ارفعوا الحصانة عن الرؤساء والنواب… فلا دولة بلا حساب..

ضياء المهندس

في الدول التي تحترم القانون، لا يكون المنصب العام درعًا يحتمي خلفه المسؤول، بل يكون مسؤولية ثقيلة تفرض عليه أعلى درجات النزاهة والشفافية. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الانتخابات، وإنما بقدرة الدولة على محاسبة أصحاب النفوذ قبل محاسبة المواطنين العاديين.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن أخطر ما يهدد الدولة ليس الفساد وحده، بل وجود منظومة سياسية وقانونية تجعل كبار المسؤولين بمنأى عن المساءلة، بينما يُحاسب صغار الموظفين على أبسط الأخطاء. وعندما تتحول الحصانة إلى وسيلة للإفلات من العقاب، فإنها تفقد معناها الدستوري، لأن الغاية الأصلية منها هي حماية العمل التشريعي والسياسي من الكيدية، لا حماية الفاسدين من العدالة.

إن رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس النواب، وكل من يتولى منصبًا عامًا، هم موظفون مؤتمنون على أموال الشعب وحقوقه ومستقبل أجياله. وإذا ثبت بالأدلة ارتكاب أي منهم جرائم فساد مالي أو إداري، أو إساءة استعمال السلطة، أو الإضرار بالمصلحة العامة، فلا يجوز أن تبقى الحصانة عائقًا أمام القضاء. فالمساواة أمام القانون هي أساس الدولة الحديثة، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية إذا كان القانون يطبق على الضعفاء ويتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ.

إن غياب المحاسبة يفتح الباب أمام نهب المال العام، ويشجع على تكرار التجاوزات، ويزرع اليأس في نفوس المواطنين الذين يشعرون بأن العدالة أصبحت انتقائية. أما عندما يرى الشعب أن القضاء يلاحق كل من تثبت إدانته مهما كان منصبه، فإن ذلك يعيد الثقة بالدولة ويعزز هيبتها ويؤكد أن السلطة تكليف لا تشريف.

لقد شهد العالم الديمقراطي محاكمات لرؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء ونواب، ولم يؤد ذلك إلى انهيار أنظمته، بل زادها قوة واحترامًا. فالدولة التي تحاسب كبار مسؤوليها هي دولة تحمي نفسها من الفساد، بينما الدولة التي تمنحهم حصانة دائمة تتحول تدريجيًا إلى دولة رخوة، تتغلب فيها المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.

إن العراق اليوم بحاجة إلى إصلاح تشريعي وقانوني يعيد تعريف الحصانة بوصفها ضمانة لممارسة الواجبات الدستورية، لا ملاذًا للهروب من العدالة. كما يحتاج إلى قضاء مستقل يمتلك الإرادة والقدرة على فتح جميع ملفات الفساد دون تمييز أو انتقائية، واسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة كل من اعتدى على المال العام.

إن المعركة الحقيقية ليست بين الأحزاب، ولا بين الحكومة والمعارضة، وإنما بين دولة القانون ودولة الفوضى. فإما أن ينتصر مبدأ العدالة، وإما أن يستمر نزيف الفساد وتتآكل ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

إن العراق لن ينهض ما دام الفاسد يشعر بأنه فوق القانون، ولن تستقيم الديمقراطية إذا بقيت المناصب العليا تتمتع بحصانة تمنع الوصول إلى الحقيقة. لذلك فإن الرسالة التي يجب أن يسمعها الجميع هي:

لا حصانة أمام الفساد… ولا أحد فوق القانون.

فإذا ثبتت الإدانة، يجب أن يخضع أي مسؤول للمحاسبة، مهما كان موقعه أو نفوذه أو انتماؤه السياسي. عندها فقط يمكن للعراقيين أن يؤمنوا بأن دولتهم تسير نحو العدالة، وأن القانون أصبح سيد الجميع، وأن المال العام لم يعد مباحًا لحيتان الفساد، بل أصبح أمانة يحميها القضاء وتحرسها إرادة الشعب.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي