40 نشاطاً ميدانياً… وحدات المقاومة تحوّل دفن خامنئي إلى إعلان مرحلة جديدة

لم يكن إعلان وحدات المقاومة تنفيذ 40 نشاطاً ميدانياً في طهران ومدن شاهين شهر، ساري، زاهدان، جرجان، رشت، أراك، همدان، كرمانشاه، بروجرد، مشهد، أصفهان وشيراز، مجرد رقم يضاف إلى سجل المواجهة اليومية مع نظام ولاية الفقيه. الأهم في هذه العملية الواسعة هو توقيتها ورسالتها السياسية. فقد جاءت بعد دفن جثة خامنئي، في اللحظة التي أراد فيها النظام أن يقول إن مرحلة جديدة من التماسك بدأت، فإذا بوحدات المقاومة تحوّل المناسبة إلى إعلان معاكس: دفن خامنئي لا يعني تثبيت النظام، بل بداية تسارع جديد لمسار الانتفاضة والإسقاط.
الدلالة الأولى لهذه الأنشطة أنها كسرت صورة السيطرة الأمنية. فالنظام كان في ذروة الاستنفار، بعد أسابيع من الحرب والتوتر، وبعد جنازة ضخمة جرى تسويقها كدليل على القوة والوحدة. ومع ذلك، ظهرت رسائل المقاومة في مدن متعددة، وعلى امتداد جغرافي واسع، بما يعني أن جهاز القمع، رغم حضوره الكثيف، لا يستطيع إغلاق كل المساحات. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الصراع لم يعد يدور في مركز واحد، بل في شبكة مدن ومناطق وساحات رمزية.
الدلالة الثانية تكمن في مضمون الشعارات. فقد جمعت الرسائل بين رفض نظام الملالي ورفض عودة الشاه، وبين تأكيد مطلب الجمهورية الديمقراطية. هذا مهم جداً، لأنه يغلق الطريق أمام محاولتين متوازيتين لمصادرة مستقبل إيران: محاولة النظام تقديم نفسه كخيار وحيد في مواجهة الفوضى، ومحاولة تيار الشاه تقديم الماضي كبديل عن الحاضر. في المقابل، تقول وحدات المقاومة إن الشعب لا يريد عمامة ولا تاجاً، بل دولة ديمقراطية تستند إلى سيادة الشعب.
أما الدلالة الثالثة فهي ربط الغضب الشعبي بقيادة سياسية واضحة. فرفع رسائل مريم رجوي، والتحية لرجوي، والتأكيد على وحدات المقاومة وجيش التحرير، كلها عناصر تقول إن ما يجري ليس مجرد احتجاج عفوي على دفن خامنئي، بل فعل سياسي منظم له ذاكرة، وقيادة، ومشروع. وهذا ما يخشاه النظام أكثر من أي شيء آخر؛ لأن الاحتجاج العفوي يمكن محاصرته مؤقتاً، أما التنظيم فيحوّل الغضب المتراكم إلى مسار مستمر. ومن هنا يصبح النشاط الميداني رسالة إلى الداخل والخارج معاً: هناك قوة قادرة على البقاء، والتوسع، وفرض حضورها رغم القمع.
كما أن انتشار الشعارات في مدن مثل مشهد وأصفهان وطهران وزاهدان وكرمانشاه يثبت أن ما بعد خامنئي ليس مرحلة صمت اجتماعي. فالمجتمع الإيراني، المضغوط بالفقر والإعدامات والبطالة وانهيار الثقة، لا ينتظر حلولاً من الحرب الخارجية ولا من طاولات المفاوضات. هذه الأنشطة تعيد تثبيت المعادلة التي تحاول السلطة إخفاءها: مصير إيران سيُحسم في الشارع الإيراني، لا عبر القصف، ولا عبر الصفقات، ولا عبر إعادة إنتاج دكتاتورية الشاه.
من هنا، فإن أهمية الأربعين نشاطاً لا تكمن فقط في عددها، بل في أنها جاءت كرسالة استراتيجية في لحظة سياسية حساسة. لقد أراد النظام أن يجعل دفن خامنئي نهاية رمزية لمرحلة اضطراب، لكن وحدات المقاومة جعلته بداية رمزية لمرحلة تصعيد. وبين جنازة حاولت السلطة تحويلها إلى بيعة، وشوارع كتبت «لا للشاه ولا للملالي»، يظهر مستقبل إيران كما تريده قواه الحية: جمهورية ديمقراطية، ومقاومة منظمة، وشعب يستعيد قراره من قبضة الاستبداد.