رياض سعد
**سلامٌ عليك أيها الورع**
بعضُ الراحلين لا يتركون خلفهم فراغًا، بل يتركون وطنًا من الحنين. وحين جاء الموت إليك، لم أشعر أنه انتصر، بل شعرت أنه جاء ليسترد أمانةً كانت أكبر من هذه الأرض.
كنتَ تمضي بين الناس بصمت السحاب؛ لا تُحدِث ضجيجًا، لكنك تترك وراءك مطرًا من الرحمة. لم تكن الأخلاق عندك موعظةً تُقال، بل حياةً تُعاش؛ تمدُّ يدك قبل أن يُطلب منك، وتستر عثرة الإنسان قبل أن يفضحها الناس، وتخفي معروفك كما تخفي الشجرة جذورها وهي تمنح الجميع ثمارها.
كنتَ تُنقص من عمرك لتزيد في أعمار الآخرين؛ تُطفئ جوعًا هنا، وتمسح دمعةً هناك، وتغرس في قلبٍ منكسر بذرةَ رجاء. حتى غدا حضورك طمأنينة، وغيابك سؤالًا موجعًا عن قسوة هذا العالم.
وحين بلغك ملك الموت، يخيل إليَّ أنه لم يقترب منك كما يقترب من سائر البشر؛ بل وقف بخشوع أمام روحٍ أنهكتها الرحمة، ثم حملها برفق، كمن يعيد قبسًا من النور إلى موطنه الأول.
رحل الجسد، أما أنت فلم ترحل. فما تزال تمشي في دعوات الأرامل، وفي ابتسامات الأيتام، وفي ذاكرة كل قلبٍ وجد عندك ملاذًا حين ضاقت به الحياة. فالأجساد يضمها التراب، أما الأرواح التي عاشت للناس فلا تعرف القبور؛ إنها تتحول إلى أثرٍ خالد، وإلى صلاةٍ لا تنقطع، وإلى ضوءٍ يرافق العابرين في عتمة الأيام.
سلامٌ عليك يوم جئت إلى الدنيا نقيَّ القلب، ويوم غادرتها خفيفًا من أوزارها، ثقيلًا بكنوز الإحسان. وسلامٌ عليك يوم استردتك السماء، بعد أن تركت في الأرض درسًا بليغًا: أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يتركه في قلوب الناس من رحمة، وفي ذاكرة الزمن من فضيلة.