رياض سعد
كانت المدينة في ذلك الصباح ترتدي ثوب الحداد، لكنها ــ كعادتها ــ لم تتخلَّ عن هوايتها القديمة في صناعة الكوميديا من قلب المأساة.
فقد اقتصر وصول خبر استشهاد السيد محمد الصدر، في الساعات الأولى، على القلة القليلة من أتباعه ومقلديه …
وما إن سمع راضي صوت الإطلاقات النارية وازيز الرصاص، ورأى الناس يركضون مذعورين، حتى سأل جاره الحاج مهدي:
– ماذا حدث؟
أجابه العجوز بصوت متهدج وعينين مغرورقتين بالدموع:
— استشهد السيد محمد الصدر…
– استشهد السيد محمد الصدر… ؛ الله أكبر على الظلمة .
لم ينتظر راضي كلمةً أخرى .. ؛ أغلق راضي دكانه بسرعة البرق، وقبض على يدي أخويه الصغيرين يجرّهما وراءه صوب جامع “المحسن” حيث تقام صلاة الجمعة في نهاية شارع الجوادر، مابين ساحتي “مظفر” و”55″.
كانت الخطى حثيثة، والأخَوان يلهثان خلفه كجروين خائفين… ؛ في الطريق، شهد راضي سريالية المشهد العراقي: جموع تندفع كالسيل العارم صوب الجامع بصدور عارية، وجموع أخرى تقهقرت مذعورة وولّت الأدبار هاربة باتجاه شارع الفلاح والجوادر، بعد أن اشتدت المواجهات المسلحة بين مدنيين عزل وعناصر الأجهزة القمعية وعتاة البعث والشرطة.
عند ساحة “55”، تجمدت ساقا راضي.. ؛ كان التقدم انتحاراً؛ فالطريق نحو جامع المحسن صار أشبه بفم بركان ؛ والرصاص ينهمر كالمطر، والدخان يملأ المكان، وأخواه يرتجفان… ؛ وصراخهما كبّلا حركته …
قال في نفسه: البطولة والجهاد وسامُ شرف، لكن تحمّل مسؤولية أخوين صغيرين، وصونهما ورعايتهما، أشرف وأعظم...
ثم انحرف مسرعاً باتجاه “قطاع 10” ليلوذ ببيت أحد أقاربه...
وما إن دخل حتى رأى قريبه فيصل، الذي يسكن في قطاع ١٩ مثله.. , كان فيصل هناك، متصببًا بالعرق...
– فيصل، ما الذي جاء بك إلى بيت أبي غني؟
– كنت في جامع المحسن، وعندما أطلق البعثيون النار بكثافة، جئتُ إلى هنا.
– هل رآك أحد من البعثية؟
– لا، لم يشاهدني أحد.
وبينما هما كذلك، إذا بالصيحات تقترب من بيت أبي غني، وتتوقف الجموع الثائرة أمام سيارة “البيك أب” التي تعود لأبي غني.. , أراد الثائرون نقل أحد الجرحى في تلك السيارة إلى المستشفى، لكن أبا غني اختبأ في الغرفة.
دخل عليه راضي مسرعاً:
– ما الذي تفعله؟ أصبتَ بالجنون؟ أنت خَبْل؟
– ماذا تريدني أن أفعل؟ الفرقة الحزبية أمام داري، وهم الآن يقتلون ويعتقلون المصلين والمحتجين في جامع المحسن… ؛ لكن هذا لا يعني أن قطاع ١٠ بلا رقيب، جواسيسهم في كل مكان… ؛ ما إن أنقل الجريح أو أعطي السيارة حتى يأتي البعثيون ليزجوا بي في السجن…
قال فيصل:
– لا تخف منهم، خف من الله فقط.. , هؤلاء الجرحى والقتلى مثواهم الجنة.
– عمي، الجنة التي لا أصل إليها إلا عن طريق الإعدام لا أريدها.. , خذها أنت.. , لا أريد جنة يطاردني بسببها عناصر الأمن ورفاق البعث.
قال فيصل بحماسة:
— خف من الله، لا من صدام والبعث .
أجاب أبو غني وهو يهز رأسه:
— المشكلة أن الناس يرفعون التقارير أسرع مما ترفع الملائكة الأعمال!
خرج راضي إلى الشارع محاولاً تدارك الموقف… ؛ كانت الجموع تموج كتيارات صاخبة يمنة ويسرة.. , تفرس في الوجوه؛ كانت مزيجاً غريباً لا يجمعه سوى ذلك الطبع العراقي الأزلي: التجمهر في الملمات والمصائب وكأنهم في نزهة عامة!
رأى “المطيرجي” و”القمرجي” يركضان جنباً إلى جنب مع المتدين والمصلي والصدري العقائدي.. الصالح والطالح، البقال بجوار الشاعر.. , العامل بجوار العاطل.. ؛ كان الشارع لوحة عراقية خالصة.
والكل يصرخ بذات الحنجرة: “الله أكبر!”.
ثم يختلفون بعد خمس دقائق على أولويات الهتاف…
صاح بهم راضي بقصد إنقاذ جاره: “شباب.. أبطال.. يا مجاهدون! والله العظيم صاحب السيارة غير موجود، والمفاتيح بحوزته.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!”
اقتنع القوم بالخدعة وصدقوه ، وحملوا جريحهم وتابعوا ركضهم صوب شارع الفلاح…
في العراق، أحيانًا تكفي نبرة الصوت أكثر من الحقيقة…
لكن أحد المتجمهرين من أبناء الشوارع المستهترين (“الخوشية”) التفت إلى راضي قائلاً:
– وشرفي إذا كنت تكذب علينا، إلا أن أنكح أختك على صدرك؟!
شعر راضي بالذهول والارتياح؛ فرغم قسوة الكلمات، إلا أنه نجح في إنقاذ قريبه وعائلته وسيارته من الهلاك المحتم… ؛ فضلًا عن ذلك، فإن أمه لم تلد له أختًا أصلًا … .
دخل البيت، فوجد فيصل ما زال يغزل نقاشه الديني اللاهوتي قائلاً: “سيسقط صدام بدماء السيد الصدر والشهداء”.
رد عليه أبو غني بتهكم مرير: “من (دبش) يسقط!
لو ينزل الله بعظمته ما يسقط هذا النظام ؟!
ترك راضي هذه النقاشات العتيقة التي لا تجدي نفعاً، ولا تغيّر شيئاً من الواقع.. , و أخذ أخويه ومشى بهما من قطاع ١٠ إلى قطاع ١٩.. , وبينما هو يمشي، صدمه مشهد آخر من مشاهد العبث الوجودي: مجموعة من الشباب كانوا يلعبون كرة القدم في الساحة الترابية في قطاع 15 ، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر معزول عن بركان المدينة…
كانت البلاد كلها تغلي…؛ أما المباراة فكانت بالنسبة إليهم نهائي كأس العالم…!!
وسمعهم:
– علي، سدّد الرمية جيداً.
– لا تخف، سوف نفوز على فريق قطاع ٢٥.
– أُخْ (الكحبة )دائماً تقول نفوز، ثم نخسر فيما بعد.
– (العن أبوك والعن أبو الطوبة… قندرة عتيكة على فريقنا وعلى فريق قطاع ٢٥ ويانه ) .
ولم تكد الشتيمة تنتهي حتى تشابك اللاعبان : عليّ مع صديقه حامد ، ثم تحول الأمر إلى معركة شوارعية طاحنة بين الفريقين ؛ لكمات وركلات وأحذية تتطاير من كل حدب وصوب، وعلا الصراخ والسباب.. , حين سمع “بعثيو” القطاع هذه الضوضاء والجلجلة، ظنوا أن انتفاضة مسلحة قد اندلعت ضد النظام في القطاع، فأقبلوا يهرولون مدججين بالسلاح…
وما إن رأى المتشابكون عناصر الحزب مقبلين ببنادقهم، حتى تفرقوا في لحظة وولوا الأدبار هاربين، تاركين كرة القدم وحيدة وسط الساحة الترابية.. ؛ كانت الكرة تقف هناك كشاهد أخرس على مهزلة الوجود والاجتماع البشري في هذه البلاد البائسة …
انحرف راضي عن مسار البعثيين حتى وصل إلى بيته مكدوداً… ؛ لم تمر دقائق حتى دخل عليه صديقه “سيد علي” لاهثاً ومتحمساً: “راضي، يجب أن لا نسكت بعد الآن!”
— “وماذا نفعل يا سيد؟”
— “نوزع منشورات ضد الطاغية ونظامه!”
أجابه راضي بيأس: “يا سيد علي، لا أعتقد أن هذا النظام الدموي سيهتز بورقة منشور”…
يا سيد … ؛ المنشورات لا تخيف الأنظمة الدكتاتورية والاجرامية … ؛ لكنها تمنح أصحابها رحلة مجانية إلى المعتقل أو مقصلة الاعدام .
ثم انطلقا معاً إلى جارهما “باسم” .
رغم بؤس المدينة المتهالكة وأسمال الفقر التي يرتديها الناس، كان “باسم” دائم الابتسامة، ضاحك الأسنان، فكان يبتسم ابتسامةً ثابتة حتى ظن الناس أن عضلات وجهه نسيت كيف تحزن… ولو قيل له إن القيامة ستقوم بعد ساعة، لأجاب وهو يضحك: “إن شاء الله تقوم بعد الغداء …؛ وكأنه يعيش في مسرحية كوميدية لا يسدل ستارها أبداً.. , كان يواجه عبث الواقع بعبث المضغ والضحك.
ما إن طرقا الباب حتى خرج إليهما بجثته الضخمة، حاملاً بين يديه صحناً كبيراً مليئاً بـ “التشريب” واللحم، ويداه ملطختان بالمرق الأحمر الطازج، وهو يقهقه: “أهلاً بكما! تفضلا.. الطعام ما زال ساخناً!”
تطلع إليه سيد علي بتقزز وقال: “باسم.. أنت بشر بلا مشاعر؟!”
عقد باسم حاجبيه بدهشة: “لماذا يا سيد؟ ماذا دهاك اليوم متغيراً علي؟”
— “السيد الصدر اغتيل ومات!”
أخذ باسم قضمته وقال ببرود: “إلى رحمة الله.. الموت حق. أبي وأبوك ماتا، وجدي وجدك ماتا.. هذه سنة الحياة”.
استشاط سيد علي غضباً وصرخ: “أي سنة حياة؟! تباً لهذه السنة! أقول لك الطاغية صدام قتل الصدر، وتقول لي الموت حق؟!”
تراجع باسم خطوة وقال متهكماً: “عمي أنا آسف، أنا مخطئ.. الموت ليس حقاً!
تباً للحق وتباً للباطل!
ما بالك تنفجر في وجهي وكأنني أنا من أطلقت النار على السيد الصدر ؟!
شتّان بيني وبين القتلة البعثية “.
قال سيد علي بنبرة مقاطعة حاسمة: “الظاهر أنك لا تستحي.. ؛ من الآن لا أعرفك ولا تعرفني!”
رد باسم وهو يعود لصحنه الشهي : “طز فيك!
خفة وراحة.. ؛ وكأن الهواء والماء سينقطعان عني إن لم أرك!
إلى الجحيم وبئس المصير”.
أراد راضي الهروب من هذه الأجواء المشحونة بالانقسامات والشجار ، فتوجه إلى منزل صديقه “طالب”… ؛ طرق الباب، فخرجت والدته العجوز “أم طالب” بوجهها البشوش: “أهلاً بك يا راضي، تفضل.. لقد جلبت لك ولطالب اليوم رماناً حلواً”.
– والنعم منك يا خالة.
سلم على طالب وجلسا معا .
بمجرد أن استقر بهما المجلس، التفت طالب إلى راضي وقال بملامح جادة للغاية:
“راضي.. منذ الصباح وحتى هذه اللحظة، رغبتي الجنسية مستعرة بشكل لا يطاق!
كان قضيبي منتصبًا كخشبةٍ تأبى الانكسار …
أنا بحاجة إلى النكاح الآن أكثر من أي وقت مضى… ؛ لو رأيت حماراً في طريقي لجامعته! لقد سئمت الكبت والاستمناء.. , بلغت الحادية والعشرين ولم أتزوج بعد!”
نظر إليه راضي بذهول وصرخ: “يا طالب!
الناس في الخارج في هرج ومرج، والبلاد تغلي بسبب استشهاد السيد الصدر، وأنت كل همك وشغلك الشاغل هو الجنس؟!”
أجابه طالب ببرود فلسفي وعينين غائرتين: “يا راضي.. , كل منا يبكي على ليلاه، ولكل امرئ ما يشغله من كبت وحرمان”.
قال راضي ممتعضاً: “أعلم ذلك.. ولكن ألا يهمك أمر الدين والبلد؟!”
هز طالب رأسه، وتناول رمانة وفلقها نصفين وهو يقول: “بلى يهمني.. ولكن ماذا بيدي أن أفعل؟
أقول كما قال عبد المطلب لـ أبرهة الحبشي: للبيت ربٌّ يحميه!”.
ثم تنهد طالب وقال:
— الناس لكل واحد منهم همٌّ يحمله فوق كتفيه… بعضهم يحمل همَّ الوطن، وبعضهم يحمل همَّ المستقبل، وبعضهم لا يفكر إلا في الزواج الذي تأخر… ؛ وبعضهم لا تشغله قضية، ولا يؤرقه شأن، سوى القضيب المنتصب والشبق الجنسي…
ضحك راضي رغم كل شيء…!!
ثم قال:
— غريب أمر العراقي…
إذا نزلت عليه المصيبة، أقام لها مجلسًا.
وإذا طال المجلس… بدأ يروي النكات.
نظر طالب من النافذة.
كان دخان الاطارات المحترقة لا يزال يتصاعد من بعيد.
أما أصوات الأطفال، فقد عادت تملأ الأزقة.
عندها أدرك راضي أن هذه البلاد تملك معجزة لا توجد في أي مكان آخر…
كلما اقتربت من البكاء…
وجدت من يضحكك.
وكلما ضحكت…
تذكرت أن سبب الضحك، في الحقيقة، كان مأساة…!!
ولعل قائل «شرِّ البلية ما يضحك» لم يكن إلا عراقيًّا؛ فما من أمةٍ اجتمع عليها من المفارقات ما اجتمع على العراق …