الإمام زيد ثورة الضمير التي لا يطويها الزمن
بقلم: عفاف فيصل صالح
لم يكن الإمام زيد بن علي عليه السلام رجلًا عبر في صفحات التاريخ ثم غاب، بل ضوءًا انبثق من مشكاة النبوة وصوتًا صدح بالحق حين خفتت الأصوات، وقلبًا حمل همَّ الأمة قبل أن يحمل همَّ نفسه. وحين نقف أمام سيرته، نقف بخشوعٍ يليق بعظمة الموقف إذ تعجز الكلمات عن احتواء رجل جعل من حياته رسالةومن دمه منارة ومن شهادته ميلادًا جديدًا لمعنى الكرامة.
خرج الإمام زيد من وحي القرآن، يحمل يقينًا لا تزعزعه العروش، وإيمان لا تهزمه السيوف. لم يكن طالب سلطان، ولا باحثًا عن جاه، وإنما رأى أن السكوت على الظلم خيانة للحق وأن الإصلاح مسؤولية لا يجوز الفرار منها. فكانت نهضته صرخةً مدوية في وجه الجور، وإعلانًا خالد أن الحق لا يقاس بعدد أنصاره وإنما بصدق أصحابه.
لقد جسد الإمام زيد أسمى معاني التضحية حين آثر طريق الشهادة على حياةٍ يظللها الصمت فصار اسمه عنواناًلكل حر ورمزاً لكل من رفض أن يبيع دينه أو كرامته بثمن من الدنيا. ولم تستطيع محاولات طمس أثره أن تطفئ نوره، بل كان كلما أرادوا دفن ذكراه، أزهرت سيرته في القلوب، وانتشرت مبادئه في العقول وأصبح مدرسةً تتوارثها الأجيال.
أعظم ما يميز الإمام زيد أنه علَّم الأمة أن الإصلاح يبدأ من صدق الإنسان مع ربه، وأن الثبات على المبادئ أعظم من المكاسب الزائلة، وأن الكرامة لا تُمنح، بل تُصان بالإيمان والصبر والعزيمة. ولذلك بقيت ثورته حيَّةً في الضمير الإسلامي، لأنها ثورة قيم قبل أن تكون ثورة سيوف.
وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تستلهم من سيرته معاني الوعي والعدل والبصيرة والصبر، والإخلاص، وأن تجعل القرآن ميزانًا لكل موقف، وأن ترفض الظلم أيًّا كان مصدره.
سلام على الإمام زيد بن علي يوم وُلد، ويوم جاهد مخلصًا لله، ويوم ارتقى شهيدًا، ويوم بقيت مبادئه نبراسًا للأحرار. وسلامٌ على كل قلبٍ جعل من الحق منهجًا، ومن العدل غاية، ومن الكرامة طريقًا لا يحيد عنه مهما اشتدت المحن وتعاظمت التضحيات. فالعظماء لا يغيبون برحيل أجسادهم، وإنما يخلدون بما غرسوه من قيم، وبما تركوه من أثرٍ يهدي الأجيال إلى طريق العزة والحق.
#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة