جديد

الشرق الأوسط الجديد… لماذا أصبحت القوة الشيعية في قلب الصراع؟

✍️ خالد الغريباوي

لا تُصنع خرائط الشرق الأوسط في ساحات القتال وحدها، بل تُرسم أولًا في مراكز الدراسات الاستراتيجية، ثم تُترجم إلى سياسات، وتحالفات، وعقوبات، وحروب. ومن هذا المنطلق، يرى المنظور السياسي الشيعي أن ما تشهده المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ليس مجرد أزمات متفرقة، بل عملية مستمرة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما ينسجم مع رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل لمعادلات الأمن والتوازنات الجيوسياسية.

وفي هذه القراءة، لا يُقصد بمفهوم “الشرق الأوسط الجديد” مجرد إعادة رسم الحدود، بل إعادة توزيع عناصر القوة والنفوذ، بحيث تصبح إسرائيل القوة الإقليمية الأكثر تفوقًا، وتُحاصر أو تُضعف القوى التي تمتلك القدرة على بناء توازن ردع أو معارضة سياساتها.

غير أن هذا المشروع، وفق أنصار هذا المنظور، اصطدم بحقيقة استراتيجية لم تكن متوقعة قبل عقدين؛ وهي صعود قوة سياسية وعسكرية شيعية عابرة للحدود، لم تعد محصورة في دولة واحدة، بل تشكلت عبر شبكة من الفاعلين الإقليميين الذين امتلكوا أدوات التأثير في أكثر من جبهة.

فإيران استطاعت أن تتحول إلى لاعب إقليمي رئيسي، بينما رسخ حزب الله في لبنان معادلة ردع غير مسبوقة على الحدود الشمالية لإسرائيل. وفي العراق، أصبحت الفصائل الشيعية جزءًا من المشهد الأمني والسياسي، وفي اليمن فرضت حركة أنصار الله بقيادة عبد الملك الحوثي نفسها لاعبًا مؤثرًا في معادلات البحر الأحمر والممرات البحرية. ووفق هذه الرؤية، فإن هذه القوى لم تعد جبهات منفصلة، بل أجزاء من منظومة استراتيجية مترابطة تؤثر في مجمل توازنات الشرق الأوسط.

ومن هنا، يرى هذا الاتجاه أن المنطقة لم تعد تشهد صراعًا بين دول فحسب، بل بين رؤيتين للنظام الإقليمي: الأولى تسعى إلى تكريس تفوق إسرائيل وإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، والثانية ترى أن امتلاك أدوات الردع ومنع الانفراد بالقوة هو السبيل للحفاظ على توازن إقليمي جديد.

وتستند هذه القراءة إلى أن المواجهات العسكرية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن استخدام القوة وحده لم يؤدِّ إلى إنهاء نفوذ هذه القوى أو إقصائها من المشهد. ولذلك، يذهب بعض المحللين إلى أن الصراع دخل مرحلة مختلفة، انتقل فيها من محاولة الحسم العسكري إلى إدارة توازنات الردع والاحتواء والضغط السياسي والاقتصادي، مع استمرار الجدل حول مدى نجاح كل طرف في تحقيق أهدافه.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل أصبحت القوى الشيعية لاعبًا إقليميًا؟ بل: هل أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية في معادلة القوة في الشرق الأوسط؟

يرى أصحاب هذه الرؤية أن الإجابة تميل إلى الإيجاب مستندين إلى أن أي نقاش يتعلق بأمن الخليج، أو مستقبل العراق، أو استقرار لبنان، أو تطورات سوريا، أو أمن البحر الأحمر، أو الملف النووي الإيراني لا يمكن أن يتجاوز دور هذه القوى أو يتعامل معها بوصفها عاملًا هامشيًا.

كما يذهب هذا الاتجاه إلى أن محاولات تقليص نفوذ إيران وحلفائها عبر العقوبات أو الضغوط العسكرية لم تُنهِ حضورهم السياسي أو العسكري، بل أدت في بعض الحالات إلى إعادة تموضعهم وتكيّفهم مع بيئات إقليمية متغيرة. ويستنتج أنصار هذا الطرح أن الشرق الأوسط يشهد انتقالًا من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة توازنات أكثر تعقيدًا، تتوزع فيها مراكز القوة بين عدد من الفاعلين الإقليميين.

وهنا تبرز معادلة جديدة: لم يعد بالإمكان، وفق هذه القراءة، بناء نظام أمني مستقر في الشرق الأوسط من خلال تجاهل القوى الشيعية أو افتراض إمكانية إقصائها بالكامل، بل أصبحت هذه القوى جزءًا من معادلة الردع والتوازن التي تؤثر في قرارات الحرب والسلم على مستوى الإقليم.

ومع ذلك تبقى هذه الرؤية واحدة من عدة مقاربات لفهم التحولات الجارية. فهناك من يرى أن مستقبل المنطقة سيُحدد عبر التنافس بين مشاريع إقليمية متعددة، لا عبر مشروع واحد أو محور واحد، لكن ما يكاد يحظى باتفاق أوسع بين الباحثين هو أن الشرق الأوسط اليوم لم يعد كما كان قبل عقدين فقد تغيرت موازين القوة، وتعددت مراكز التأثير، وأصبح أي مشروع لإعادة تشكيل الإقليم مضطرًا إلى التعامل مع وقائع جديدة فرضتها تطورات السنوات الماضية.