحتواه ضمن القانون، لكن حرية التعبير لا تعني أن يصبح السب والشتم والألفاظ النابية والإهانات والتشهير والتحريض والابتزاز أمورًا بلا حدود.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام «الأخلاق» ذريعة لملاحقة الناس لمجرد اختلافهم في اللباس أو الذوق أو الرأي. فالمجتمع الحر لا يحاسب الناس على اختلافاتهم الشخصية، لكنه يستطيع أن ينتقد المحتوى الذي يراه مبتذلًا أو مسيئًا، كما أن القانون يتدخل عندما يتحول السلوك إلى مخالفة قانونية.
ولهذا يجب أن يكون التعامل مع صناع المحتوى المسيء واضح المعايير ومحددًا بالقانون. فإذا كان المحتوى مجرد اختلاف في الذوق أو أسلوب الحياة، فالمعالجة اجتماعية وثقافية. أما إذا تضمن تشهيرًا أو تهديدًا أو ابتزازًا أو تحريضًا أو إهانة متعمدة أو ألفاظًا مسيئة في سياق يجرّمه القانون، فهنا يأتي دور المؤسسات المختصة.
وبهذه الطريقة لا يتحول المجتمع إلى محكمة إلكترونية، ولا تتحول الدولة إلى رقيب على كل تفاصيل الحياة الخاصة، وفي الوقت نفسه لا يصبح الإنترنت منطقة بلا قانون ولا الشهرة حصانة من المسؤولية.
محاسبة المحتوى لا محاكمة النساء
من الضروري ألا يتحول نقد ظاهرة الفاشينيستات إلى حملة ضد النساء العراقيات بصورة عامة. المشكلة ليست في كون صانعة المحتوى امرأة، ولا في كونها عراقية، ولا في ارتدائها الحجاب أو عدم ارتدائه.
المعيار يجب أن يكون واحدًا للجميع: ماذا فعلت؟ ماذا نشرت؟ هل أساءت إلى أحد؟ هل خالفت القانون؟ هل مارست التشهير أو الابتزاز؟ هل استخدمت ألفاظًا نابية أو قدمت محتوى ضارًا بالأطفال والمراهقين؟ وهل استغلت شهرتها بطريقة تضر بالآخرين؟
وبهذا المعيار يمكن نقد الرجل والمرأة، والمشهور والمشهورة، وصانع المحتوى وصانعة المحتوى من دون ازدواجية أو انتقائية.
فالمجتمع الذي يريد مواجهة الابتذال لا يستطيع أن يفعل ذلك بمعايير مختلفة للذكور والإناث. المحاسبة يجب أن تكون على السلوك والمحتوى، لا على الجنس أو الهوية.
تجفيف سوق الشهرة السامة
هناك حل لا يقل أهمية عن القانون، وهو عدم مكافأة المحتوى المسيء بالمشاهدة. فإذا كانت الخوارزميات تكافئ التفاعل، فإن الجمهور يستطيع أن يسحب هذا التفاعل.
المقطع الذي يراه الناس مسيئًا لا ينبغي أن يتحول إلى مادة يعيد الجميع نشرها بحجة السخرية منها. والمشاجرة التي لا يريد المجتمع أن تتحول إلى شهرة يجب ألا تحصل على ملايين المشاهدات من الجمهور الغاضب نفسه.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع تجاه صانع محتوى يريد الشهرة من خلال الفضائح هو أن يمنحه الشهرة التي يبحث عنها وهو يلعنه.
لا تشاهد المحتوى الهابط لكي تشتكي منه. لا تشارك المقطع المسيء لكي تهاجم صاحبه. ولا تحول الفضائح إلى ترند ثم تتساءل لماذا انتشرت.
مسؤولية المنصات الرقمية
لا يمكن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية. منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مؤسسات إعلامية وتجارية عملاقة، ولديها أنظمة عمرية وآليات للإبلاغ عن المحتوى المخالف، ويجب أن تكون أكثر فاعلية في التعامل مع المحتوى الذي يستهدف الأطفال أو يتضمن تنمرًا أو تحرشًا أو استغلالًا أو تحريضًا أو انتهاكات واضحة.
وينبغي للجهات العراقية المختصة أن تعزز وعي المستخدمين بآليات الإبلاغ، وأن تطور تعاونها مع المنصات الرقمية في إطار القانون، بدل أن تترك الأسرة وحدها في مواجهة خوارزميات مصممة أساسًا لإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة على الشاشة.
المدرسة يجب أن تعلم الطفل كيف يفكر أمام الشاشة
الحل الأكثر استدامة هو التربية الإعلامية والرقمية. فلا يكفي القول للطفل: لا تشاهد هذا المحتوى؛ بل يجب تعليمه لماذا لا يشاهده، وكيف تعمل الخوارزميات، ولماذا يظهر له نوع معين من المحتوى، وكيف يميز الإعلان من المحتوى العادي، وكيف يدرك أن بعض الصور قد تكون معدلة، وأن الثراء الذي يراه على الشاشة لا يعكس بالضرورة الحياة الحقيقية، وأن عدد المتابعين ليس دليلًا على قيمة الإنسان.
وفي السويد، تُعد المهارات الرقمية والإعلامية جزءًا من التعليم المدرسي عبر مجالات ومقررات مختلفة، من بينها مواد التكنولوجيا والدراسات الاجتماعية، بما يساعد الطلاب على التعامل النقدي مع المعلومات والوسائط الرقمية وفهم تأثيرها في المجتمع.
فالطفل الذي يفهم كيف تُصنع الشهرة وكيف تعمل منصات التواصل سيكون أقل قابلية للانبهار بها، وأكثر قدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصمم فقط لجذب الانتباه.
ولهذا ينبغي للمدارس والجامعات العراقية أن تمنح التربية الإعلامية والرقمية مساحة حقيقية، بحيث يتعلم الطالب ليس فقط كيفية استخدام الهاتف، وإنما كيف يستخدمه بوعي من دون أن يتحول إلى أسير له أو لخوارزمياته.
صناعة قدوات بديلة
لكن النجاح في مواجهة هذه الظاهرة لن يتحقق بالمنع والتحذير وحدهما؛ فلا بد من تقديم البديل.
إذا كان المطلوب إبعاد الأطفال والشباب عن محتوى التفاهة، فيجب أن يكون هناك محتوى آخر يستحق المشاهدة. وإذا كان المطلوب ألا تصبح الفاشينيستا أو التيك توكر قدوة وحيدة أمام الجيل الجديد، فمن الضروري إبراز الطبيب والباحث والرياضي والفنان الحقيقي ورائدة الأعمال والكاتبة والمعلمة والمخترع والشاب الذي نجح في بناء مشروعه.
العراق مليء بالقصص والشخصيات التي تستحق أن تتحول إلى محتوى جماهيري، لكن كثيرًا منها لا يحظى بالمساحة الإعلامية التي تحظى بها أخبار المشاهير. ولذلك ينبغي أن تصبح صناعة المحتوى الهادف مشروعًا إعلاميًا حقيقيًا، لا مجرد نصائح أخلاقية عابرة.
ولا بد أيضًا من إعادة النظر في معيار النجاح. فليس السؤال فقط: كم شخصًا شاهدك؟ بل: ماذا قدمت لمن شاهدك؟ هل علمتهم شيئًا؟ هل دفعتهم إلى العمل؟ هل قدمت تجربة مفيدة؟ هل صنعت معرفة أو فنًا؟ هل بنيت مشروعًا؟ وهل تركت أثرًا إيجابيًا؟
عندما يصبح الأثر معيارًا أساسيًا إلى جانب عدد المشاهدات، يمكن أن يتغير سوق المحتوى نفسه. فالمشكلة ليست في وجود الخوارزميات، وإنما في أن تتحول المشاهدات وحدها إلى مقياس للقيمة، بينما تُهمَّش المعرفة والإبداع والعمل والإنجاز.
سياسة عراقية متكاملة بدل حملات موسمية
العراق بحاجة إلى سياسة واضحة تجاه المحتوى الرقمي، لا إلى حملات موسمية تظهر عندما تنتشر فضيحة ثم تختفي.
هذه السياسة ينبغي أن تقوم على حماية الأطفال، وتعزيز التربية الرقمية، وتطبيق القانون على المخالفات الحقيقية، وتشجيع المحتوى الأخلاقي والثقافي والعلمي والإبداعي، وإجراء دراسات عراقية دورية تقيس استخدام الأطفال والشباب لوسائل التواصل، وأنماط المحتوى الذي يتابعونه، وتأثيره في النوم والتحصيل الدراسي والعلاقات الأسرية والصورة الذاتية والقيم الاجتماعية.
فبدلًا من انتظار كل فضيحة جديدة للبدء بالصراخ والجدل، ينبغي الاعتماد على بيانات علمية مستمرة تساعد الدولة والأسرة والمدرسة على فهم ما يحدث والتعامل معه بوعي.
الخلاصة: المشكلة ليست في الشهرة بل في تحويل الابتذال إلى قيمة
المشكلة ليست في تيك توك، ولا في الفاشينيستات، ولا في استخدام المرأة العراقية لوسائل التواصل؛ بل في تحويل الابتذال، والألفاظ النابية، والإهانة والاستفزاز إلى وسائل للشهرة والربح، وتحويل عدد المشاهدات إلى مقياس للنجاح والقيمة.
ويحتاج العراق إلى معالجة متوازنة تجمع بين حماية الأطفال، ودور الأسرة والمدرسة، والتربية الرقمية، وتطبيق القانون على المخالفات الحقيقية، ومسؤولية الإعلام والمنصات، مع تقديم قدوات ومحتوى ثقافي وعلمي وإبداعي قادر على منافسة التفاهة.
فأفضل مواجهة للمحتوى الهابط ليست الصراخ عليه، بل صناعة بديل أقوى منه. وعندما يصبح العلم والعمل والإبداع أكثر حضورًا من الضجيج والفضيحة، يتغير سلوك الجمهور وتتغير معه سوق الشهرة نفسها.
المراجع
صالح، أسمى نوري. (2021). «عناصر الجذب في المحتوى الإعلامي للمؤثرين (Influencers) على مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاسها على سلوكيات المجتمع العراقي». مجلة مداد الآداب، المجلد 11، العدد 22.
https://midad-aladab.org/index.php/midadaladab/article/view/407/373
دهيرش، رحاب جواد كاظم. (2025). «دور مواقع التواصل الاجتماعي “تيك توك” في الإعلان الرقمي: دراسة ميدانية على عينة من مستخدمي تيك توك بمحافظة ذي قار». مجلة واسط للعلوم الإنسانية، المجلد 21، العدد 1.
https://wjfh.uowasit.edu.iq/index.php/wjfh/ar/article/view/813/910
العبيدي، ختام عبدالحسين كاظم. (2025). «فعالية التسويق عبر المؤثرين ومستوى العلاقة مع الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي: بحث ميداني». مجلة واسط للعلوم الإنسانية، المجلد 21، العدد 1.
https://wjfh.uowasit.edu.iq/index.php/wjfh/ar/article/view/866/913
سردار، سايناز، وفيجاي، تي. إس. (2025). «مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي ونية الشراء: مراجعة وأجندة بحثية». المجلة الدولية لدراسات المستهلكين، المجلد 49، العدد 3.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/ijcs.70046
جورج، أجيمون، وشيبو، ميلكا، وجوزيف، إريك توماس، وساني، براجود. (2025). «تأثير التسويق عبر مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي في نية شراء العملاء في صناعة الأزياء: مراجعة منهجية للأدبيات». مجلة فرونتيرز إن كوميونيكيشن (آفاق في الاتصال)، المجلد 10.
https://www.frontiersin.org/journals/communication/articles/10.3389/fcomm.2025.1676901/full
فيورافانتي، جوليا، وبوتشي بينوتشي، سارا، وتشيراجولي، جوليا، وكازالي، سيلفيا. (2022). «كيف يؤثر التعرض لمُثل الجمال على مواقع التواصل الاجتماعي في صورة الجسد: مراجعة منهجية للدراسات التجريبية». مراجعة أبحاث المراهقين، المجلد 7.
https://link.springer.com/article/10.1007/s40894-022-00179-4
علي، يسرى حمزة، وأسود، هند سعيد. (2026). «آليات تصدي الإعلام الأمني العراقي للمحتوى الرقمي الهابط والحد من انتشاره في مواقع التواصل الاجتماعي: تيك توك أنموذجًا». مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، المجلد 16، العدد 4.
https://bcchj.uobabylon.edu.iq/index.php/bcchj/ar/article/view/2348/2376
جبار، مازن منذر. (2025). «استخدام الشباب لتطبيقات الإعلام الرقمي وانعكاسه على القيم الأخلاقية: دراسة ميدانية على عينة من الجمهور العراقي في محافظة بغداد». مجلة الجامعة العراقية، المجلد 74، العدد 3.
https://search.mandumah.com/Record/1632413
هيئة الصحة العامة السويدية (Folkhälsomyndigheten). (2024). «توصيات استخدام الأطفال والشباب للوسائط الرقمية». يتضمن التوصيات العمرية من 0 إلى 18 عامًا، وحدود الاستخدام الترفيهي للشاشات، والنوم، ومتابعة الوالدين للمحتوى.
https://www.folkhalsomyndigheten.se/publikationer-och-material/publikationsarkiv/r/rekommendationer-for-barns-och-ungas-digitala-medieanvandning/?nav-open=true
هيئة الصحة العامة السويدية. (2024). «توصيات بشأن الاستخدام المتوازن للشاشات بين الأطفال». يوضح أن الأطفال دون سنتين يُفضّل ألا يستخدموا الوسائط الرقمية، وأن الاستخدام الترفيهي المقترح هو ساعة يوميًا لعمر 2–5 سنوات، وساعة إلى ساعتين لعمر 6–12 سنة، وساعتين إلى ثلاث ساعات لعمر 13–18 سنة، مع إبعاد الأجهزة عن غرف النوم ليلًا.
https://www.folkhalsomyndigheten.se/nyheter-och-press/nyhetsarkiv/2024/september/rekommendationer-for-en-balanserad-skarmanvandning-bland-barn/?nav-open=true
هيئة الصحة العامة السويدية. (2024). «نصائح وإرشادات عملية لاستخدام متوازن للشاشات». يركز على دور الوالدين في الحياة الرقمية للأطفال، والحوار معهم حول ما يفعلونه على الإنترنت، وكيفية تطبيق التوصيات في الحياة اليومية.
https://www.folkhalsomyndigheten.se/nyheter-och-press/nyhetsarkiv/2024/december/konkreta-tips-och-rad-for-en-balanserad-skarmanvandning
هيئة الصحة العامة السويدية (Folkhälsomyndigheten). (2025). «توصيات الشاشات تقلل وقت الأطفال أمام الحاسوب والهاتف». خبر رسمي حول نتائج تقرير «الأطفال والإعلام 2025» وانخفاض وقت استخدام الأجهزة الرقمية لدى الأطفال بعمر 9–12 عامًا، ودور توصيات استخدام الشاشات في هذا التغير.
https://www.folkhalsomyndigheten.se/nyheter-och-press/nyhetsarkiv/2025/september/skarmrekommendationer-minskar-barns-tid-vid-dator-och-mobil
انتهى