الكفر اللفظي والطعن بالمقدسات رأس الشر وآفة الآفات

الكفر اللفظي والطعن بالمقدسات رأس الشر وآفة الآفات

قال تعالى : (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ).

أحمد الحاج جود الخير
حدث بالأمس القريب وبعيد صلاة العشاء مباشرة أن سمعت “كفرا لفظيا” بحق الذات الإلهية المقدسة استمر لدقائق عدة بأعلى صوت وبأقذع العبارات وأبشع الألفاظ ،وبما اقشعرت من هوله الأبدان ،وشابت لفظاعاته الولدان في واحدة من المناطق المكتظة وسط العاصمة بغداد، كل ذلك عيانا بيانا وسط جمع غفير من الناس من دون أن ينبس أي منهم ببنت شفة ، بل وقد تسمر معظمهم في أماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير ، فيما اكتفى المستهجنون والممتعضون بالتأتأة “تؤ تؤ تؤ “بصوت خفيض وعلى استحياء عبر الشفاه وكأن ألسنتهم المثرثرة السليطة قد أخرست، أفواههم التي لا تكف عن الغيبة والنميمة ،ولا عن القيل والقال طوال اليوم قد ألجمت، قلوبهم القاسية في التعامل مع جل من حولهم قد خارت وجَبُنَت،أبصارهم الحادة التي ترصد كل شاردة وواردة من حولها وعلى حين غفلة قد زاغت، سهام بصائرهم الثاقبة المصوبة تجاه معظم خصومهم ومنافسيهم قد طاشت، أذهانهم المتوقدة قد تشتت من هول ما رأوا وما سمعوا ، في وقت لو أن أحدا قد شتمهم ،أو هجا شيخ عشيرة أي منهم ، أو نال من أحد أقاربهم،أو تعرض بسوء الى أي رمز من رموزهم، أو أي واحد من مراجعهم ،لقلبوا الدنيا ولم يقعدوها في العالمين الحقيقي والافتراضي على سواء ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم …
وتأسيسا على ما تقدم فها أنذا أحمل الإعلاميين والكتاب والمفكرين والدعاة والتربويين وخطباء الجمعة كافة أمانة الحديث عن موضوع”الكفر اللفظي ” ولاسيما في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات فضلا على صلاة الجمع والجماعات ولو ضمن الخطبة الثانية ، فيما سأكتب سلسلة مقالات لن أتوقف عنها إلا في حال صدور قرار رسمي ملزم يلاحق هذه الظاهرة الخطيرة ويجتث شأفتها ،ويقطع دابرها ، ويوقف سلسلتها نهائيا ، والله ولي التوفيق .
وكل ما ذكر هو غيض من فيض ، وقد حذر علماؤنا الأعلام من الجلوس مع المستهزئين بآيات الله تعالى وبشريعته وأنبيائه، ومثلها الاستئناس بآرائهم ومؤاكلتهم ومسامرتهم وصحبتهم، ولا بد من اصدار قانون حازم يصوت عليه مجلس النواب وتصادق عليه رئاسة مجلس الوزراء للضرب على أيدي من يسب ويشتم المقدسات والرموز الدينية للحد من هذه الظاهرة المقيتة وكبح جماحها وبالأخص بعد استشرائها بفعل مواقع التواصل ومنصات السوشيال ميديا ،والفضاء السيبراني .
المشكلة أن الواقعة الآنفة ليست جديدة في بابها ولا نادرة في حدوثها ليقال “إن العبرة بالغالب الشائع ، لا بالقليل النادر” فقبل ذلك بأيام قلائل شهدت واقعة مماثلة لا تقل بشاعة عن سالفتها ، وبما أجدني مضطرا لإخباركم بها والأسى يعتصر قلبي، ويخبث خاطري، ويضعني أمام مسؤولية كبرى لا حياد عنها ولا مهرب،ففي أحد الأزقة الشعبية وإثناء مروري بها عرضا وإذا بي أسمع شخصا يسب الله تعالى بعد أن تعرض ورفاقه الى الضرب المبرح فصدمت أيما صدمة، وقبلها بأيام قليلة سمعت بأذني من يسب الله تعالى أيضا مع الفارق في أن هذا الساب كان يمزح مع ثلة من اصدقائه ولم يكن في حالة غضب أفقدته صوابه وإنما على النقيض من ذلك تماما فلقد كان الموما إليه في غاية الفرح والغبطة والسرور، وعلى هذا المنوال وعلى مدار عقود في كل يوم تقريبا وأنا أسمع في طريقي الى عملي، في الأسواق والمدارس، في المقاهي والكافيهات ، في وسائط النقل المختلفة ، من يسب الذات الالهية المقدسة ويتعرض الى الرموز الدينية بسوء، من دون أن يتعرض أي منهم الى أدنى محاسبة لا شرعية ولا قانونية ولا مجتمعية وكأن شيئأ ما كان ولم يكن، وأنا على يقين تام بأن المتورطين ما كانوا ليتجرأوا على فعل ذلك ولو بالحد الادنى لو أن القوانين والتشريعات النافذة كانت بمستوى الجرم المرتكب ، ولو أن الاجراءات التنفيذية الرادعة كانت بمستوى الظاهرة، وأعود لأكرر بأن بعض الشخصيات لو شتمت لوجدت انصارهم وقد شمروا عن ساعد الجد وتدخلوا طواعية ومن دون ابطاء للرد والانكار والادانة مع مطالبة الجهات المختصة بزج المتورطين في غياهب السجون ليلقوا جزاءهم العادل، وأذكر وقبل أن يستفحل هذا الداء الوبيل أكثر فأكثر وبما لا تحمد عقباه ، بما تيسر لي جمعه من أقوال الفقهاء وفتاوى العلماء بهذا الشأن وبايجاز:
يقول ابن قدامة المقدسي (من سب الله تعالى كفر، سواء أكان مازحا أم جادا، وكذلك من استهزأ بالله أو بآياته أو برسله أو كتبه) كتاب المغني 12 / 298-299.
ويقول الإمام النووي (والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء صريح بالدين) كتاب الردة 10/64.
ولقد نص كثير من العلماء على أن من يقع في مثل هذه الكبائر فعليه أن يندم بقلبه ، وأن يستغفر كثيرا بلسانه ، وأن يتوب الى الله تعالى توبة نصوحا مع عقد العزم على عدم العودة إلى الذنب مجددا في قابل الأيام ، وأن يندب نفسه للتحذير من الظاهرة ، كفارة لما مضى منه ، وإن الحسنات يذهبن السيئات .
والحق يقال بأن موضوع سب الذات الالهية موضوع يبعث على الأسى والحزن الكبيرين وعادة ما تعلو المطالب بكبح جماح الظاهرة بين الحين والآخر ثم لا تلبث أن تنسى وتطوى وتصبح في ضمير الغيب ليغض عنها الطرف ردحا من الزمن، قبل أن يعاد طرحها مجددا وهلم جرا ،إلا أن حلا جذريا فاعلا ونهائيا لم يطرح حتى كتابة السطور للقضاء على آفة “سب الذات المقدسة والكتب السماوية والتعرض للرسل والانبياء والمقدسات بسوء”،وإجتثاث شأفتها من الجذور والى غير رجعة .
الأدهى أن بعض الكفر اللفظي يكون على سبيل المزاح و التفكه والتندر والنكتة، وفي بعضها الآخر نتيجة التوتر والغضب المقلق والمغلق ، ولطالما تساءل العراقيون” متى تكشف الغمة عن هذه الأمة إذا كانت ظاهرة الكفر اللفظي تزداد تعقيدا وانتشارا يوما بعد آخر ولاسيما بين السوقة وسقط المتاع والغوغاء والدهماء وأصدقاء السوء والمراهقين من دون حل يذكر ؟! ذاك أن أمة تسب الله خالقها علنا ومن دون رادع ،ولا وازع من ضمير ولا عرف ولا خلق ولا قانون ولا دين ، فإنها لن تُنصر ، لن تُرزق ، لن تَنهض ، لن تتعافى ، لن تستقر ولن يبارك الله فيها، وسيُسأل صالحوها قبل سؤال فاسيدها ومفسديها عن الأسباب التي دعتهم إلى الركون والسكون والسكوت حيالها “.

الظاهرة المريبة في التشريعات والقوانين العربية
قال الخبير القانوني طارق حرب ، قبيل وفاته رحمه الله تعالى ،وفي تصريح له عام 2020 بأن” المادة (42) من قانون العقوبات العراقية تنص على حبس كل من يمس الذات الإلهية ،أو ينال منها بالسب ،أو بالتقليل منها”، مضيفا ،بأن “العقوبة تنطبق على كل من يمس أو يسب رمزا دينيا لأي جماعة أو ديانة بالعراق أو يحاول النيل منها وبما يصل الى الحبس مدة قد تصل الى أكثر من سبع سنوات “.

بدوره عالج القانون المغربي المسألة ضمن نصوص القانون الجنائي الواردة في باب الجرائم المتعلقة بالعبادات والتي تضم الفصول من 220 – 223 من القانون وفقا للقانوني المغربي عبد المالك زعزاع.

أما في مشروع القانون الجديد وبحسب وزارة العدل والحريات المغربية فلقد صدر حكم نصه “يعاقب بالحبس من سنة – خمس سنوات ، وفرض غرامة من 20 ألف درهم إلى 200 ألف درهم بحق كل من قام بالسب أو القذف أو الاستهزاء أو الإساءة إلى الله” مهما كانت الوسائل المستعملة في ذلك.

في القانون السعودي ووفقا للمادة رقم( ٩ ) فإنه يعاقب من يقوم بسب الذات الإلهية أو الدين أو الرسل بالسجن مدة لا تقل عن ٧ سنوات ،أو دفع غرامة مالية وقدرها ٥٠٠ ألف ريال سعودي على أن لا تزيد عن ٢ مليون ريال سعودي أو بالعقوبتين .

قانون العقوبات الأردني نص في المادة (٢٧٣) ” على أنه من ثبتت جرأته على إطالة اللسان علناً على أرباب الشرائع من الأنبياء يحبس من سنة الى ثلاث سنوات ” فيما تنص المادة (٢٧٨) من القانون على أن إهانة الشعور الديني (والتي تشمل سب الذات الالهية) يعاقب فيها بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تزيد عن عشرين ديناراً” .

وهكذا تتباين القوانين العربية بين المتساهلة والمتشددة في قضية التعرض للذات الالهية والرموز والمقدسات ،مع اتفاقها تقريبا على أن كل من يسب الحاكم ملكيا كان أو جمهوريا ” فإن جلده يذهب الى الدباغ “، ولو كان في حالة سكر،أو نوبة غضب شديد مغلق ، أو في حالة هلوسة، أو لخلل عقلي واضطراب نفسي تام ،ولابد من تفعيل القوانين الرادعة ،والأهم هو انفاذها وتطبيقها على أرض الواقع وعدم التساهل بها ولا التعامل معها على أنها مجرد حبر على ورق، لأن القوانين التي لا يصار الى تفعيلها واقعا فإنها مجرد هباء ،ووجودها من عدمها سواء .
ولله در الشاعر والفيلسوف محمد اقبال، القائل في قصيدته ”حديث الروح“:
إذَا الأيِمَانُ ضَاعَ فَلَاَ أَماَن ..وَلَاَ دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحيِّ دِيْنَا
وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغِيْرِ دِيْنٍ ..فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ لَهَا قَرِيْنَا

أودعناكم أغاتي