عندما تتحول كرة القدم إلى مباراة كرة يد!

من المفترض أن كرة القدم هي الرياضة التي تحتفل بالمهارة، والتمريرات الساحرة، والمراوغات التي تُسحر العيون، والأهداف التي تُكتب في ذاكرة الجماهير. لكنها، في الكثير المباريات، تتحول إلى عرض عبثي يختفي فيه كل هذا الجمال، ليحل محله مهرجان من الركلات المتعمدة، والأكواع الخفية، وشد القمصان، والاعتراضات الصاخبة، ولمسات اليد التي يحاول أصحابها إقناع العالم بأنها مجرد صدفة بريئة.
المؤسف أن غالبية اللاعبين لا يدخلون الملعب لإثبات أنهم الأفضل في لعب كرة القدم، بل لإثبات أنهم الأكثر قدرة على تعطيلها. فإذا عجزوا عن إيقاف المهاجم بالسرعة، أوقفوه بالعرقلة. وإذا لم تنجح العرقلة، جاء الدور على شد القميص. وإذا استمرت الهجمة، ظهرت الأكواع والدفعات والتدخلات المتهورة، حتى يصبح السؤال الحقيقي: أين الكرة وسط كل هذه الفوضى؟
الأكثر سخرية أن من يرتكب المخالفة يكون غالبًا أول المحتجين على قرار الحكم. يرفع يديه، ويهز رأسه، ويتظاهر بالدهشة، وكأنه لم يقضِ الثواني السابقة وهو يحاول اقتلاع ساق منافسه بدلًا من افتكاك الكرة. يبدو أن بعض اللاعبين يعتقدون أن كثرة الاحتجاج قد تمحو ما سجلته الكاميرات، وأن الصراخ أعلى من الحقيقة.
ثم تأتي المدرسة التي تستحق تغيير اسم اللعبة من أجلها. مدرسة تؤمن بأن القدم ليست الوسيلة الوحيدة، وأن اليد يمكن أن تؤدي المهمة أيضًا إذا غفل الحكم للحظة. يتحول قانون اللعبة عندهم إلى اقتراح، والالتزام بالأخلاق الرياضية إلى خيار يمكن تجاهله متى اقتضت مصلحة النتيجة. وما إن تنكشف المخالفة حتى تبدأ حفلة التبريرات، وكأن الخطأ يصبح إنجازًا إذا انتهى بهدف.
أما العنف، فقد أصبح عند بعض اللاعبين لغة يتحدثون بها بطلاقة. تدخلات لا تستهدف الكرة بقدر ما تستهدف الكاحل، والتحامات لا علاقة لها بالمنافسة، وسلوكيات لا تضيف إلى المباراة سوى التوتر والإصابات والبطاقات. والأسوأ أن هناك من يحتفي بهذه التصرفات، وكأن إيذاء المنافس دليل شجاعة، بينما هو في الحقيقة اعتراف صريح بالعجز عن الفوز بالمهارة.
الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها بسيطة جدًا: اللاعب الذي يحتاج إلى المخالفة ليوقف منافسه، يعترف ضمنيًا بأن منافسه أفضل منه. والذي يحتاج إلى الخداع ليسجل هدفًا، يعلن أن موهبته لم تكن كافية. والذي يجعل العنف جزءًا من أسلوبه، لا يفرض هيبته، بل يكشف حدود قدرته.
كرة القدم لم تصبح اللعبة الشعبية الأولى لأن الناس يحبون مشاهدة الإصابات أو المشاجرات أو التمثيل أو الغش، بل لأنها كانت دائمًا احتفالًا بالإبداع والمهارة والاحترام. وكل لاعب يحاول تحويلها إلى مباراة كرة يد، أو إلى حلبة مصارعة، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات، لا يسيء إلى منافسه فقط، بل يسيء إلى اللعبة نفسها وإلى الملايين الذين أحبوها لأنها كانت أجمل من ذلك بكثير.

علي جاسم ياسين