جديد

( اراء حرة ){إستراتيجية تسليح الجيش العراقي بعد عام 2003 بين متطلبات الأمن القومي وتأثير عدم الاستقرار السياسي في كفاءة الإنفاق الدفاعي}

عماد ياسين الزهيري

١.المقدمة
لا تُبنى الجيوش بعقود التسليح وحدها، بل تُبنى برؤية وطنية مستقرة تجعل من كل دينار يُنفق استثمارًا في الأمن القومي، لا مجرد نفقة في الموازنة العامة بل قوة وقدرة تحمي العراق ووحدته وتمكن القيادة السياسية بخيارات استراتيجية للدفاع عن العراق ووحدته ومصالحه الحيوية وامنه القومي ولقد أنفق العراق خلال العقدين الماضيين موارد مالية كبيرة لإعادة بناء قواته المسلحة، إلا أن التحدي الحقيقي لم يكن في حجم الإنفاق، بل في قدرة الدولة على تحويل هذا الإنفاق إلى قوة ردع مستدامة.
٢.أعتقد أن هذه الدراسة يمكن أن تكون من أهم الدراسات الموجهة لصانع القرار العراقي إذا صيغت بعيداً عن النقد الناقم والغير منتج مع التركيز على الكفاءة الاقتصادية والعسكرية
حيث شهد العراق منذ عام 2003 واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء الجيوش في الشرق الأوسط، وأنفق عشرات المليارات من الدولارات على إعادة تشكيل القوات المسلحة وتسليحها وتجهيزها، إلا أن حجم الإنفاق لم ينعكس بصورة متناسبة على بناء قوة عسكرية تمتلك قدرة ردع إقليمي متكاملة وتشير تجارب الدول إلى أن نجاح برامج التسليخ لا يقاس بحجم الأموال المصروفة، وإنما بمدى وجود رؤية إستراتيجية مستقرة، وعقيدة عسكرية واضحة، وخطط تسليح تمتد لعقود وفريق عمل منسجم وهو ما تعرض للاهتزاز نتيجة التغيرات السياسية المتكررة وتبدل الأولويات مع بعض التدخلات السياسية في هذا الملف الحساس
٣.أرقام لا يمكن تجاهلها حيث تجاوزت الموازنات العامة العراقية بعد عام 2003 مئات المليارات من الدولارات وخصصت الحكومات العراقية المتعاقبة مبالغ كبيرة لوزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية وأعيد بناء الجيش العراقي من الصفر تقريبًا، مع شراء آلاف الآليات والمدرعات والعجلات العسكرية والطائرات والمروحيات ومنظومات التسليح المختلفة بطريقة غير منهجية وعدم وجود خطة متكاملة لجميع قيادة الاسلحة والصنوف وأصبح العراق من أكبر مستوردي السلاح في المنطقة خلال عدد من السنوات وفق تقارير معاهد دولية متخصصة ورغم ذلك، ما زالت بعض القدرات الإستراتيجية الأساسية غير مكتملة، وفي مقدمتها القوة الجوية والدفاع الجوي المتكامل، والرصد بعيد المدى، والصناعة الدفاعية الوطنية والمشكلة الحقيقية ليست نقص الأموال وإن المشكلة الأساسية لا تتمثل في محدودية الإنفاق، بل في غياب الإستراتيجية المستقرة فالدول التي تمتلك رؤية ثابتة تستطيع تحقيق نتائج كبيرة بموارد أقل، بينما يؤدي تغير الأولويات إلى انخفاض العائد العسكري لكل دولار يُنفق.
٤.كيف يؤثر عدم الاستقرار السياسي في التسليح حيث ان كل تغيير حكومي يؤدي غالبًا إلى:
أ.مراجعة العقود.
ب.تغيير أولويات التسليح.
ج.تأجيل المشاريع.
د.إعادة توزيع الموارد.
هـ.تبدل الشركاء الدوليين.
د.فقدان التراكم المؤسسي.
والنتيجة هي ارتفاع الكلفة وانخفاض الكفاءة.
٥.مؤشرات الهدر الإستراتيجي
الهدر لا يقتصر على الفساد المالي، بل يشمل الفساد الاداري والاستحواذ على القرار الرئيسي او التملص والهروب من المسؤولية بسبب عدم وجود غطاء قانوني يحمي الوزارة وحصر الصلاحيات بيد الوزير بسبب عدم اقرار قانون وزارة الدفاع كما يمكن ان يكون الهدر بسبب.
أ.شراء منظومات لا تندمج مع بقية الأسلحة.
ب.تعدد مناشئ التسليح.
ج.ارتفاع كلفة الصيانة.
د.تعدد أنواع الذخائر.
هـ. ضعف التدريب التخصصي.
و. تأخر وصول قطع الغيار.
ز.توقف بعض المعدات لفترات طويلة.
ح.انخفاض الجاهزية العملياتية.
وهذا النوع من الهدر قد يستمر لسنوات حتى دون وجود مخالفات قانونية.
٥.تعدد مصادر السلاح… ميزة أم عبء؟
يمكن امتلاك منظومات من مصادر أمريكية وروسية وأوروبية وآسيوية يمنح مرونة سياسية، لكنه يفرض تحديات كبيرة في.
أ.التدريب.
ب.الصيانة.
ج.البرمجيات.
د.الذخائر.
هـ.سلاسل الإمداد.
د.إدارة المخزون.
ولهذا تميل الجيوش الحديثة إلى تقليل عدد مصادر التسليح الرئيسية ونقل وتوطين الخبرة في ادامة وتطوير تلك الاسلحة
٧.فجوات القوة والقدرة العسكرية
رغم التطور الملحوظ في بعض القدرات، فإن الأمن القومي العراقي يتطلب استكمال منظومات رئيسية، من أبرزها.
أ.الدفاع الجوي متعدد الطبقات.
ب.الإنذار المبكر.
ج.القيادة والسيطرة.
د.الحرب الإلكترونية.
هـ. الاستطلاع الفضائي والجوي.
و. التصنيع العسكري.
ز.الأمن السيبراني.
إن امتلاك معدات قتالية متطورة دون هذه المنظومات يقلل من القيمة العملياتية للاستثمار الدفاعي.
٨.ما الذي تفعله الدول الناجحة؟
تعتمد الدول التي بنت جيوشًا فعالة على عدد من المحاور وأهمها
أ.إستراتيجية تسليح تمتد من 15 إلى 20 سنة.
ب.ثبات الأولويات بغض النظر عن تغير الحكومات.
ج.خطط تطوير وتحديث دورية ومحسوبة بدقة في العقود .
د. توطين الصناعات الدفاعية عراقيا .
هـ.إدارة احترافية لدورة حياة المعدات وتأسيس شركات اختصاصية في هذا المجال .
٩.الكلفة الحقيقية لغياب الاستقرار السياسي في ادارة ملف عقود التسليح والتجهيز والتدريب .
لا تقتصر الخسائر على الأموال المصروفة، بل تشمل:
أ.ضياع سنوات من البناء.
ب.انخفاض الجاهزية.
ج. ضعف الردع او انعدامه
د.زيادة الاعتماد على الخارج.
هـ.ارتفاع كلفة الصيانة مستقبلاً.
و. فقدان الخبرات الوطنية.
وهذه الخسائر قد تتجاوز قيمتها المالية المباشرة.
١٠.نحو إستراتيجية وطنية للتسليح
ينبغي اعتماد وثيقة وطنية ملزمة تتضمن.
أ.تحديد التهديدات الإستراتيجية الحالية والمحتملة
ب.تحديد العقيدة العسكرية وانصح بابني عقيدة عسكرية دفاعية تعرضية .
ج. أولويات التسليح لعشرين سنة.
د. حماية مشاريع التسليح من التقلبات السياسية.
هـ.إنشاء مجلس أعلى للتسليح والتجهيز والصناعة مع صندوق مالي مستقل مدعوم من ايرادات ثابتة من جميع موارد الدولة وعدم الاعتماد على واردات النفط فقط
و. اعتماد مؤشرات أداء لقياس كفاءة الإنفاق الدفاعي.
ز. رفع نسبة التصنيع العسكري المحلي تدريجيًا.
ح. توحيد معايير التسليح والصيانة والذخائر.
١١.الخاتمة / رسالة إلى صانع القرار
إن قوة الجيش لا تُقاس بعدد العقود ولا بحجم الإنفاق، وإنما بقدرته على الردع، واستدامة جاهزيته، وكفاءة استخدام موارده.إن كل دولار يُنفق خارج إطار إستراتيجية وطنية مستقرة يفقد جزءًا من قيمته العسكرية، بينما تتحول الإستراتيجية طويلة الأمد إلى قوة مضاعفة تجعل الموارد المحدودة تحقق نتائج أكبر.
إن العراق يمتلك الإمكانات المالية والبشرية لبناء جيش إقليمي متطور، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من إدارة التسليح بمنطق الحكومات المتعاقبة إلى إدارة وطنية مؤسسية تستند إلى رؤية إستراتيجية ثابتة، تجعل الأمن القومي فوق الاعتبارات السياسية الآنية كما ان ذلك يمكن تحقيقة بانتخاب فريق عمل من الضباط الذين خاضوا الكثير من الحروب والمعارك والذين تدرجوا في مناصب الامرة والقيادة وساعدهم توصيفهم الوظيفي وخبرتهم على فهم كامل لمتطلبات الحرب الحالية او القادمة والتي تسهل عليهم تقديم المشورة الصحيحة الى صانع القرار ( القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ورئيس اركان الجيش )
ومن الله التوفيق والنجاح
الفريق ق خ الركن الدكتور
عماد ياسين سيد سلمان
الزهيري