أ.م.د. فلاح محمود خضر البياتي. د. عبد الكريم حسين عبد.
جامعة بابل/ كلية التربية الأساسية. جامعة القادسية/ كلية التربية.
سياسة الاحتلال البريطاني للعراق في منطقة الفرات الاوسط 1917-1920م
أ.م.د. فلاح محمود خضر البياتي. د. عبد الكريم حسين عبد.
جامعة بابل/ كلية التربية الأساسية. جامعة القادسية/ كلية التربية.
المقدمـــة:
ليس احتلال بريطانيا للعراق في اثناء الحرب العالمية الاولى، وليد سياسة آنية اوحى بها اشراك الدولة العثمانية بالحرب، وانما استجابة لمطامع بريطانيا قديمة بأرض العراق، لأهمية موقعه الجغرافي ذي الصلة الوثيقة بين ما يجري في شبه القارة الهندية ومسارها في الخليج العربي، فضلا عن وجود النفط الباعث الأساسي الاخر لاتجاه بريطانية نحو العراق، ولضمان نجاح سياستها على اساس الاسواق الجديدة والمواد الخام فيه، وما ان فكت ان تصطدم سياستها بوابل مقاومة القبائل العربية الخليجية المعارضة لها، حتى اقامت مركزا تجاريا لها في البصرة وعززت ذلك بنشاط علاقتها بالدولة العثمانية، من خلال بعثة (جسني) لمعرفة صلاحية النقل في نهري دجلة والفرات ومسحهما لأغراض الملاحة ظاهرا ولأغراض سياسية عسكرية باطنا، من خلال بسط نفوذها على العراق تمهيدا لما يتيسر لها عمله فيه في المستقبل، ساعدتها على ذلك الارساليات البريطانية الطبية والتبشيرية وفتح دوائر البريد البريطانية في بغداد والبصرة.
إن السمة الغالبة على الافكار والخطط والمشاريع للاحتلال البريطاني في العراق أياً كانت الجهة التي صدرت عنها الرسمية فيها أو قرارات القادة العسكريين هي تحقيق المصلحة البريطانية قبل كل شيء، فعملت على اصدار القوانين التي تتطلبها الاوضاع المحلية التي تبنتها اللجان العسكرية البريطانية، يجاريها الحكم بعض شيوخ القبائل في حكمهم على العرف العشائري، ثم رسمت سياستها المستقلة فيما تراه ممكنا على نظام سياسي هيكلي للدولة ككل في انظمة جزئية ذات وظائف متخصصة كالسلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) مبتغية بذلك تحقيق مآربها الاستعمارية بصورة مماثلة لمحيطها الدولي نظريا، اختلفت فيه عن الواقع الفعلي، التي اغاضت العراقيين بتلمسهم ان بريطانيا انكرت وعودها وقراراتها لحماية امن العراق والالتزام بصون الكرامة واحترام العراقيين، وعملت على اساءة معاملتهم في وطنهم وعظـّمت المكانة الاجتماعية لعشائر العراق محاولة منها لفصلها عن الكيان المدن
واستخدامهم كسلاح قوي مع المتغيرات الجديدة، الامر الذي ولّد جراحات بليغة ومؤلمة على المستويات السياسية والاجتماعية نتج عنها قيام التمردات والثورات.
من هنا جاء موضوع البحث (سياسة الاحتلال البريطاني للعراق في منطقة الفرات الاوسط 1917-1920م)، إذ يضم الوية العراق الوسطى (الحلة ويتبعها قضاء الهندية وناحيتا الكفل وطويريج، كربلاء تتبعها قضاء النجف وناحيتا الكوفة وهور الدخن، الديوانية وتتبعها قضاء السماوة وناحية الرميثة، وقضاء الشامية وناحية الشنافية) لاهميته التاريخية المعاصرة والتي تناولها عدد من الكتاب والباحثين لنعزز ما حصلنا عليه من وثائق ومعلومات متشعبة عن منطقة الفرات الاوسط، غطت تلك المدة برؤيا من مجموع الحقائق التي استهدف الكشف عنها في كل موضوع من مواضيع البحث، بطريقة التقصي والتحليل ومتابعة الحدث.
نظم البحث في مبحثين: الأول بداية المصالح البريطانية في العراق ونشاطاتها السياسية ثم تطور مصالحها في العراق، وتضمن المبحث الثاني احتلالهم العراق ودخولهم العاصمة بغداد، ثم سياستها الادارية والاقتصادية في الفرات الاوسط خاصة والعراق عامة بما يتضمن الضرائب والتبرعات والغرامات الاجبارية والمصادرة، ونتائج الاحتلال البريطاني على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
شخصت مظاهر السياسة البريطانية في منطقة الفرات الاوسط ما خفي منها في دراسة الوثائق البريطانية السرية وما نشر وقتها في الكتب والصحف المحلية، التي اظهرت واقع العراق السياسي والاجتماعي وما نتج عنها في قيام الثورات والانتفاضات المحلية في معظم مناطق العراق وبالأخص مدن الفرات الاوسط وعشائرها، حتى رضخت حكومة الاحتلال لمطاليب الثوار واجبرتها على تغير سياستها في تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة في تشرين الأول عام 1920م، ورسمت لكل ما سيحدث لها سياسيا باختيارها وقبولها لميلاد المملكة العراقية في 23 آب 1921م.
المبحث الأول / المصالح البريطانية في العراق
أولا: المصالح الاقتصادية البريطانية في العراق
ظهرت مصالح بريطانيا الاقتصادية في منطقة الخليج العربي مع تأسيس شركة الهند الشرقية في بداية القرن السابع عشر الميلادي، الأمر الذي جعلها تبني العلاقات المتينة مع القوى المتنفذة في منطقة الخليج لتامين سلامة الطرق التجارية هناك أولا، وبناء مراكز تجارية لها ثانيا، وحاولت الشركة المتاجرة مع مدينة البصرة لتجنب المنافسة التجارية الهولندية، حيث توصلت بريطانيا إلى عقد معاهدة مع السلطان العثماني (أحمد الثالث 1703-1730م)([1])، سمح بموجبها بممارسة التجارة البريطانية المارة عبر البصرة والإرجاء الواقعة تحت السيطرة العثمانية كافة، وحددت نسبة الرسوم الكمر كية ﺑ3% على الواردات البريطانية([2])، وكان لهذه الشركة مقر دائم في البصرة منذ عام 1723م، يشرف عليها مقيم تابع لوكيل الشركة في بندر عباس، واستطاعت حكومة بريطانيا في بومبي أن تنشئ لها قنصلية في البصرة عام 1764م، وتلقى البريطانيون المساعدة من الولاة المماليك ([3]) كما أمر الوالي (سليمان باشا أبو ليله 1736-1761م) عماله على وجوب احترام مقيم الشركة والاهتمام بحماية التجارة في البصرة، فضلا عن تقديمه الهدايا للمقيم البريطاني([4])، رغبة منه في تحسين العلاقات التجارية والسياسية معه، لأهميتها في تحقيق مردود مالي جيد للعراق آنذاك، وفي المقابل سيحصل الوالي على المساعدات العسكرية أحيانا، تؤمن له قوة في إسناد حكمه ومقاومة المناوئين له.
تحذرت بريطانيا من الالتزامات السياسية في بداية تغلغلها التجاري في العراق، وعدتها من مضامين أساسية للتجارة، فضلا عن منع الدول الاستعمارية المنافسة لها من استغلال ذلك في التقرب نحو الدولة العثمانية بهذا الشأن، وبذلك سهـّل على بريطانيا الحصول على الفرمانات والامتيازات التجارية في الدولة العثمانية وحكام بلاد فارس([5])، وغدت أكثر السفن البريطانية تحتكر نقل السلع التجارية من الهند إلى ميناء البصرة وبالعكس.
شهدت المدة (1773-1779م) كسادا في تجارة شركة الهند الشرقية في العراق لانتشار الوباء في البصرة عام 1773م، وموت العديد من سكانها، وشجـّع ضعف السلطات العثمانية هناك على انتفاضة عشيرة (كعب) في شرق مدينة البصرة ومهاجمتها، إلى جانب معاناة سكان البصرة من حصار الفرس خلال الأعوام (1775-1779م)، وتأثيره في عمل الشركة الذي اجبر بريطانيا على سحب سفنها من البصرة وترك ممتلكاتها من دون حماية، التي نتج عنها خلق مصاعب خطيرة على التجارة البريطانية في الخليج وخسائر سنوية عظيمة، حيث أجبرتها على تقليص وكالة البصرة إلى مقيميه وتعيين مستخدم واحد، لكن الطريق البري عبر البصرة قدّم خدمة كبيرة للبريطانيين خلال الحرب الثورية في أمريكا عام 1775م، بعد مساعدة فرنسا للمستعمرات الأمريكية في حربها ضد بريطانيا، فاستعادت بريطانيا مقرها التجاري في البصرة ومواصلاتها إلى الهند بعد انتهاء الحرب([6]).
توسع نفوذ بريطانيا في المنطقة من جديد في نهاية القرن الثامن عشر، واستطاعت غرس نفوذها السياسي في جسم الدولة العثمانية للحصول على أكثر الامتيازات في العراق، حتى أصبح نشاطهم التجاري حجر عثرةٍ على نحو خطير أمام التطور الاقتصادي المحلي المحدود، وتغير تعاملهم التجاري والسياسي في العراق إلى أكثر اعتدالا من غيرهم من الأوربيين في المنطقة في علاقاتهم مع القوى المحلية والحكومية.
ثانياً: المظاهر السياسية البريطانية في العراق:
كانت لمدينة البصرة أهمية تجارية وسياسية كبيرة في منطقة الخليج العربي، إذ أصبحت المركز الرئيس والأفضل في نقل الرسائل البريطانية بين الخليج ومدينة حلب ثم إلى أوربا، والتي كانت احد الإعمال الأساسية للمقيم البريطاني على أرض البصرة، في وقت توقفت مظاهر التذمر من ضياع الرسائل وتاخرها في فترة الستينيات من القرن الثامن عشر، وغدت البصرة أكثر المقرات التجارية أهمية بالنسبة لبريطانيا في الشرق الأوسط، حيث نقلت مقر وكالتها من بندر عباس إلى البصرة ومنها تنقل رسائلها برا، وتوسعت علاقتها السياسية مع الولاة العثمانيين الذين وجدوا فيها تحقيق مصالحهم المشتركة في وقف الحركات المسلحة ضدهم واحتوائها، وضمانة في مقاومة الاعتداءات الأجنبية المتصارعة في منطقة الخليج العربي، إذ دعمت بريطانيا الوالي (سليمان باشا) عسكريا بإرسال سفينتها العسكرية) سوالو Swallow)، إلى ميناء البصرة لمساعدته في صراعه مع عشيرة (كعب)([7])، وتحسنت العلاقات بين مسؤولي الشركة والسلطات المحلية العراقية التي ظهر عليها مستوى التطور التجاري والأمني في عهد الوالي (علي باشا 1762م)، بصداقته الحميمة مع البريطانيين وتشجيع تجارتهم في معظم ولايات العراق([8]).
عززت بريطانيا مساعداتها العسكرية للعثمانيين خلال الأعوام (1761-1765م) بإرسال عدة سفن حربية لقمع عصيان سلطة عشيرة (كعب) في منطقة شط العرب، ووقف نشاطها في قطع طرق المواصلات مع البصرة، إلا أنها فشلت في إخضاعهم بسبب حصانة مواقعهم المائية واستيلائهم على بعض السفن البريطانية، إلى جانب تردد العثمانيين في إيصال المستلزمات العسكرية للمعركة وعدم وصول المزيد من الإمدادات من بغداد لشن الهجوم، وكانت نتائجه خطيرة، إذ كلفت الجيش البريطاني خسائر كثيرة([9])، وعدت تلك الإعمال أولى التزامات بريطانيا العسكرية في العراق وبمثابة خطوة جدية لبسط نفوذهم في المنطقة، وتوفير الأمن والسيطرة التامة لحماية تجارتهم التي من خلالها ستزيد من نشاطها السياسي لتحقيق مآربها في العراق.
غيرت بريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر تسمية تأسيساتها التجارية إلى وكالة سياسية في العراق واستخدمت طائفة من الخبراء السياسيين في حقلي الإدارة والتعيين، فكان تعيين الوالي (سليمان باشا الكبير) عام 1780م بدعم من المقيم البريطاني في البصرة والسفير البريطاني في اسطنبول ([10])، وعمل وكلاء الشركة في تحسين صلاتهم مع الولاة العثمانيين بواسطة تزويدهم بالأسلحة البريطانية لاستخدامها في مقاومة منافسيهم على مناصب الولاية، فضلاً عن توسع نفوذهم في المدن والقرى والعشائر، وغضَّ الولاة العثمانيين الطرف عن المخاطر التي تخل بسيادة الدولة العثمانية والمخالفة لقواعد التمثيل السياسي والتجاري، وأصبحت بغداد أهم مركز للنفوذ البريطاني، كما برزت قوة شخصية المقيم البريطاني في العراق على شخصية السفير في اسطنبول ([11])، لذلك انعكست تلك السياسة على بعض شيوخ العشائر في التقرب إلى المقيم البريطاني ليحصلوا على المكانة والقوة السياسة التي تضمن لهم الحفاظ على مناصبهم وعلاقتهم مع الولاة العثمانيين ([12])، والذي هيأ أرضية خصبة للوجود البريطاني في العراق، بالاعتماد على تلك الشريحة المهمة في نظرهم في تحقيق سياستها تمهيدا للاحتلال بعد رسم كل مخططاتهم الاستعمارية بصورة دقيقة من خلال عملائهم في العراق.
حصلت بريطانيا على موافقة الدولة العثمانية في فتح دائرة بريد بريطانية-هندية في بغداد والبصرة، وعملت بانتظام من غير اعتراض رسمي في نقل البريد بين المدن الواقعة على النهر بواسطة زوارق البريد([13])، وقد ساعدها ذلك أكثر في معرفة دقيقة لأحوال العراق ورسم الطرق النهرية والبرية وتأمين بريده العسكري من الضياع والسرقة حتى استطاعت مد أسلاك بحرية تتصل بين الهند ومدينة الفاو ثم ربطها بأسلاك برية بالخط التركي في بغداد([14])، حيث أدى ذلك إلى تقدم المصالح السياسية الاستعمارية على المصالح التجارية، والعمل على إرسال أولى بعثاتها إلى العراق بقيادة (جسني) لدراسة شؤون العراق التجارية والاقتصادية، فضلا عن الأمور السياسية التي جاءت من اجلها، ووضع دراسة علمية لمشروع ربط البحر المتوسط بالخليج عن طريق نهر الفرات([15]).
ثالثاً: نمو المصالح البريطانية وتغلغلها السياسي في العراق
برز أهمية موقع العراق في نظر السياسة البريطانية مع ازدياد أهمية منطقة الخليج العربي دوليا وتصاعد الصراعات السياسية والاقتصادية العالمية فيها، ولاسيما أن بريطانيا توسعت تجارتها في منتصف القرن التاسع عشر، وأصبح بوسع المقيم البريطاني في العراق أن يحقق مساعي دولته وطموحاتها بكلمة منه إلى الحكام العثمانيين في اسطنبول، والتي لم يفتأ بعض من زعماء العشائر العراقية أن يطلب الحماية أو العون من المقيم في التأثير بالولاة العثمانيين أحيانا([16]).
وافق العثمانيون للبريطانيين على تسيير باخرتين نقليتين في نهر الفرات عام 1842م في عهد الوالي (علي رضا اللاذ 1831-1842م)، بصدور فرمان سلطاني نص على أن يوفر المشروع (إفادته الواقعة مادامت المنافع مشاهدة ومحققة للجانبين ومالم يستلزم ذلك محذورا، قد صدرت من لدنا الرخصة لهم بتسيير باخرتين مناوبة في النهر المذكور)([17])، ووافق العثمانيون للبريطانيين إجراء مسح للمواصلات النهرية في دجلة والفرات، التي حققت رحلات طويلة في الكشف والتدقيق في صلاحية النهرين في الملاحة، وما أعقبها من مجهودات بريطانيا في إرسال بعثات التنقيب الاثارية وإنشاء خطوط التلغراف وتأسيس الشركات الملاحية، فضلا عن إجراء المسح الجغرافي ورسم الخرائط التي هيأت اوضح الطرق وأدق المساحات باستغلال الأوضاع المناوئة للولاة العثمانيين([18]).
رسمت بريطانيا طريقاً برياً بامتداد نهري دجلة والفرات، وسيرت باخرتين فيهما، لمعرفة صلاحية النهرين للملاحة، بعد أن تخلت عن مشروع (بالمرستون) في مد خط حديدي عبر وادي الرافدين عام 1857م([19])، وقد شجع ذلك الألمان في وضع خطة لإقامة سكة حديد ترمي الوصول بها إلى بغداد والخليج العربي ثم إيجاد قاعدة بحرية على الخليج، فضلا عن تغلغلها في الدولة العثمانية باعتقادها إن العراق رأس جسر سهل المنال لاقتحام الهند، لذلك أصبحت سياسة الألمان تشكل خطرا على المصالح البريطانية في الهند، الأمر الذي حفز بريطانيا على سرعة الاندفاع العسكري نحو الشرق الأوسط والعمل على توطيد العلاقات الجيدة مع دول الخليج العربي وعقد المعاهدات، وقد وجدت هذه الدول فيها صيانة لمركزها ضد السلطان العثماني والشاه الإيراني على حد سواء([20])، فضلا عن بعث بريطانيا إلى العراق دوائر مخابراتها العسكرية والسياسية، عملاء بصفة سائحين ومبشرين وآثاريين، لتحصل على معلومات أدق عن العراق من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
حصل البريطانيون النفوذ التام في العراق وأهابهم الولاة العثمانيون وأصبحوا ذات سطوة عالية، وفي الأكثر أداروا وكالات قنصليات الدول الأخرى في العراق، ولهم ثلاث قنصليات واحدة في البصرة واخرى في بغداد وثالثة في الموصل، يديرها وكيل سياسي ثم مقيم، وكانت وظيفتا القنصل والمنقب الأثري تتحدان في شخص واحد، وكان تحت تصرف القنصل باخرة تلازمه في إعماله على الدوام([21]).
تمتع الوكلاء البريطانيون بحرية التنقل في العراق، وحصلوا على امتيازات كثيرة في الملاحة النهرية ودوائر البريد الهندية، ومنزلتهم نافذة ومحترمة في الأوساط السياسية والاجتماعية العراقية، استفاد منهم بعض شيوخ العشائر والتجار، وبذلك حصلت بريطانيا على القسط الأوفر في التجارة بين الشعوب الأوربية في العراق([22]).
اتضحت دوافعهم السياسية في العراق بعد أن تستروا بإقامة المشاريع الاقتصادية وطرح شعارات المصلحة العامة ومنفعة العراق بإطلاق عناوين التمجيد للعراقيين وخدمة الإنسانية، بدعاية يعيدون إلى أذهان العراقيين ماضي بلادهم المجيد وتراث إمبراطورية العرب المسلمين فيها، وتبرير ما قد تقتضيه المشاريع التي سيحققونها من نفقات خزينة الدولة لإتمام ضبط فيضان نهري دجلة والفرات وإنشاء السدود لمصالح الزراعة، وتنفيذ المشاريع العمرانية والصناعية، التي من شأنها تنمية الرغبة البريطانية في وضع قدمها في العراق، وأقامت صداقات حميمة وكثيرة مع العراقيين([23]).
سعت بريطانيا بواسطة شركاتها (لنج والشركة العثمانية للملاحة النهرية)([24]) التدخل بدبلوماسية عالية في أوساط الحكومة العثمانية للحصول على امتيازات اقتصادية كبيرة في ولاياتها ولاسيما في العراق، منافسين في ذلك الدبلوماسية الألمانية الناجحة في العلاقات التجارية والاقتصادية مع العثمانيين، وبحنكة الوكيل البريطاني (كلوديوس ريج) دخل العراق حظيرة النفوذ البريطاني، وتمكن من السيطرة على الجهاز الحكومي وان يكون مهيبا وذا الصدارة في بغداد، وقد سارت العلاقات البريطانية-العراقية من بعده بالشكل الذي حقق المصالح البريطانية في العراق([25])، وكادت الشركات البريطانية أن تحصل على استغلال المناطق النفطية في الدولة العثمانية، إلا إن إصدار السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م) فرمانا يقضي بنقل ملكية الأراضي النفطية في العراق من الخزينة الخاصة إلى أملاك الدولة، قد خيب آمال البريطانيين في عقد الاتفاق([26])، فضلا عن تأثير المواجهات السياسية الصعبة التي أقامها الفرنسيون والألمان ضدهم في تحريض الدولة العثمانية ضدها.
وإزاء تلك المطامع والمصالح في العراق وأهمية تحققها، بدأت القيادة العسكرية البريطانية وضع الخطط العسكرية لاحتلال جنوب العراق عن طريق الخليج العربي، بعد أن شكلت حكومة الهند لجنة رباعية عام 1911م، جاء في تقريرها في كانون الثاني 1912م، على ضرورة احتلال العراق، من خلال تنشيط القناصل البريطانيين في بغداد والبصرة والموصل على إعداد المعلومات العسكرية والاقتصادية عن الجيش العثماني وتسليحه وتوزيعه، ووضع الخرائط العامة عن العراق ولا سيما التوزيع العشائري، حيث ساعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب 1914م، على دخول القوات البريطانية العراق عن طريق الخليج لتأمين مسالكها العسكرية في المنطقة، بدعوى رغبة بريطانيا في حماية مناطق النفط الانكليزية الفارسية في عبادان، ومصالحها في الشرق الأوسط([27])، فضلا عن تقاسم ممتلكات الدولة العثمانية التي تحالفت مع ألمانيا ضد بريطانيا، حيث اكسبها تأييدا من لدن حليفاتها في الاحتلال.
قاومت السلطة المحلية العثمانية الاحتلال البريطاني، وأيدها رجال الدين العراقيين في إصدار فتوى (مقاتلة الكفار) التي اتخذت إشكالا متباينة في الرد على الاحتلال، إذ هبّ ألاف العراقيين من عرب وأكراد بقيادة رجال الدين لوقف الزحف البريطاني على مدن العراق منها في موقعة (الشعيبة) في نيسان 1915م ومناطق أخرى، ونددت الجرائد العراقية([28]) بالاحتلال ودعت المواطنين إلى القتال والتصدي له بكل السبل المتاحة.
المبحث الثاني/ الاحتلال البريطاني للعراق ودخولهم العاصمة بغداد
أولا: سياسة بريطانيا خلال الاحتلال
كانت خطة بريطانيا في العراق الاكتفاء باحتلال ولاية البصرة فقط، ولكن نجاح قواتها في احتلال البصرة جعلها تغير خطتها والتقدم لاحتلال بغداد وفقا لاعتبارات سياسة وجدت فيها تهدئة الحالة في إيران، وإبعاد العثمانيين عن التجمع العسكري في العراق الذي سيؤثر مستقبلا على المحتلين البريطانيين، فضلا عن تقوية مركز بريطانيا في الهند من خلال صعوبة اتصال العثمانيين بأفغانستان وتحريض قبائلها الحدودية مع الهند على الثورة ضدها([29]).
أصدرت السلطة العسكرية البريطانية في آب 1915م في المناطق العراقية المحتلة قانوناً باسم (قانون الأراضي العراقية) فيه أسس القوانين الهندية المدنية والجزائية، يخول السلطة تطبيق القانون الهندي على المجتمع العراقي، وأجاز لها تعديله حسبما تتطلب الأوضاع المحلية، وحدد القانون إحالة القضايا الخطيرة إلى اللجان العسكرية البريطانية للبت فيها في حين تحال القضايا الشخصية إلى المحاكم الشرعية التي تطبق الشريعة المقدسة([30])، والتي لاقت تقبلاً وسروراً وقتها من بعض الأهالي معتقدين بأنه أفضل وسيلة لحل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية وستفي السلطة البريطانية بوعدها وتعيد إليهم حقهم فيما سلب منهم أبان العهد العثماني.
استخدمت سلطة الاحتلال البريطاني الشائعة والكذب، سلاحا راجحا بين سكان المدن والعشائر من خلال جواسيسهم، بفكرة ان الاتراك منهزمون وان الغلبة للإنكليز، وسرت تلك الشائعات والاساطير بأن قوة الانكليز وعلومهم العجيبة واسلحتهم وثروتهم التي لاتحد ستهزم الاتراك وتسحقهم ويتحرر العراق منهم، معززين اشاعاتهم بآيات من القرآن الكريم بأنها وردت في سورة الروم([31])، فوجدت تلك الشائعات رواجا وتقبلا بين العراقيين خاصة وان علاقات الصدام والكراهية كانت قائمة بين العثمانيين والعراقيين مقارنة بالوعود والتحرير والتقدم والرخاء التي رافقت كل خطوة من خطوات تقدم جيش الاحتلال البريطاني.
على الرغم من ميل العراقيين إلى العثمانيين بحكم العاطفة الدينية لدى اكثر الشعب العراقي الذي تأثر بخطابات السياسيين ورجال الدين البارزين، إلا إن حرارة المقاومة انخفضت درجتها عندما أقدمت سلطات الاحتلال العثماني قسوتها على مدينة الحلة بما يعرف ﺒـ (واقعة عاكف الأولى والثانية) ([32]) عامي 1915و1916م، راح ضحيتها اعداد كبيرة من المواطنين ([33])، ثم اصبحت الحالة في منطقة الفرات الاوسط خطيرة ووقعت حوادث ضد السلطة، قادها عامة السكان في مدن (كربلاء، الحلة، طويريج والكوفة) ونتج عنها اجبار موظفو الحكومة والحاميات العثمانية على ترك تلك المدن، الامر الذي عجل السلطات الحكومية العثمانية على تغيير سياستها إلى المسالمة والصلح ([34])، والذي لم يحقق نفعا لهم، حيث تغير الاتجاه الفكري الشعبي في المقاومة والتوقف عن مساندة العثمانيين في الفرات الأوسط، حتى دخول البريطانيين بغداد في آذار 1917م، وفي المقابل تركت السلطة البريطانية منطقة الفرات الأوسط وشأنها في الإدارة المحلية خلال عام 1917م، متبعة سياسة (الترهيب والترغيب) التي حققت لها نجاحا اكبر مما حققته في مناطق اخرى، فقد عينت في مدينة الحلة مجلس قبلي لحل المشاكل العشائرية وحشد الفلاحين للعمل في مختلف المشاريع ضم عدداً من الشيوخ البارزين فيها، وخصصت لهم الإدارة البريطانية مكافآت مجزية بلغت ثلاثمائة روبية شهرياً ([35]) ومنهم عينوا اعضاء في المجالس العشائرية، حيث بغت بذلك تحقيق أهدافها في منطقة الفرات الأوسط بترغيب كبير لأغلب الشيوخ بقناعتها ان (توزيع الهبات والتساهل بجمع الضرائب من الشيوخ والوجهاء المحليين، كلها ربحت كثيرا منهم، وغنمت حيادهم الميال نحو الخير)([36])، عندما وجدت كرههم للعثمانيين على مجازرهم في المنطقة، وإنها منطقة زراعية تدر عليهم مبالغ ضريبية عالية مستقبلاً، وكان الترهيب كبيرا فقد استملكت حكومة الاحتلال ملكية مقاطعات عدة من اصحابها بحجة انهم معروفون (بانحيازهم الفعال للعدو واقامتهم في بلاد خاضعة للاحتلال التركي)([37]) والتي افادت من انتاجها نفقات الادارة، والاحتفاظ بقسم من معدل الارباح أو كله، كما فرضوا غرامات نقدية وعينية على العشائريين الخارجين على السلطة أو بقصفهم الجوي لحالات الطوارئ، وفي مدينة الكوت ارتأى قائد الحملة العسكرية البريطانية الجنرال (طونزندTownshend) عام 1915م لتأمين سلامة جيشه، إخراج أهالي الكوت من مدينتهم ممن لا يملكون منازل فيها (الغرباء) واستثنى منهم ما يوصي بهم حاكم الكوت العسكري إبقائهم فيها، كما احتجز عشرين شخصا من وجهائها (رهائن) لضمان هدوء سكان المدينة، وأمر قواته على مصادرة مواد الإعاشة المتيسرة في المدينة، وتفتيش المنازل بحثاً عن الحبوب والمواد الغذائية، إذ أعلن عن إعطاء المكافآت لمن يدلي بمخابئها، فضلاً عن فرض إعمال السخرة على سكانها في حفر الخنادق وإنشاء الطرق([38])، كما ألغت السلطة البريطانية القوانين المدنية في معظم مدن العراق التي احتلوها باستثناء ما يتناسب وسياستهم الاستعمارية([39])، وعينت على إدارتهم في العراق حكومة عسكرية حددت إدارتها وفقا لما يأتي:
أ- الإدارة الحكومية:
نص التقرير الإداري لولاية بغداد في عام 1917م على (إن الإدارة المدنية يجب أن توضع تحت إشراف السلطات العسكرية . . . وبحد أدنى من الإجراءات الإدارية، ذلك الحد الذي يكفي لحفظ النظام ويقوم بما تطلبه القوات العسكرية، إما تعديل القوانين وإدخال الإصلاحات فيجب إن يكتفي بأقل مقدار ممكن منه، ولا ترغب حكومة صاحب الجلالة إن تثار قضايا إدارية كبيرة أو متناقضة حتى يبعد الخطر التركي) كما قسم التقرير الدوائر الحكومية إلى مجموعتين، الأولى دوائر الحكومة العثمانية التي أعيدت تحت إشراف البريطانيين (المالية، الأوقاف، الكمرك والتربية) وثانيا الدوائر المدنية والتي لم تكن موجودة في العهد العثماني وهي ضرورية لهم لسد حاجة الجيش البريطاني (الري والزراعة) ودوائر شبه المدنية أسست لسد حاجات الحرب المؤقتة في مراقبة الاتجار مع العثمانيين، وتجهيز الحبوب لأغراض مدنية منها (المساحة، سكك الحديد، التلغراف، والإشغال وغيرها)([40])، ووضع الاحتلال العسكري اليد على احسن البيوت في المدن لاستخدامها من الادارة العسكرية والمدنية([41]).
بقيت التقسيمات الإدارية في العراق كما كانت عليه أيام الحكم العثماني، وقسمت ولاية البصرة بعد عام 1917م إلى خمس مناطق (البصرة والقرنة والناصرية والعمارة والكوت)، وولاية بغداد تبعت لها مناطق (بغداد وسامراء وبعقوبة وخانقين والعزيزية والرمادي والحلة وكربلاء والشامية والسماوة) ثم ظهرت منطقتا السليمانية التي فصلت عنها كركوك، والموصل التي فصلت عنها اربيل عام1919م، لعزل المناطق الكردية عن العربية، وفصلت الديوانية عن الحلة واعطيت صفة المنطقة بما فيها السماوة، وادمجت كربلاء قضاء بلواء الحلة، واصبحت النجف قضاء في لواء الشامية([42]) تقليلا ملحوظا في مركز المدينتين المقدستين، ولأحكام السيطرة الادارية عليهما بعيدا عن التأثير الديني ونسق العمل الإداري في الولايات تحت رئاسة الحاكم الملكي العام في بغداد يجاريه الحكم عدد من الحكام السياسيين والعسكريين في المدن الذين منحوا مطلق الصلاحية([43])، وكان معهم عراقيون يشغلون مواقع أدنى السلم الوظيفي وممن يعرفوا إحدى اللغتين العربية أو الكردية، حيث لم يكن لهم وقع سياسي وإداري واضح سوى تنفيذ الأوامر الصادرة وتطبيقها على أسس السياسة البريطانية في بلادهم.
كانت أساليب البريطانيين في العراق مبنية على خبرتهم السابقة في الهند، التي وصفها الجنرال (هالدنHaldane) قائلا: (كانت هذه الأساليب قاسية لم يألفها الشعب ولم يكن مستعدا لقبولها بصورة كلية . . . أما ما تبقى من الضباط الذين استخدموا في الإدارة المدنية في العراق فأنهم لم يكونوا ذوي خبرة سابقة في الإدارة ولا يعرفون عن البلاد ولا عن سكانها شيئا، لذا استخدموا بوظيفة معاون حاكم سياسي، وقد عين بعضهم، أحيانا بوظيفة حكام سياسيين)([44])، وتوضحت تلك الأساليب السياسية على ضرورة الوصاية على العراق وتنظيم إدارته حسبما تنظر إليه قوة الاحتلال بقول وكيل الحاكم الملكي العام (ويلسن Wilson) (ليس بوسع العراق أن يستغني عن الوصاية ومرد ذلك إلى فقدان الإداريين الأكفاء في هذه البلاد من جهة، والى إن أهل العراق لا يتذوقون شعور المواطنة من جهة أخرى، يضاف إلى ذلك إن موارد البلاد الاقتصادية بالمعنى العام غير كافية)([45])، فكانت سياسة بريطانيا في العراق تهدف في البقاء مدة طويلة، ووفقا لذلك وضعت قوانينها وإجراءاتها الإدارية على ما ينفذ سياستها في التعامل مع سكانه في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد أثرت تلك السياسة على عدم السماح بعودة الضباط العراقيين من تركيا وسوريا، فضلا عن تصريحات المسؤولين السياسيين البريطانيين المبررة بعدم وجود إعداد كافية من العراقيين المؤهلين لإشغال الوظائف الإدارية الحساسة في العراق([46])، جاء ذلك على لسان العقيد (لورانس Loorans) بان الحكومة التي فرضتها بريطانيا على العراق كانت (انكليزية في طرازها وهي تدار باللغة الانكليزية، لذا يسيرها (450) ضابطا تنفيذاً بريطانياً من دون أن يكون معهم مسؤول عراقي واحد، في الوقت الذي كان 70% من الموظفين التنفيذيين في الإدارة من السكان المحليين أيام الأتراك، وان ثمانية ألاف من رجال قواتنا هناك يؤدون مهمات رجال الشرطة لحماية الحدود، أنهم يقمعون السكان، بينما في أيام الأتراك إن 60% من ضباط الفرقتين الموجودين في بلاد ما بين النهرين كانوا من الضباط العرب)([47]).
استاءت وانتقدت الصحف العراقية مظاهر السياسية البريطانية الهادفة إلى تمزيق وحدة المجتمع العراقي والتنكيل بالشعب وأهانته من (ضباط الجيش البريطاني ممن تحولوا إلى الشؤون الإدارية المدنية، انفتحت أوداجهم سلفا وغروراً وازدراءً للناس واحتقروهم جهاراً وساروا فيهم سيرة خشنة وأوصلوا أنواع الأذى لهم، ولم يكتفوا بذلك، بل اصطنعوا طائفة ممن لا خلاق لهم فقربوهم وأدنوهم، حتى جعلوهم اخلص مستشاريهم، إمعانا في الإرهاق وتنكيلا بأهل البلاد الشرعيين)([48]).
لم تفصح بريطانيا عن مستقبل الحكومة الذاتية وإعمالها في العراق، ماعدا الخطاب الغامض الذي ألقاه القائد (ستانلي مود Stanly Mood) في آذار 1917م، الذي نص على أن (جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيهم بمنزلة قاهرين أو أعداء، بل بمنزلة محررين) تعزز الخطاب بعبارات التبجح والمديح للعرب ودورهم في طرد المستعمرين العثمانيين من الحجاز، ووصفهم (الذين بغوا عليهم) وأشاد بعظمة قيادة الشريف حسين ملكا عليهم وانجازاته في تحقيق (الاستقلالية والحرية، وهو متحالف مع الأمم التي تحارب تركية) وبين الخطاب ملامح السياسة البريطانية الغامضة الزاعمة بأن أمنيتها (إن تحقق ما تطمح إليه نفوس فلاسفتكم مرة أخرى، ولسوف يسعد أهالي بغداد حالهم، ويتمتعون بالغنى المادي والمالي، بفضل نظامات توافق قوانينهم المقدسة، واطماحهم القومية والفكرية)([49])، وحتى خطابهم هذا لم يلق اهتماما وتأيدا عند بعض السياسيين البريطانيين الذي كان معدا سلفا، فالقائد (مود) لم يقتنع بمضامينه، معتقدا انه غير ضروري وسيثير السكان وأمالهم، ويعرقل مساعي بريطانيا في العراق، وعلقت الدوائر السياسية البريطانية عليه في انه (لن يعود على بريطانيا بمنافع عسكرية)([50])، وبينت الكاتبة (المس بيل) إلى (إننا لم نخط خطوة نحو هذه الغاية حسب، بل إننا أقمنا نظاما يختلف تماما عن الحكم الذاتي . . . ولكننا في الواقع أقمنا حكومة بريطانيا يساعدها مستشارون عرب)([51])، ونبه السير (وليم مارشال Wiliam Marshal) قائد جيش الاحتلال بعد الجنرال مود بأن (الجنرال مود . . . لم يجد في عمره لإنجاز هذا الوعد فقد وضع الأساس وبقي علي إتمام البناء) وأوعد مارشال على انجاز مضامين الوعد في أول فرصة ممكنه، وانه سيعمل على السماح بعودة اسري الحرب المعتقلين في الهند إلى أوطانهم، وإطلاق الحرية التامة للتجارة والسماح بنقل الجثث التي تدفن في كربلاء والنجف وفتح الطريق إمام الزيارات المنظمة للاماكن السياحية المقدسة، وإطلاق سراح بعض المسجونين في السجون الملكية([52])، ويبدو إن هذه الوعود كانت مجرد ترضيات لتهدئة الحال وكسب ود الشعب العراقي، حيث لم ينفذ من ذلك إلا النزر القليل وبقيت شعارات مرفوعة تتناولها الجرائد والكتب.
عّد العراقيون الخطاب مفبركا بكلمات معسولة وبعبارات مبهرة، لم يحقق مصالح الشعب ووجدوا إن من الأجدر تبني شعار (إن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى)([53])، في حين شخّص المؤرخ (الحسني) أساليب بريطانيا السياسية في العراق بقوله (إن الانكليز أسرفوا في قطع العهود الطيبة للعراقيين، وإسرافهم في العبث بهذه العهود وفي الإساءة إلى هذا الشعب الوديع، وإذا كان الأتراك قد سعوا إلى الإيقاع بين البيت والبيت لكي يستفيدوا من الانشقاق-على حد تعبير الجنرال مود- فان الانكليز سعوا إلى الإيقاع بين الأخ وأخيه والوالد وولده . . . فأوجدوا الفوضى في أخلاق الشعب وعودوه على امتهان الكرامات، وأمكن حكامهم في سلب حرية الإفراد والجماعات)([54]).
كان خطاب (مود) مثار سخط وازدراء، إذ لم تتحقق مضامينه طوال الاحتلال البريطاني للعراق متجاهلة أنها غنمت قسما من مستعمرات الدولة العثمانية، حسبما تم تقسيمها بين الدول المتحاربة في معاهدة (سايكس-بيكو Sykes-Picot) وأصبح العراق خلال الحرب خاضعا (لإدارة المناطق المعادية المحتلة)، توضحت في ما نشرته جريدة (نيوستيستمان) في 17 آذار 1917م، في مقالها (مهما كانت شروط الصلح التي نريدها في أي مكان، فالشيء الواضح بالنسبة إلى المناطق المؤدية إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، فانه ينبغي للبريطانيين بان يفتشوا على بعض الإضافات المباشرة لكل الأسباب الإستراتيجية جدا)([55]).
تبينت تلك الأهداف السياسية البريطانية فيما أوردته برقية وزير الهند في لندن إلى نائب الملك في الهند والدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ 29 آذار 1917م، متضمنة مظاهر تحقيق السياسة البريطانية في العراق، في إن تبقى البصرة والناصرية وشط العرب وبدرة تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، وتكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة عراقية تحت حماية بريطانيا، التي تدار خلف ستار عربي بواسطة وكالة وطنية وفقا للقوانين الموجودة، ورئيس الإدارة العراقية العام المندوب السامي المقيم في بغداد، ويدير البصرة حاكم يرتبط بالمندوب السامي([56])، وتأكد فيما بعد إن بريطانيا تعلق أهمية كبيرة على بقائها في العراق طويلا من خلال ما كتبته (المس بيل) في نيسان 1920م قولها (واني على يقين إننا إن تركنا هذه البلاد، علينا إن نعيد النظر في مركزنا في أسيا كلها، ففقداننا للعراق يجر وراءه فقداننا لإيران ثم الهند، وسيحل محلنا سبعة شياطين يكون أي واحد منهم أكثر سوء من الذي كان قبل وجودنا في هذه البلاد)([57]).
كان واضحا من السياسة الدولية أن بريطانيا رسمت لوجودها في العراق ما يضمن بقاؤها طويلا، فعزمت على تهدئة الحال، ووجدت من الأفضل لها كسب ود الدول المتحالفة معها في منطقة الشرق الأوسط، فأصدرت وفرنسا تصريحا في تشرين الثاني 1918م، خففت فيه من قيودهما على العرب أيام الحرب العالمية الأولى، وسمحتا بعودة العراقيين إلى بلادهم، وأملتهم على توفير الأمن وفرض النظام والارتقاء ببلادهم خيرا، وتأسيس حكومة وإدارة وطنية تستمد سلطتها من رغبة السكان الوطنيين، وإعادة القومية العراقية إلى الحياة، وان غايتهما في العراق وسوريا (الاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكومات تأسيساً فعليا. . . وان تساعدا على تعميم التعليم والتهذيب وان تضعا حدا للتفرقة التي طالما توخاها الأتراك في سياستهم) ([58])، لم تكن الدولتان جادتين في الالتزام الدولي بمضامين الاتفاق، وتناقضت بنوده مع خطاب (مود) ومعاهدة سايكس-بيكو، وكانت محاولة في وضع منهاج لهما يمثل مدى الانسجام والعمل المتوازي في تحقيق أغراضهما في الشرق الأوسط، فضلا عن جعل العرب يثقون بهما بهذا الانسجام والتفاهم([59])، وانتقدت (المس بيل) التصريح في مذكرة نشرها (ويلسن)، شككت في مضامينه معتقدة بأنه سيوصل سياستهم في العراق إلى نتائج مؤسفة ومتناقضة مع خطاب (مود) الذي عّده (الناس حيلة عسكرية) ولدت عند العراقيين قناعة ببقاء السلطة البريطانية طويلا وان (يرضوا بما يمليه السيف) لكن سرعان ما بررت ذلك بأهمية التصريح للعراقيين انه (فتح لهم أبوابا جديدة للأمل، ظلوا خائفين عليها)([60]) في حين حذر من نتائجه وكيل الحاكم الملكي العام (ويلسن) وعده طريقا لاستقلال العرب في قوله (إن هذا التصريح المبهم سيورطنا في مصاعب كثيرة وتوقعت حتى قبل ذلك إن وضعا قد ينشأ في البلاد قد تكون فيه رغائب الشعب في انتخاب الدولة المنتدبة مخالفا لقرارات الدولة المعظمة)([61]).
ب- مظاهر السياسة الاقتصادية:
كانت العمليات العسكرية البريطانية في العراق وراء تأزم الوضع الاقتصادي، لاستخدام المتنازعين العثماني والبريطاني، الثروات والإمكانيات المتوفرة لخدمة احتياجاتهما العسكرية، من تمويل الجيشين بما تحتاجه من المواد الغذائية، واستخدم الطرفان أساليب مجحفة وقاسية لجمع احتياجاتها العسكرية التي وقعت بثقلها على اكثر الشعب العراقي من الفلاحين دافعي الضرائب أو المنتجين للأرض الزراعية وعامة الشعب، فضلا عن سحب القوات التركية أعدادا كبيرة من السكان وسوقهم إلى الخدمة العسكرية، والتي أثرت على تدهور الأوضاع الاقتصادية في القرى والمدن، واستولت بريطانيا على البيوت والأملاك لإسكان جيوشها وجعلها مقرات للدوائر الرسمية الاستعمارية([62])، تذرعت بان أصحابها معروفون بانحيازهم للعثمانيين أعدائهم.
عبثت السلطات البريطانية شبكات الري، وأقامت سدوداً في منطقتي العمارة وسوق الشيوخ تهدف إلى رفع مستوى مياه نهر دجلة لتسهيل مرور سفنها العسكرية، فأثرت بدورها على تنظيم توزيع المياه على الأراضي الزراعية، التي انخفض إنتاجها الزراعي هناك، في حين صرفت مبالغ كبيرة من خزينة متصرفية الحلة، في تخويل الشيخ (عمران السعدون) قائم مقام قضاء الهندية على استكمال حفر جدولي (بني حسن والجورجية)([63]) عام 1917م، ووصفت التقارير البريطانية الاوضاع الزراعية في منطقة الهندية اواخر عام 1917م (انها محرومة من الماء، ولم يكن في قضاء الهندية اي محصول بالمرة وعلى امتداد فرع الحلة من النهر. . . وكانت غلة الحاصل الناضج ضئيلة جدا . . . وقد غمرت المياه مدينة كربلاء والاراضي المحيطة بها)([64])، وتوضح للسياسيين البريطانيين في العراق ان منطقة الفرات الاوسط ذات مردود زراعي جيد، وانها الاكثر رخاء عن باقي البلاد، وهي مسالمة لا تسعى للقيام بانتفاضة ضد الحكومة وحدد ان (تسع عشائر يقدرون الاعمال التي يجري انجازها من قبل الادارة)([65]) مبتغية بذلك الإفادة من الواردات الضريبية الزراعية هناك، وكسب ود عشائر الفرات الاوسط بتأييد وجودها في بلدة السماوة وشمالها التي اعانتها في الاحتلال واتبعت معهم سياسة تركهم وشأنهم مستقلين ينعمون بفترة الحكم الذاتي معفووين من الضرائب والواردات الحكومية أو الملا كية خلال عام 1917م([66])، والذي كان أفضل طريقة وجدتها بريطانيا في السيطرة على العشائر أكدته (المس بيل) قولها (كان الاستثمار الزراعي اقوى سلاح في أيدينا لتهدئة القبائل)([67]).
سعت ادارة الاحتلال لاستعادة قوة النقود الورقية الرسمية (الروبية) بعد ان عزف السكان عن التداول بها باستعاضتهم النقود الذهبية والفضية فعملت الادارة البريطانية على إكثار مشترياتهم بالذهب والفضة، وفرضوا قبول جباية الضرائب والرسوم بالنقود الورقية، واستمروا بذلك حتى اصبحت النقود الذهبية والفضية فائضة في الاسواق قابلها ندرة النقود الورقية، حينها نجحت سياستهم النقدية وشرعوا يغمرون الاسواق بالنقود الورقية، الامر الذي نتج عنه في بغداد تضخم نقدي هائل لم يشهد له مثيل السكان من قبل، واستفادت منه القوات البريطانية في بناء الثكنات العسكرية وتعبيد الطرق ومد السكك الحديدية وتشييد القناطر، وسد حاجتها إلى الاطعمة، فضلا عن تأثيرها في منطقة الفرات الاوسط فجنى اكثر السكان اجورا وارباحا كثيرة، واستفاد شيوخ عشائرها وتجارها والمتعهدون من التضخم النقدي واصبحوا اغنياء الحرب يلعبون بالمال ويبذرونه تبذيرا يلفت النظر، في حين تأثر قسم من السكان بارتفاع اسعار الحبوب([68])، وكاد ان يؤدي إلى مجاعة في بغداد والفرات الاوسط، واكدته (المس بيل) قائلة (وهكذا ادركوا ان مستوى الاجور قد زاد كثيرا على مستوى تكاليف المعيشة)([69]).
أدى هبوط الإنتاج الزراعي وتوقف استيراد البضائع الصناعية إلى ارتفاع الأسعار وحصلت الاحتكارات التي كانت أرباحها فاحشة، وانتشرت المجاعة والموت في بعض المناطق الفقيرة في الموصل وبغداد، وتفشي أمراض الطاعون والكوليرا، حتى أقفرت بعض المناطق بكاملها من السكان([70]).
أعادت الادارة البريطانية فرض الضرائب على المدن المقدسة بعد ان رفعت عنها خلال فترة الحكم الذاتي، واعتبرت دفعها استحقاقها معيارا للطاعة والنظام، والضرائب التي اعيد فرضها على ]البيوت والبناء والماء والمسالخ والوردية (تؤخذ على جمع دواب الجر والحمل المستعملة للاجرة)[، وضريبة (الميدانية على الدكاكين) وفي النجف تسمى (البصوانية) وهي ضريبة حراسة واخرى شبيه لها على البيوت تسمى (البيتية) اضافة إلى ضرائب اخرى اقل أهمية([71])، إذ وقع العبء الاكبر في دفعها على كاهل الطبقات الفقيرة في وقت ارتفعت فيه الاسعار وزاد التضخم النقدي.
وقد أوردت بريطانيا على لسان الجنرال (هالدن)، اهتمام حكومته الأول بجمع الضرائب، حيث كانت (المسائل المالية تحتل الصدارة في نظرنا)([72])، والتي أثرت سلبا على الحياة الاقتصادية لعامة السكان، حددت (المس بيل) تكاليف الحياة العالية التي اضطرتها لشراء (الصابون والسكر والبيض بأثمان عالية)([73]).
وكافأت سلطة الاحتلال عشائر الرحالة شرق الفرات جنوبا حتى الزبير، المؤيدين منهم للاحتلال لتأمين الطرق المهمة التي يسلكها المحتلون من الاعتداء، بأن نصبت الشيخ (عبد الله آل رشيد) شيخ الزبير محل الشيخ (محمد المشري) الذي كان حليفا لــ (عجمي) شيخ المنتفك المعارض للاحتلال واكرمته مقاطعة ثمينة على الضفة اليسرى من شط العرب([74])، وقد تضمنت السياسة الاقتصادية من خلال ما يأتي:
1- الضرائب وأساليب جمعها:
فرضت الحكومة البريطانية بعد استقرارها في معظم مدن العراق ضرائب كثيرة، عّدت دافعيها (دلالة ظاهرة للعيان تدل على اعتراف العرب بالخضوع. . . يعتبر مقياساً بارزاً للولاء)([75])، أثقلت كاهل الشعب العراقي، بعضهم لم يألفها في الحكم العثماني، في تنظيم مراقبة بيع وتجهيز المشروبات الروحية، ورسمي الطوابع وعلى جثث الموتى([76])، وأوجبت على الناس دفع ضريبة ماء الشرب والبناء وضريبة الوردية التي تؤخذ على حيوانات الأجرة، وما يجبى من إثمان الحيوانات التي تباع في السوق (الميدانية) وغيرها([77])، والتي بلغ مجموعها المالي عام 1919-1920م، ضعف ما جمعه العثمانيون في السنة المالية1911-1912م([78]).
كانت ضريبة الدفن لجثث الموتى مربحة، وتؤخذ على من يتجاوز عمره ثلاث سنوات ممن يدفن في مقبرة النجف حيث بلغت حصيلتها عام 1918م (48000) روبية، فضلا عن الضريبة المتممة لها (الكرنتينة) الحجر الصحي، هي الأخرى حققت ربحا كبيرا للمحتلين بلغت قيمتها في العام نفسه (53000) روبية([79])، ويذكر الحاكم السياسي في تقريره عن ضرائب النجف (إن ما جمعناه في الربع الأول من سنة 1918م يزيد على مثيله في السنة الماضية)([80])، وبذلك تحول الاحتلال البريطاني إلى عبء اقتصادي ثقيل على كاهل العراقيين، الذين لم يستطيعوا مجاراة الحالة أو السكوت عنها، بل وجدوا في التصدي للاحتلال ما يضمن الغاء أو تخفيض تلك الضرائب، والتي حللها المؤرخ (عباس العزاوي) (لا يرجح هذا العهد بوجه على ما سبقه من العهود والعصور، فان ضرائبه فتكت بالاهليين وجعلتهم لا يشبعون خبزا وان التحكم بلغ الذروة، وتجاوز المعهود المعقول والاستطاعة، ولو قابلنا الضرائب في العهود السابقة بضرائب هذا العهد لوصلنا إلى نتائج محزنة جدا، ولما امكننا إلا إن نتضرع إلى الله تعالى أن يبصر العتاة بان يقللوا من شرهم)([81])، ووصفت جريدة الفرات النجفية أسلوب جمع الضرائب بأنهم سلبوا (الحب حتى من منقار الطائر) واستخرجوا (المخ من العظم) وضاعفوا (الخراج إضعافا للزراع)([82])، ومارسوا أبشع الوسائل في جمعها من خلال استخدام الطائرات لإرهاب الناس، فضلا عن أكساء الهارب من دفع الضريبة ملابس حمراء والطواف به في سوق المدينة، والتي لا تخلوا قواعدهم الرسمية من جلد المخالفين([83]).
ومنعاً لانتشار الاوبئة على صحة جنود الاحتلال، فرضوا غرامة قدرها (10) روبية على كل من يتغوط في الطرقات، و(5) روبية على من يتبول فيها، ونفذوا الامر بالضرب والشدة والاهانة التي استخدمها (الميجر ديلي) في الديوانية، الامر الذي اظهر نتائجه على سمات نظافة بعض مدن العراق، لكن عامة الناس تذمروا من هذه السياسة والاسلوب المتخذ في الحد من تلك الظاهرة([84]).
فرقت حكومة الاحتلال بين شيوخ العشائر في سياسة جمع الضرائب وفقا لولائهم للسلطة المحتلة، فمنهم تم اكرامه بسخاء وشطبت ديونه وخفض ما يدفعه من ضرائب إلى اكثر من النصف، كما حصل مع الشيخ (فالح الصيهود) في منطقة قلعة صالح من (9000) ليرة تركية إلى (1,600) ليرة زائدا (200) ليرة عن كودة الاغنام، في حين خفض قليلا ايجار الشيخ (زبون الياسر) من (14000) ليرة إلى (7,600) ليرة زائدا كودة قدرها (193) ليرة، تبعا لموقع اراضيهم المهمة في زحف القوات المحتلة، وبقيا ممثلين رسميين لحكومة الاحتلال بصفة مؤقتة في منطقتيهما([85]).
ركزت السلطة البريطانية على استخدام العراقيين في إعمال السخرة لاستكمال مشاريعها الاستعمارية ومراكزها العسكرية، التي وجد جنودها فيهم وسيلة هيمنة في التهكم والاهانة على السكان العراقيين، واعترف حاكم الشنافية البريطاني بأنه (استخدم عدد من العمال في بناء سكة الحديد، وكنا نلجأ إلى جمع العمال بالقوة في حالات كثيرة)([86])، فضلا عن استخدام سياسة النفي خارج العراق للمعارضين العراقيين لسياستها، وإزاء تلك السياسة القاهرة، قامت الثورات والانتفاضات الشعبية والعشائرية في معظم مدن العراق، ففي النجف قتل الكابتن (مارشال) عام 1918م([87])، ثم قيام ثورة 1920م في اكثر مدن ومناطق عشائر العراق.
2- التبرعات والغرامات الإجبارية والمصادرة:
وجدت السلطة البريطانية وسائل أخرى في جمع المبالغ لإدامة مواردها المالية، فأجبرت المواطنين على دفع مبالغ كبيرة باسم التبرعات، منها لبناء الملاجئ للجنود في بريطانيا ولتشييد صرح كبير يمثل القائد (مود)([88]) وتبرعات للصليب الأحمر، وبأساليب كثيرة دعوتها الناس على دفع مبالغ التبرعات الكثيرة مؤلفة لجان من مختلف الطوائف لجمعها، وحصلت على مبالغ كثيرة من اخذ الدية (الفصل) من القاتل وفقا لإجراءاتها التي اعتمدتها في حل مشاكل الفلاحين على التحكيم العشائري، في بلورتها لإصدار قانون اسمته (نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية)([89]).
صادرت السلطة البريطانية بعض الأراضي الزراعية بحجة إقامة معسكراتها أو شق الطرق فيها، والاستيلاء على دور الملاكين لإيواء الجند، الذي ولد شعوراً بالغيض وعدم الرضا ينتشر بين أصحاب الدور، واستملكت عدة مقاطعات من أصحابها ولاستخدامها لأغراض حكومية تشرف عليها دائرة الواردات، ولم يسلم من أسلوب المصادرة أصحاب الحوانيت والفنانون وأمثالهم من المساس بأوضاعهم، ووضعت بريطانيا اليد على بعضها لأغراض عسكرية، فضلا عن فرض ضريبة الأملاك عليهم من مبلغ الاجار السنوي([90]).
نتج عن انتفاضة النجف عام 1918م، عقاب جماعي ومعاملة استبدادية من خلال حصار القوات البريطانية لمدينة النجف أربعين يوما ذاق سكانها فيه أنواع المشقات والهلاك، فضلا عن دفع غرامة قدرها خمسين ألف روبية وتسليم آلف بندقية ونفي مائة شخص من الثائرين إلى الهند كأسرى حرب([91]).
بعد فشل ثورة الأكراد في السليمانية عام 1919م في مقاومتهم السلطة البريطانية بقيادة الشيخ (محمود) وصهره الشيخ (غريب) قبض عليهما وحكم على الشيخ (محمود) بالإعدام ثم استبدل بالحبس لمدة عشر سنوات، وحكم على الشيخ (غريب) بالحبس خمس سنوات ودفع غرامة مقدارها (عشرة ألاف) روبية([92]).
وفي انتهاء ثورة العشرين، أصدرت السلطات البريطانية قائمة غرامات توجب على عشائر الفرات الاوسط دفعها ممن شاركت في الثورة ضدها على النحو التالي:
غُرم شيخ عشيرة آل فتلة (شمران) ألفي روبية وسبعمائة بندقية، وغُرم الشيخ غالب السلطان ألف روبية مع خمسمائة بندقية، وجرت على عشيرة طفيل دفع آلفين روبية وخمسمائة بندقية ومائتي رأس غنم وألف رأس بقر، وتغريم عشيرة البراجع ثلاثة ألاف روبية وخمسمائة بندقية، وغرمت عشيرة خفاجة ثلاثة ألاف روبية ومائتي بندقية، فضلا عن مصادرة مواشي عشيرة آل فتلة بحدود آلف رأس من البقر وثمانية ألاف رأس غنم وخمسمائة رأس خيل([93])، وفرضت على مدينة كربلاء تسليم أربعة ألاف بندقية نصفها من الطراز الحديث ومائة رصاصة مع كل بندقية وبخلاف ذلك تؤدي غرامة مقدارها عشرين ليرة عثمانية عن كل بندقية وروبية عن كل رصاصة لا تسلم([94])، وفي منطقة الشامية سلمت عشائرها ثمانية ألاف بندقية ومائتي ألف خرطوشة([95])، وغرمت مدينة النجف على دفع ثلاثمائة بندقية أو بدلها إحدى وثمانين ليرة ذهبية([96])، وفي الشمال فرض الميجر (لونكريك) غرامة على مدينة (كفري) بتسليم خمسمائة بندقية ودفع عشرة ألاف روبية([97])، وبهذا الأسلوب حققت السلطة البريطانية ضربة ساحقة لقوى الثورة في جميع إنحاء العراق جميعا، وتهيأت لهم إمكانيات كبيرة في الحفاظ على تفوقهم العسكري والتكتيكي وتقوية مركزهم الذي تزعزع خلال الثورة.
كذلك مارست سياسة التفريق وتمزيق اللحمة الأسرية والعشائرية من خلال مصادرة أملاك الشيوخ ومنحها إلى مجاميع أخرى ممن تماشت سيرتهم مع سياستها لتخلق فجوة كبيرة بين الأسرة نفسها عندما أصدرت حكم الإعدام على الشيخ (شخير الهيمص)، وأمرت بمصادرة أراضيه وإعطائها إلى شقيق شيخ عشيرة البو سلطان (عداي الجريان) (المعتمد من قبل السلطات الانكليزية)([98])، وجرى الأمر نفسه على عشيرة بني مسلم التي صادرت أكثر أراضيها في منطقة الهندية بعد ثورة العشرين ومنحتها إلى الشيخ (حميد ألبو صافندي) رئيس عشيرة الكرافة([99])، لتدب فيهم روح النزاع وتمزيق وحدتهم بما يضمن نجاح سياستها وتنفيذ أمرها عند العشائر الأخرى.
ثانياً: نتائج الاحتلال البريطاني على العراق
تجسد موقف العراقيين الرافض للاحتلال ونظامه الجديد في محاولته تطبيق أسس سياسته في الهند إلى مواقف ثورية وشديدة تنم عن أن الناس عدّوا من يعمل مع البريطانيين كفاراً، وصاروا يلعنوهم في الشوارع والمقاهي، وكثيرا ما يتحول موقفهم إلى مجابهة مسلحة منتظمة، ففي مدينة النجف قادت (جمعية النهضة الإسلامية) السرية الثورة الشعبية ضد الاحتلال والتي كانت لها وقعاً كبيراً على العشائر في تهيأت وتنظيم القتال في المنطقة([100]).
تفجرت انتفاضات شعبية ضد البريطانيين في المناطق الكردية كلفتهم خسائر كبيرة ولا سيما في السليمانية، التي سرعان ما أفصحت بريطانيا بعد إن لمست خطورتهم على امن المنطقة وعرقلة سياستهم فيها عن سياستها الجديدة في المنطقة من خلال إخبار الأكراد مضامين كتاب وكيل الحاكم الملكي العام الذي نص على (خولتني حكومة صاحب الجلالة إن أطمنكم شخصيا بأنها لا تنوي انتهاج سياسة انتقامية نحو الأكراد عن الإعمال التي ارتكبت خلال الحرب، لكنها مستعدة لمنح العفو العام عن الجميع. . . وترغب حكومة صاحب الجلالة إن اطمنكم بان المصالح الكردية سوف لا يغض النظر عنها في مؤتمر الصلح)([101])، والتي لم تضمن للأكراد فيما بعد الوفاء بوعدها وتنفيذ مقرراتها، وسايرت سياسة تركيا في مخططاتها تجاههم في سياسة الصهر العنصري والقمع الدموي، وفي كربلاء وبابل وبغداد وغيرها عقدت الاجتماعات والندوات التي طالبت بتشكيل حكومة عراقية مستقلة وإنهاء الاحتلال، حيث ألقت القوات البريطانية القبض على بعض رجالاتها ونفوا إلى جزيرة هنجام([102]).
1- الجانب الاجتماعي:
ترك الاحتلال البريطاني بصماته على المجتمع العراقي من الأوجه جميعا، على أساس (فرق تسد) القائمة على تعزيز ربطه بأسواقها الخاصة والأسواق الرأسمالية عامة، من خلال الاعتماد المباشر في اقل عدد ممكن من رؤساء ومتنفذي العشائر العراقية، وأقاموا علاقات معهم منذ الاحتلال في تركيز القوة الاقتصادية (الأرض) والسلطة (الإدارية) بأيدي الشيوخ، والذي توضح في تقرير الحاكم السياسي البريطاني في العمارة قوله (لقد ساعدنا أيام الحرب إبقاؤنا على شيخ واحد في مقاطعات كبيرة. . . إن المهمات الآتية جعلت من الضروري والعملي إسناد الشيوخ الكبار)([103])، فكانت وسيلة مؤثرة على المجتمع في إطاعتهم لرئيسهم الذي وجدوا فيه ضمان حل مشاكلهم والتقرب به من سلطة الاحتلال عند المراجعات الرسمية.
رأى العراقيون في الاحتلال البريطاني الغلاء غير المعهود، إذ ارتفع سعر خبزه اليومي خلال سنوات قليلة بمقدار 1. 5الى 2. 5مرة والشاي بمقدار ثلاث مرات والسكر بمقدار خمس مرات، وكثيرا ما توزع بالبطاقات([104]).
ازاء ذلك قامت السياسة البريطانية على ستر سياستها في إشغال مسؤوليها العاملين في العراق ممن يفتقرون إلى الخبرة الإدارية والحنكة السياسية والجهل بطبيعة المجتمع العراقي، في أن العراقيين غير قادرين على الإدارة بنفسهم، وصار الموظفون الاجنبيون الجدد صارمين في تطبيق الانظمة والقوانين لا يراعون فيها احدا، وكثيرا ما كانوا يعاملون الناس بالعجرفة والفظاظة وعدم الاحترام، على النحو الذي اعتادوا عليه في الهند بغض النظر عن الفرق بين شخصية ونفسية العراقي والهندي ([105])، وتحفظت السلطة البريطانية على عودة الضباط العراقيين من سوريا وتركيا الذين يؤلفون نخبة المثقفين العراقيين آنذاك، قد جعلها في مأزق سياسي واجتماعي عندما عزمت على ترشيح الأمير (فيصل) ملكا على العراق والقبول بشروطه في إدارة الدولة الجديدة([106])، عززه الترحيب الشعبي الكبير بالأمير (فيصل) في معظم مدن العراق.
قلد الحكام البريطانيون أناسا عواما ومنبوذين في المجتمع بعض المناصب الإدارية، وفي امور الشرطة البستهم سراويل قصيرة والتي لم يألفها العراقيون، واقامتهم في الشوارع والازقة، وفرضت على المارة ان يسيروا في الجهة اليسرى من الشارع، والمخالف بسلوك الجهة اليمنى سهوا يتعرض للاهانة أو يضرب بالسوط يلفحه جنود الانضباط العسكري([107])، الأمر الذي أزعج الفئات الاجتماعية وولد عندها الاستياء والكره في التعامل أو انجاز متطلبات الإدارة الناجحة، فضلا عن سماع الحكام البريطانيين شكاوى الفلاحين من دون الأخذ ببراهين الملاكين، مما أدى إلى التقليل من مكانتهم في المجتمع وأصبحت طبقتهم مستاءة من الحكومة، فانظموا إلى التجمعات والتنظيمات السياسية والسرية ذات الأهمية بين الفئات الاجتماعية والدينية المشتركة([108])، وبذلك احدث الاحتلال طبقات اجتماعية اصبح فيها المحترم ذليلا والذليل محترم، وسيء احترام الاشراف وذوي النسب الرفيع، الذي كان بارزا في العهد العثماني.
لذلك سار الحكام البريطانيون على أسلوب هدر كرامات الناس من خلال الضرب والاهانة والزجر وعلى طريقة ما نقلته قصص إلف ليلة وليلة في خروج الملوك، فيقدم الشرطي أو العسكري بيده عصا وبخطوات سريعة يصرخ بأعلى صوته (قوموا . . . قوموا) على الجالسين في المقاهي والراجلين في الشوارع ليحيوا الضابط البريطاني المار في ديرتهم، والذي يحيي الواقفين بابتسامة ساخرة واستخفاف مقيت، ومن لم ينتبه له لانشغاله بحديث مع زميله أو بابتياع حاجة انهالت عليه السياط([109])، كذلك ولد سلوك حاكم النجف الكابتن (كرين هاوسF. S. Greenhouse)، الغبطة والألم والاهانة على مجتمع المدينة في إساءته السير في الشارع وامامه من يستعمل السوط على الناس لفسح الطريق امامه([110]).
ومارس الحكام البريطانيون أسلوب الاهانة والشتم للشيوخ عند حضورهم في مكاتبهم، تناقلتها الألسن والمذكرات عندما يغتاض الشيوخ من اقتراب الكلاب البريطانية منهم لاعتقادهم بانها في العرف الاجتماعي والديني (نجسة) والتي تثير تلك غضب الحاكم ويجعله يسرع في الاهانه والزجر على سلوكهم هذا أو الاختلاف معهم بأمور أخرى([111]).
أجبرت شرطة الإدارة البريطانية الرجال العراقيين على النزول من ظهور خيلهم عند دخول المدينة وأصدروا عليهم الأوامر المهينة والمخجلة بإبقائهم واقفين مدة طويلة والعمل على جمع فضلات الخيل وإفرازاتها (الروث) إمعانا منهم بالتنكيل والاهانة([112])، ومن يخالف نظام السير في شوارع المدينة وفي الجسر بركوب الحيوانات (الحمير، الخيل والابل) يعاقب بالضرب المبرح بعصا غليظة([113])، وفي مدينة الديوانية امر (الميجر ديلي) ان يترجل الخيال عن ظهر حصانه قبل وصوله إلى البلدة بخمسمائة متر ويخلع عقاله ويسير مشيا على الاقدام([114]).
أما محاكمهم فكانت شاذة ومنافية لأبسط قواعد العدل، فيخبر الحاكم السياسي في الديوانية المتنازعين انه سيرمي العملة النقدية المعدنية على الأرض، فان كانت صورة (طره) فسيحكم لصالح فلان، وان كانت كتابة (كتبة) فسيحكم لخصمه([115])، وانطوت تلك الإعمال على الاستخفاف بعقول الناس وإذلالهم إذ كانت تلك المحاكمات اشد وطأة من سلوك الولاة العثمانيين.
واتخذت حكومة الاحتلال اجراءات صارمة ضد (الاشقياء) وحملت السلاح، فقد حكمت على من يلقى القبض عليه ليلا وحامل سلاحه بالاعدام، وشاهد المواطنون صباح كل يوم جثثا معلقة على المشانق، فولدت تلك السياسة ذعرا بين الناس وعزموا على التخلص من اسلحتهم برميها في النهر والابار أو بدفنها تحت الارض، وشاع بين الناس ان المحتلين جلبوا معهم القطط القادرة على كشف السلاح المخبوء في البيوت عن طريق الشم([116]).
ركزت السياسة البريطانية على تقويض مقومات الإقطاع وترسيخ دعائمه وتنظيم أسسه قانونيا من أجل تكوين قاعدة اجتماعية مضمونة يمكن الاعتماد والركون إليها في الحكم، وبذلك عملت على إصدار (قانون دعاوى العشائر المدنية والجزائية) المستمد من نظام هندي، من خلال الاعتماد على اقل عدد من ابرز متنفذي الريف باركان السلطة السياسية والإدارية في أيدي الشيوخ([117])، وبموجبه فصل المجتمع العشائري قانونا عن المحاكم المدنية، حيث سمحوا بالعمل بالفصل في امور العدالة بين رجال العشائر، الذي احتوى على مواد عقابية لم يألفها الناس حتى قبل الإسلام، فقد عرضت المنازعات على محاكم عشائرية لتحقيق الرضا من خلال دفع دية الدم إلى اهل القتيل أو فصل الاعتداءات بمبالغ يحددها المجلس العشائري وبحضور الضابط السياسي البريطاني ليكون لحكومة الاحتلال نصيب ايرادي من المبلغ المدفوع باعتباره تأكيد المسؤولية الجماعية لسلوك الفرد، لإذلال الشعب العراقي وتمزيق وحدته الاجتماعية وحتى الدينية([118]).
وسار الاحتلال في منطقة الفرات الاوسط عند اختيار بعض الشيوخ دون مراعاة القواعد المتعارف عليها في وراثة المشيخة، من ان الرئاسة العامة في العشيرة الكبيرة تنحصر حسب العرف العشائري في سلالة الرئيس الاكبر دون اخوته أو ابنائه لكن الانكليز اختاروا لرئاسة العشيرة ممن ابدى لها الصداقة والولاء أو له صلة سابقة بهم في العهد العثماني بغض النظر عن مقامه الحقيقي في عشيرته([119])، والذي كان له أثر على سياستهم عند اندلاع ثورة العشرين من مواقف مؤيدة أو معارضه لهم، وامعانا بإذلال الشيوخ واضعاف تعسفهم، سمحت حكومة الاحتلال لقبول شكاوى الفلاحين ضد شيوخهم وان كانت ملفقه وغير صحيحة والنظر فيها، حتى اصبحت طبقة الملاكين والشيوخ من المعارضين والمستائين للحكومة.
مارست حكومة الاحتلال أساليب أخرى منها سياسة التحبب بين السكان وأظهرت ذلك في مدينة بغداد على دحض دعاية العثمانيين ضدهم فصاروا يحترمون المساجد والمراقد المقدسة وسمحوا بإقامة الشعائر الدينية المختلفة وزاروا رجال الدين معلنين حبهم للإسلام وجاؤوا لخدمتهم، وتقربوا نحو طائفة السنة وأغروا علماءهم بقبول الوظائف والاهتمام بدوائر الأوقاف وأغدقوا عليهم الأموال، وفي المقابل اهتموا أكثر بطائفة الشيعة وراعوا مواكبها وطقوسها الحسينية التي تقام في شهر المحرم وقدّموا لهم ما تحتاجه تلك المواكب من مظاهر الحماية والمواد النادرة كصفائح النفط ونسيج الأكفان([120])، التي من خلالها أججت الطائفية لتمزيق وحدة المجتمع العراقي في ممارسة التنكيل بقياداتهم الدينية بالاتهامات السياسية أو التحريض على أثارة الفتن وتهويلها في المناسبات الدينية المختلفة.
شاع المحتل البريطاني النعرات الدينية والمذهبية بأسلوب مقيت في أكثر مدن العراق، حيث أشار التقرير الإداري البريطاني لشهر تشرين الأول 1918م أن الإدارة البريطانية تعتزم تعيين قاضٍ سني في مدينة النجف، فضلا عن إصدار تعليمات على العمال العاملين عندها بإجبارهم ارتداء ثيابِ موحدة بحسب انتمائهم القومي والطائفي، فالعمال السنة يرتدون كوفية حمراء وعقال اسود ويرتدي إخوانهم من الشيعة كوفية زرقاء وعقال ابيض، وربط فئة المسيحيين الدينية بوشائج قوية مستغلين بذلك ما خلفته مظاهر السياسة العثمانية في المجتمع ([121])، لتمزيق لحمة الشعب العراقي واضعافه من خلال تلك السياسة، والواضح أن سياستها في إظهار الطائفية سيعود عليها بالنفع السياسي الذي ستجده في تعلق المسيحيين واليهود بحكمها، فضلا عن تهيئة ورقة رابحة لديها عن المذاهب الإسلامية تبرزها متى جاءت الحاجة إليها للضغط على المذهبين الواحدة على الأخرى بوسائل تصطنعها والتي فشلت بها في ثورة العشرين، فضلا عن استحواذ السلطات البريطانية على أوقاف الشيعة والإشراف عليها مباشرة.
أججت السلطة البريطانية المشاعر العربية للمواطنين في زرع النزاعات القومية والدينية والقبلية وعمدت إلى اهانة السكان من كبار السن والأطفال من العرب والأكراد على حد سواء ولم يتورع ضباطها في الكف عن ذلك، وحطم جنودها تراثهم الآثاري والحضاري في بعض المدن العراقية القديمة([122])، وعزمت في شمال العراق على كسب الاثوريين الهاربين من زعمائهم في مدينة عقرة وأسكنتهم قرب مدينة بعقوبة والقسم الأخر حلوا في بعض المناطق الكردية من أراضي الفلاحين الأكراد التي طردتهم منها، وهذه القضية من أوائل التغيير (الديمغرافي) العرقي والقومي للسكان، الأمر الذي زاد في حدة النزاع بين الأكراد والاثوريين، كما استخدم الجيش البريطاني فوجين من الاثوريين المدربين في بعقوبة لإخضاع مناطق (العمادية والكويان وبرواري السفلى والعليا)([123])، وركزت السلطة البريطانية على زرع الشقاق بين القوميات والقبائل والأديان المختلفة، عندما دمجت منطقة اليزيديين بمنطقة جبل سنجار إداريا([124])، لتدب النزاع المستحكم بينهما، مبتغية بذلك استمرار أعمال العنف والقتال بين المنطقتين وإبعادهما عن مقاتلتها ثم تثبيت سياستها عليهما باسم الحفاظ على امن المنطقتين.
عزمت السلطة البريطانية على تمزيق أواصر العلاقات الاجتماعية العشائرية فيما بينهم ودبت بين بعضهم الحزازات والحقد، الذي وصل إلى حد الاقتتال عندما أقدمت قبيلة عنزة برئيسها (فهد بن هذال) الموالي لبريطانيا هجومه على مكان (عطية أبو كلل) قرب السماوة المتهم بقتل القائد البريطاني (مارشال) في النجف، الأمر الذي اجبره على تسليم نفسه للسلطات البريطانية قبل نهاية نيسان عام 1918م([125])، ولم تفلح السلطة البريطانية في تمزيق شمل عائلة (آل كمونة) المتنفذة في كربلاء وتأجيج خلافاتها مع أسرة (آل العواد)، فضلا عن اعتقال كبيرها (فخري كمونة) من لدن السير (بيرسي كوكس) الحاكم الملكي العام وتهديد شقيقه (محمد علي) بالإقامة في بغداد ليبقى تحت أنظار السلطة البريطانية، والتي انتهت سيادتهما ومكانتهما في كربلاء بنفيهما إلى الهند عام 1917م([126]).
صادرت قوات الاحتلال مطبعة الولاية، عند دخولها مدينة البصرة ورأت ان تستخدمها في طبع نشراتها وبياناتها لطلاع السكان على سير المعارك في العراق وتستعين بها على توطيد سلطان سياستهم ومتطلباتهم، وللحيلولة دون استخدامها من الاخرين ضدهم([127])، وكانت تلك النشرات تقرأ بصوت عال على تجمع حشود الناس في المقاهي، لتؤثر اخبارها على (التأثر بالدعاية المؤيدة للبريطانيين)([128]).
منعت السلطة المحتلة العراقيين من إصدار الجرائد الوطنية والسياسية، حيث سمحت فقط بصدور الجرائد الرسمية التابعة للسلطة (جريدة الموصل ونجمة الكركوكية التي تصدر نصفها باللغة التركية والنصف الأخر بالعربية، وجريدتا العرب البغدادية والأوقات البصرية والى جانبها صدرت جريدة بصرة تايمز باللغة الانكليزية) وأصدرت مجلة واحدة بعنوان (اللسان الأدبية)([129])، كتاباتها كانت وسيلة دعائية للمحتلين، تدفع جرائدهم اجورا عاليا لمن ينشر مقالا أو قصيدة يمجد الاحتلال ويعظم قادته، وبذلك اخذت القصائد (العصماء) أو المقالات (الرنانة) تنهال على الجريدة وهي تلهج بمدحهم وذم الاتراك، تحمل مقالاتهم أسماء بتواقيع مستعارة، فصحيفة العرب وصفت العرب بأهل الحضارة وعلم وشهامة ووفاء، و(الاتراك اهل عبث وجهل وفساد وقد عرفو بنكث الوعود)([130]) ونعتتهم الجريدة بكلمات مقيته ومشينه في انهم ما جاؤوا (الاتراك- أي وربك- فاتحين، بل مخربين عائثين) ([131]) وربطت الجريدة بين سياسة التتريك والتجنيد من ان (غرض الاتحاديين في تجنيد الناس بعد تتريكهم هو لكي يحولوا دون تعلمهم علوم الدين وأداء فرائضه، ولكي يهجروا المساجد والجوامع([132])، وعلى العكس من ذلك مجدت الجريدة الاحتلال البريطاني وصورته بانه كان (بدافع سامي محض حينما اقدمت على خوض الحرب في العراق فقيض لها النصر، ودخلت جيوشها الباسلة بغداد، مصافحة العرب، مصافحة الحبيب لحبيبته)([133])، والذي ولّد مجموعة منافقة ومتقلبة في نظر المواطنين العراقيين، قالت عنهم المس بيل (فالكلمات عند الشرقيين هي مجرد الفاظ لاتعني شيئا فقد يقولون اليوم شيئا وينقضونه غدا، وهم لايتركون هذه العادة ابدا)([134])، فضلا عن كبح الحكومة حرية الكلام والاجتماعات وراقبت السياسيين والنخب المثقفة من خلال جواسيسها، وحددت مضامين المناهج الدراسية العامة، لتحقيق ما يضمن سياستها وأهدافها في العراق، باعتقادها بأنها الوسيلة الوحيدة لنهضة البلاد الثقافية والاجتماعية مستقبلا.
أفشت بريطانيا في العراق تعاطي المخدرات وسمحت علنا من غير واعز أخلاقي ممارستها، إذ أمرت أنظمتها على إصدار تعليمات خاصة في زراعة (الخشخاش) الذي يدخل في إنتاج (الأفيون)، وسمحت باستيراده وخصصت رسوم كمركية يدفعها المستورد ومنحت إجازات للبيع العام لتسهيل توصيله إلى جميع إنحاء العراق([135])، تصبو من ذلك تحقيق نتائج اجتماعية سلبية تؤثر على الروابط الاجتماعية، وإضفاء حالة الانتشاء منه بتخدير عقول الشعب وخموله مؤديا إلى إبعاده عن معتقداته وإيمانه بدينه، وسلوك هاوية الرذيلة والموبقات التي تبعده عن المطالبة بحقوقه وتضعه في الشرك المذموم اجتماعيا ودينيا.
كانت محصلة سياسة الاحتلال البريطاني تعزيز التناقضات والمشكلات الاجتماعية، ورزح العراق تحت كابوس اشد وطأة وأكثر خبثا وتنوعا عما كان عليه في العهد العثماني، وربطته بأسواقها خاصة والأسواق الرأسمالية عامة، وأصبح الاحتلال في نظر العراقيين واقعا مرفوضا إلى درجة أنهم لم يتأثروا بإجراءاته الايجابية مقارنة بما سرى عليهم في العهد العثماني، فكان صورة قاتمة للمحتل الذي فرض إرادته بحكم مركزي قوي أفضى بتحقيق أهدافه الاستعمارية.
على الرغم من ورود تلك المساوئ في سياسة الاحتلال البريطاني إلا إن هذا الدور لم يخل من محاسن في تهيئة بعض العراقيين للاتصال بالمدنية الغربية اتصالا مباشرا والتأثر فيهما حسبما تقتضيه الأحوال الاجتماعية والفكرية لهم، فقدمت الحكومة البريطانية نموذجا لحكومة حديثة أكثر حداثة من حكومة العثمانيين في نشر النظام وإطاعة القانون ومعالجة مشاكل البلاد وتوضيح فكرة الحكومة الجديدة وهيأت الظروف الملائمة لقيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921م، التي أدت إلى حدوث تبدلات جوهرية في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية.
ولمكافحة مرض الكوليرا الذي ظهرت اعراضه في العراق، صدرت اوامر مشددة بفرض التطعيم الاجباري على معظم السكان، ونقل كل مريض مشتبه به إلى مستشفى العزل، وصاحبها منع السفر الا لمن يحمل وثيقة تطعيم ضد المرض([136])، وان كانت بادرة حسنة وصحية الا ان الناس ضجرت من هذه الاجراءات وتهربوا من رجال التطعيم اليهم، وانتشرت وثائق تطعيم مزورة تباع خفية عن انظار الحكومة للمسافرين، فضلا عن كتمان امر المصابين بالمرض عن الحكومة كي لا تنقله إلى مستشفى العزل لاعتقادهم ان هناك يقتل مرضاهم.
وصف التقرير الرسمي البريطاني حالة بغداد الاقتصادية (لصعوبات ناشئة عن قلة وسائل النقل، ولم تتوفر وسائل النقل لتصدير الجلود والصوف والمواد الخام الأخرى التي تجمعت في بغداد قبل احتلالنا، والتي نحن في حاجة ماسة لها في الوطن ويصدق ذلك على التمور أيضا . . . وعلى هذا فقد تأثر الوضع المالي في ولاية بغداد في صورة عكسية ولكنه ما لبث إن تحسن)([137])، ومدت الادارة البريطانية في وقت قصير جدا عام 1918م خطوطا حديدية بين بغداد والحلة مع خط فرعي من الحلة إلى الكفل واخر من الناصرية إلى السماوة، فضلا عن تحسين الطرق الصالحة لحيوانات الحمل فقط لتمكين المركبات من استعمالها([138])، والتي سهل عليها جباية الضرائب في لواء الحلة، كما بادرت الادارة البريطانية إلى الغاء بعض الضرائب مثل ضريبة الاشغال العامة وضريبة التعليم وغيرها من الضرائب الاضافية، لاعتقادها ان الاستمرار في استحصالها سيؤدي إلى استياء تام، والذي حصل في اوساط العشائريين في الديوانية، ومشتكى عشائر عفك عام 1919م من تزايد المقادير المحصلة وتقاوم الدفع سلماً([139])، والذي يدل على مدى الاهتمام الواضح في الجانب التجاري والاقتصادي دون الاهتمامات الأخرى لما توفر لهم من إرباح مالية كبيرة وإنعاش للسوق العراقية بعد أن حلت به الأزمة الاقتصادية عند دخول جيوش الاحتلال البريطاني له.
2- الإدارة السياسية:
كان (بيرسي كوكس Persy Kocks) أول من شغل منصب السامي البريطاني في العراق، ومنحت له السلطات التشريعية والتنفيذية، ثم خلفه المقدم (ويلسون) عام 1917م، وعيّن موظفين بريطانيين وهنود لإدارة الوحدات الحكومية، ورفعت منزلة رئيس الحكام السياسيين إلى حاكم ملكي عام له صلاحيات المخابرة مباشرة مع الحكومة البريطانية ترسل تقاريره إلى وزير الدولة لشؤون الهند معتمدين في سلطتهم على القوات المسلحة والشرطة ومجموعة من العملاء السريين([140]).
ووجدت بريطانيا في توحيد قياداتها مع رؤساء العشائر الموالين لها والعاملين تحت امرة الضباط السياسيين، وسيلة لحماية طرق المواصلات المارة في مقاطعاتهم، والإسهام في بعض الإعمال الإدارية وٍالقضائية، ومنحتهم صلاحيات واسعة في اعتقال المجرمين والنظر في بعض الدعاوى القضائية، وعلى جمع الضرائب لقاء نسبة معينة([141])، فضلاً عن الاستفادة منهم في تنفيذ السياسة الاستعمارية في مناطقهم، ومساعدتها في كبح الانتفاضات المحدودة، في حين بقيت عشائر (البدو) متمتعة بالاستقلال التام ومعفوة من دفع الضرائب للسلطات البريطانية مقابل اعتراف رؤسائها بالإدارة المدينة عليهم.
اختلفت سياسة الإدارة البريطانية في كردستان، على الرغم من خضوع بعض مناطقها إلى سلطة الضباط السياسيين، إلا أنها لم تتبع السياسة المركزية التي اتبعتها في المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، وقررت تعيين زعماء القبائل الكردية ورجال الدين كرؤساء للوحدات الإدارية([142])، والتي لم تستمر طويلاً حيث أخضعت مدينة السليمانية إلى سلطاتها المباشرة بعد إبعاد الشيخ (محمود البرزنجي) عن السلطة عام 1919م.
نشطت الأفكار القومية الهادفة إلى تحقيق استقلال العراق بين المثقفين العراقيين في المدن، كقوة ثورية تقف بحزم في المعسكر المعادي للسياسة البريطانية، ساندتهم إعداد كثيرة من الحرفيين والعمال والتجار الصغار، مكونين قاعدة سياسية احتضنتها الأحزاب السياسية السرية التي لعبت دوراً واضحاً وفعالاً في قيادة العمليات العسكرية ضد الاحتلال، فضمت جمعية (حرس الاستقلال)([143]) في بغداد النخب المثقفة السياسية ورجال الدين المجتهدين والشيوخ الوطنيين، حيث أقامت علاقات تنظيمية مع المؤسسات الدينية ورؤساء عشائر الفرات الأوسط، رفعت شعار الاستقلال التام للعراق، وأسهمت في تحشيد الشعب العراقي ضد الاحتلال البريطاني عام 1920م([144])، وفي مدينة النجف تشكلت جمعية (النهضة الإسلامية) من رجال الدين والنخب المثقفة بجناحين الأول (السياسي) يقوم أعضاءه بالاتصالات السياسية والتنظيمية بين المواطنين، والثاني (الفدائي) يسعى إلى محاربة سلطات الاحتلال، التي كانت لهما علاقات حسنة مع جمعية حرس الاستقلال([145])، و(الجمعية الوطنية الإسلامية) في كربلاء([146])، تحت إشراف الشيخ (محمد تقي الحائري الشيرازي)([147])، فضلا عن وجود حزب (العهد العراقي)، الذي رأى رجاله في التعاون مع بريطانيا امراً ضرورياً لنجاح القضية العربية عامة والعراقية خاصة.
وبغية تهدئة الحالة السياسية في العراق، ورغبة بريطانيا في تحقيق الاستقلال الشكلي وفقاً لما نوه عنه التصريح البريطاني – الفرنسي في تشرين الثاني 1918م، اظهرت السياسة البريطانية إن العراقيين غير مؤهلين لتحمل الاستقلال الذاتي([148])، ووجوب إجراء الاستفتاء العام خلال المدة من نهاية عام 1918م وبداية عام 1919م، حول نظام الحكم، الذي دعت له رؤساء العشائر وممن ارتبطت مصالحهم مع السلطات البريطانية، في التصديق على صيغة معينة تضمن الشروط التي وضعتها في إبقاء الحكم البريطاني المباشر، وجاءت الأسئلة الموجهة إلى سكان العراق بالإجابة عليها([149]) وهي:
- هل يرغبون في دولة عربية واحدة، تحت الوصاية البريطانية، تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج العربي؟.
- هل يرغبون في هذه الحالة في رئيس عربي بالاسم يرأس هذه الدولة الجديدة؟.
- من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة؟.
تفاوتت أراء المواطنين في الإجابة، وظهر للبريطانيين إن سياستهم في ضم العراق إلى مستعمراتهم، تقاوم بأكثرية الشعب العراقي، ورفضهم للمقترحات، التي وجدت الفئات السياسية العراقية المثقفة ورجال الدين وشيوخ عشائر الفرات الأوسط، على ضرورة النضال ضد الاستعمار للحصول على الاستقلال([150])، وعززتها فتوى الشيخ (محمد تقي الحائري) في كربلاء بأن (ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإدارة والسلطنة على المسلمين)([151]) والتي كانت صفعة قوية للسياسة البريطانية، نسفت أطماعها وأهدافها في العراق، ولكبح نشاط الحركة الوطنية حثت السلطات البريطانية على وضع حد للجماعات النشطة لمقاومة الاحتلال بإبعادهم خارج العراق وإيداع الآخرين في السجون.
بعد تعاظم الحركة الوطنية ونشاطاتها البارزة في معظم مدن العراق، وبغية تهدئة الوضع ألغت السلطات البريطانية اللجنة الخاصة التي يرأسها (بونكهام كارتر Bongham Karter) مدير دائرة العدلية في العراق، الذي يقترح فيه تشكيل مجلسين الأول (مجلس دولة) كسلطة تنفيذية يتألف من رئيس عربي يتمتع بنفوذ ومنزلة اجتماعية مرموقة وأحد عشر عضواً، ستة من البريطانيين وخمسة من العرب، يعينهم أو يعزلهم المندوب السامي، يمثلون دوائر الدولة أو سكرتيرين فيها، وثانياً المجلس التشريعي تعينه هيئات محلية تكون نفسها منتخبة ومن غير أعضاء مجلس الدولة يمثلون المدن والمناطق الريفية حسب عدد السكان، فضلا عن تمثيل الطوائف اليهودية والمسيحية فيه، فيصبح العدد الكلي للمجلس حوالي خمسين عضواً لسن الدستور، ويكون رئيس المجلس من غير المنتخبين إن لم يوجد مرشح مناسب للمنصب، وصلاحية المجلس وضع القانون الأساس على غرار قانون الأساس المصري لعام 1913م، كنموذج يحتذى به بعد إجراء بعض التعديلات عليه، وجعل لمجلس الدولة صلاحية إصدار القوانين وفرض الضرائب، وإضافة جملة مواد متعلقة بواجبات المجلس وصلاحياته التي لا تخرج عن التأثير السياسي البريطاني عليه، وفي فقرات المشروع الجديد الذي وضعته بريطانيا لنظام الحكم، يحتفظ الموظفون البريطانيون بسلطاتهم الرسمية السابقة، ويهيمن (مجلس الدولة) المتكون من البريطانيين والعراقيين على السلطة التنفيذية، وتحت إشراف المندوب السامي في العراق([152])، الذي لم يضمن للعراقيين صدق اشتراكهم في الحكم، حيث كان في طيات المجلس منح حق الرفض المطلق (الفيتو) للمندوب السامي حول القرارات، فضلا عن عدم إعطاء رئيس المجلس العربي حق التصويت إلا بعد تعادل الأصوات بين أعضاء المجلس والتي كانت مجمل مقررات مجلس الدولة هي صلاحية استشارية، لتثبيت بريطانيا طريقة الحكم بمشروع الدستور الذي ستصدره في العراق.
جرت اتصالات واسعة بين جمعية (حرس الاستقلال) وشيوخ العشائر والمنظمات الدينية، قوامها الاستعداد للثورة، وقيام التظاهرات والاجتماعات الشعبية، ورفع شعارات تدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين، إذ اضطر (ويلسون) إلى امتصاص نقمة الشعب على سياستهم من خلال اجتماعه بوفد المفاوضة في حزيران 1920م، الذي ماطل بتنفيذ مطاليب الوفد في إقامة الحكم الوطني المستقل، وتعاظمت إجراءات السلطة البريطانية القمعية بهذا الشأن، حيث أفضى الشيخ (الحائري) على دعوة المواطنين للانضمام للحركة في بغداد([153])، وأصبح الوضع السياسي في غاية التوتر عندما أفتى (الحائري) بالجهاد (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية اذا امتنع الانكليز من قبول مطالبهم)([154])، وبذلك أصبحت الثورة المسلحة ضد بريطانيا عملاً مشروعاً بموجب الشريعة الإسلامية.
لم تكن الحكومة البريطانية راغبة في تغيير سياستها في العراق وعزمت على إلحاقه بمستعمراتها، فقامت بمناورات سياسية لخداع الشعب العراقي من خلال إجراء بعض التنازلات السياسية وشق وحدة الفئات الوطنية، بغية الاستفادة من كسب الوقت في تهدئة الحالة، والقضاء على المظاهر المسلحة وزج القيادات الشعبية في السجون أو النفي إلى جزيرة هنجام، في الوقت الذي حطم مؤتمر (سان ريمو) عام 1920م آمال الوطنيين العراقيين بتثبيته على قرارات (سايكس-بيكو) باقتسام العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بين بريطانيا وفرنسا ثم إصداره قرار فرض الانتداب البريطاني على العراق، الذي صدم العراقيين بعقم أملهم في انشاء دولة عراقية مستقلة، وكشف تنكر المستعمرين للوعود التي قطعوها على أنفسهم للشعب العربي، ففشل البريطانيون في تهدئة الحالة من خطورة نفور العراقيين من كلمة (الانتداب) بتبريرهم على لسان المندوب السامي (بيرسي كوكس) ]إنني أقرر بان الكلمة (منتدب) قد طرحت من قبل الشخص الذي اوصى بها، وهو الرئيس ويلسون . . . أي انه الشخص الذي يتعهد بتقديم الخدمة إلى اخر بالنسبة إلى الملكية المودعة في يديه من لدن الآخرين، فالكلمة (الآخرون) يقصد بها عصبة الأمم، في حين أن كلمة انتداب هي العقد الذي تقدم الخدمة بموجبه، غير إن الكلمة في العراق أخذت معناها الآخر الذي يعني بطلب السيادة من لدن دولة ما[([155])، ومهما يكن ترتيب العبارات ومضمونها فهي لا تخرج عن معنى الاستعمار.
لم تجدِ نفعاً المفاوضات السياسية التي عقدت بين مندوبي الشعب وأصدقاء الحكومة ومواليهم مع نائب الحاكم الملكي (ويلسن) في 28 مايس 1920م، إذ كانت المفاوضات أشبه بالمناظرة التي يعقدها الفرقاء لكسب الجولة ودحر الخصم دون التوصل إلى حل ينال موافقة الطرفين، وبذلك اظهر للعراقيين ان قضيتهم لا تحل إلا بقيام الثورة المسلحة التي أعلنت في الثلاثين من حزيران 1920م، والتي توقع قيامها وكيل الحاكم السياسي البريطاني ضد حكومتهم في مضمون رسالته إلى الجنرال هالدن في حزيران 1920م قوله (انه من المحتمل إن تحدث اضطرابات خطيرة في البلاد خلال الشهرين القادمين)([156]) وأكدتها (المس بيل) في رسائلها (لقد مر علينا أسبوع مليء بالحوادث، ازدادت فيه دعاة الوطنيين . . . وكان المتطرفون يدعون إلى الاستقلال ولا يريدون الانتداب)([157]).
أصدرت السلطة البريطانية منشور رقم 70 نشر نصه في جريدة العراق حول تحديد سياستها النهائية في العراق من أنها ستجعل فيه حكومة مستقلة تضمن استقلالها جمعية عصبة الأمم، وإلزامها بتشكيل قانون أساسي واستشارتها أهالي العراق في مسألة تشكيله مع ملاحظة حقوق (الأجناس المختلفة الموجودة في بلاد العراق ورغائبها ومنافعها)([158])، فهو وثيقة رسمية واضحة سوغت بريطانيا فيه سياستها الاستعمارية التي ستربط العراق بالقرارات الدولية المهيمنة عليها، وبهذا الشأن لقيت معارضة شديدة من الوطنيين العراقيين، فضلا عن تطور الموقف الحربي في الفرات الأوسط وظهور الحركات المسلحة ضد القوات البريطانية.
فمارست بريطانيا سياسة الاستبداد في العراق القائمة على اضطهاد سكانه ومعاملتهم بقسوة في ثورة العشرين ومضت على هذا الأسلوب في محاولة منها لكسب بعض رؤساء العشائر وجعلهم موالين لها خدمة في تحقيق أهدافها ومصالحها، فانضوى بعضهم للخدمة المدنية عند الضباط السياسيين البريطانيين فحققت بذلك سلطة داخلية محكمة، لها نفوذ كبير على المواطنين منفذة أوامرهم وخولتهم على قمع المعارضين والسيطرة الأمنية في مناطقهم، فالشيخ (عمران السعدون) قائم مقام الهندية رافق معاون الحاكم السياسي البريطاني في مدينة (طويريج) الكابتن (جاردين) في 19 تموز1920م وسايره في التوسط إلى مخيم الكوفة لإجراء الترتيبات لوقف القتال، والتي انقطعت تلك المفاوضات مع الثوار([159])، حيث أثرت سلباً في العلاقات العشائرية في المنطقة، وعُلم عند العشائر ان ولاء الشيخ (عمران) غير أكيد وحذر منه، فضلا عن معارضته للعشائر التي حررت مدينة الكفل التابعة اداريا لقضاء الهندية في 20 تموز في كبح نشاط الثوار وهددهم بالتعاون مع البريطانيين في مقاومتهم([160])، وعلى العكس من ذلك عمل الميجر (ديلي Deely) إلى (الحاج مخيف) مكيدة عند حضوره لمقره في الديوانية وأمر باعتقاله وسوقه إلى البصرة ثم نفيه إلى جزيرة هنجام مع المنفيين هناك([161]).
كما استخدم المحتلون أسلوب حجز الأشخاص (رهائن) حيث عملت القوات البريطانية في الديوانية على وضع خطة عسكرية للانسحاب منها إلى الحلة، فأطلق الميجر (ديلي) سراح الشيخ (شعلان العطية) رئيس عشائر الأكرع بعد ان حجز شقيقه الشيخ (جبل العطية) وابنه (موجد الشعلان) كرهائن للبر بالوعد الذي قطعه بعدم مقاتلة الجيش المنسحب في حدود قبيلته([162]).
نكثت السلطة البريطانية وعدها بقيادة الميجر (نوربري Noorbery) ولم تفِ بمواثيقها عندما وقعت اتفاقية هدنه مع الثوار في الكوفة في تموز 1920م، باتفاق الإفراج عن المنفيين والمعتقلين العراقيين ووقف القتال في الرميثة وإجلاء الحكام البريطانيين من مناطق الفرات الأوسط وإجراء الاستفتاء والمفاوضات من البريطانيين على أساس منح العراق الاستقلال والحرية مقابل تعهد رؤساء القبائل في فك الحصار عن الحامية البريطانية في ابي صخير الذي تم تنفيذه من لدن العراقيين([163])، حيث وافتهم القوة البريطانية في مقاتلتهم بعد ان حصلت على مرادها بنقض الاتفاق.
ومارست السلطة المحتلة أساليب أخرى منها التجويع والحرمان من خلال قيامهم بإتلاف المزارع والبساتين وقطع المياه عن مدينة كربلاء لإيقاع الأذى في سكانها ومزارعها التي قال فيه الجنرال هالدن (لما كانت كربلاء مسؤولة إلى حد غير قليل عن قيام الثورة فاني رغبت في الاستيلاء على ناظم الحسينية الذي كان يبعد عن الفرات بمائتي ياردة، لكي اجعل سكان البلدة يشعرون بعذاب الحرمان من الماء) وتشفى بمعاناة ومشقات سكان كربلاء قائلاً (فالضغط المعنوي الذي نتج عن اظهار مقدرتي على حرمانهم معين الحياة كان بلا شك عظيماً)([164])، وسارت سياستهم على حرق بيوت ممن اشتركوا في الثورة في شمال العراق في منطقة دلتاوه ودور الرؤساء الزيباريين والبرزانيين ومصادرة أموالهم([165])، وأتلفت مزارع وحقول قرى قضاء الهندية وحرق مضيفي الشيخ (شمران) رئيس عشيرة آل فتلة والشيخ (جياد المحمد) رئيس البراجع، وقامت بمصادرة وقتل اعداد كبيرة من رؤوس الأغنام والأبقار والخيل في المنطقة([166])، ولم تعر اهتماماً بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان، فأقدمت على إعدام من أسرته من الثوار دون تحقيق أو محاكمة([167]).
وقصفت المدن والقرى بقذائف الطائرات والمدافع التي لم يسلم منها حتى المتعبدين في مسجد الكوفة، وفتكت قنابلهم بأجساد الكثيرين نشر خبره الثوار ببلاغٍ إن (جناية الانكليز على المعابد وإلقاء القذائف النارية على مسجد الكوفة، قتل النساك والمتعبدين)([168]).
استلمت قيادة الاحتلال البريطاني سبعين ألف بندقية من عشائر الفرات الأوسط بعد ثورة العشرين، في حين لم يجمع من عشائر المنتفك أية قطعة سلاح (لأسباب استثنائية)([169])، حيث كان المحتلون يبتغون من ذلك تحقيق أمرين، الأول بقاء هذه العشائر على ولائها وإخلاصها لهم والثاني تكيد بهم كقوة يمكن إن تستغلها في ضرب العشائر الأخرى المعارضة لسياستها في مناطقهم.
واعترف وكيل الحاكم المدني العام (ويلسن) بتقريره السري على (انتعاش الروح القومية) وان ثورة العشرين جعلت (الشك يحل محل اليقين) والذي غير فكره السياسي في تحويل العراق إلى هند ثانية وإقامة حكم بريطاني مباشر([170])، فضلاً عن تزويد الحكومة البريطانية مندوبها الجديد للعراق (بيرسي كوكس) الأكثر هدوءً ودبلوماسية من سابقه في سياسته مع العراقيين، تعليماتها السياسية في رسم مستقبل العلاقة بينهم والعراق بموجب معاهدة جديدة لا بصك الانتداب القديم([171])، والعمل على تأليف حكومة عراقية مؤقتة تعتمد العراقيين في إشغال مناصبها الوزارية، الذي سعى بصعوبة على اختيار شاغليها ممن يعرفون بـ(المعتدلين) على حد تعبيره لهم الإلمام بالأمور الإدارية والحكومية، حيث لم يتورع من أجل الحصول عليهم إلا بنشر الإعلانات الرسمية التي حددت فيها العراقيين ممن سبق انتخابهم لمجلس الأعيان ومجلس المبعوثان العثماني([172])، فضلا عن بعثه الكتب الخاصة للعراقيين الموجودين خارج العراق ممن لهم دراية في أمور السياسة والإدارة([173])، فوقع تعيينه على حكومة عراقية برئاسة (عبد الرحمن النقيب)([174]) في 25 تشرين الأول 1920م تحت إشراف المندوب السامي البريطاني، تكون جسراً بينه وبين الشعب العراقي لإقامة الحكم المقرر، وجعلت على رأس كل وزارة مستشاراً بريطانياً لتوجيه سياستها من خلاله، وحكم العراق حكماً مباشراً، فعينت لكل لواء وقضاء حاكماً عسكرياً من ضباط الجيش البريطاني، ممن لم يمارسوا الشؤون الإدارية والمدنية، الذين أزدروا الناس واحتقروهم وعاملوهم بخشونة، ووضعوا نظاماً مستمداً من عادات واوضاع غير مألوفة عند العشائر العراقية([175])، واعترفت السلطة البريطانية بالأساليب الإدارية الفوضوية التي مارسها موظفوها في العراق، من خلال استخدامها (الجنود والضباط الذين لم يألفوا الاشتغال في المناصب الإدارية . . . ولم يطلعوا على وسائل الإدارة ويجهلون الأحوال والظروف التي تحيط بهذه البلاد (العراق) . . . وإن فريقاً منهم ضعيف في الإدارة . . . غير كفؤ للقيام بوظائفه ومنهم من كان يرسل تقريراً ويعقبه بأخر يختلف فحواه عن التقرير الأول)([176])، وبذلك وجدت بريطانيا ترشيح الأمير (فيصل بن الحسين) لعرش العراق الأفضل لأداء مهمتها في العراق، دون اعتراض شعبي، لحل مشاكلها في العراق، وإبعاد العراقيين عن اللجوء إلى السلاح مرة أخرى، فضلاً عن تعويضه عما فقده في مملكة سوريا بنظامه المعتدل الذي سيكون في نظرهم خير ضمان لهم في التصدي للتيارين الكمالي والبلشفي الذي ظهر تأثيرهما واضحاً في العراق([177]).
عانى الملك (فيصل) من الثقل السياسي الذي سيكتشفه، في التعامل مع ارث ثقيل خلفه حكم عثماني متخلف واحتلال بريطاني استعماري يشوبه التشابك وعقدة مستعصية، وجد فيصل في تخفيف أثارها (في المراوغة والتلون ونقض العهود)([178]) عمل طوال سنوات حكمه العراق من تتويجه يوم 23 أب 1921م وحتى وفاته في 7 أيلول 1933م([179])، بنشاط منقطع النظير نابع عن رغبة صادقة في إقامة الدولة الحديثة في حدود الإمكان، ونزاهة مشهودة.
الخاتمــــة
منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، تركزت سياسة الاستعمار البريطاني في الهند على العراق، من خلال الصلة الوثيقة بين ما يجري في شبه القارة الهندية ومسارها عبر الخليج العربي، والتي نتج عنها اجبار العراق على تحقيق أهداف الاستعمار البريطاني بعد ضمه إلى المنتصرين في الحرب العالمية الاولى، في ميدان شاسع من السياسة العامة والادارة، معتقدة أنها ستضمن نجاح سياستها على اساس وجود الاسواق الجديدة والمواد الخام فيه، كما عملت سلطة الاحتلال على اصدار قوانين تطلبتها الاوضاع المحلية والادارية بعيدة عن واقع العراق السياسي والاجتماعي، تبنتها لجانها العسكرية بمعاونة شيوخ القبائل المؤيدين للاحتلال ببقائهم في حكمهم حسب العرف العشائري، رافقها تصرفات حكامها الحمقى في التعامل مع العراقيين وفي التأثير المباشر في المجتمع العراقي من خلال سياسة (فرق تسد)، كان محصلتها تعزيز التناقضات والمشكلات الاجتماعية والسياسية في منظور منشور الجنرال (مود) وهدفها في تضليل العرب وخداعهم بسعيها إلى نهوضهم مرة اخرى واستعادت مكانتهم السياسية وفق مبدأ (تقرير المصير) الذي وجدت فيه ايسر وسيلة للسيطرة عليهم وتحقيق سياستها الواضحة المنفذة في الهند ومصر.
فرضت سلطة الاحتلال الحكم المركزي المباشر على العراق وتفننت في استحصال الضرائب القائمة والجديدة، التي اثقلت كاهل العراقيين بأعباء اقتصادية كبيرة، واتبعت سياسة التركيز في توسيع نفوذها وترسيخ دعائم الاقطاع وتطوير مقوماته بأسس قانونية من خلال اعتمادها على اقل عدد من عملائها سواء العشائر أو المتنفذين في المدن في حكم العراق، من خلال تشريعاتها وقراراتها المكرسة اغلبها بشأن الأرض والعشائر واحكامها.
توسع الموقف الذي تبناه البريطانيون تجاه استقلال العراق السياسي من شقة الخلاف بينهم وبين العراقيين، وفشلت خططهم في حكم العراق حكماً مباشراً وربطه بحكومة الهند، وكان لافتقار العاملين السياسيين البريطانيين في العراق إلى الخبرة الإدارية والحنكة السياسية وجهلهم بطبيعة المجتمع العراقي، وراء ايقاعهم في نشاط المقاومة الوطنية المسلحة ورفض الشعب لسياستهم القائمة، وفشلهم في تفكيك اواصر الشعب ولحمته في تأجيج الطائفية، كان على العكس الذي نتج عنه تمسكهم بتقاليدهم وفتاوى القيادات الدينية، التي وحدت موقفهم في رفض الاحتلال ومقاومته المسلحة في ثورة العشرين، والتي نتج عنها انهيار مخططاتهم الاستعمارية في جعل العراق مستعمرة لها من خلال تمسكهم بالقرارات الدولية بفرض الانتداب عليه، والتي اجبرها العراقيون على إعادة النظر في سياستهم تجاه العراق، بأسلوب ذكي يضمن لبريطانيا مصلحتها في العراق بوسائل جديدة، عبر عنها حكامهم في خطاباتهم ومذكراتهم بقول المندوب السامي بيرسي كوكس (إن دولة انكلتره ارسلتني للمساعدة، والاتفاق مع إشراف ورؤساء العراق لنحصل على الغاية المطلوبة للطرفين وتأليف الحكومة العربية حكومة مستقلة بنظارة دولة انكلتره، ولقد جئت لهذا المقصد)([180])، وان لم يكن هناك حتى قرار متخذ بشأن شكل الحكم في العراق فقد اقترح (بيرسي كوكس) بوثيقة مؤرخة في نيسان 1918م قائلا (ان المندوب السامي قد تساعده اذا تطلب الامر وزارة نصفها من الاهالي ونصفها من الموظفين البريطانيين، وربما يستندها مجلس اداري أو هيئة ما استشارية تتألف بأجمعها من اعيان البلاد البارزين . . . وإذا اريد تنصيب رأس رمزي فهو يوصي بنقيب بغداد وهو احد الذوات المسنين)([181]) واعترفت صحفهم بسياستهم الفاشلة بانها (منحت الشعب العربي من دون ريب درساً عملياً في الكفاءة، غير إن هناك اشياء أخرى اعز على قلب الانسان والى قلب العربي بصفة خاصة من الكفاءة، ولاسيما حين يتم دفعه بثمن باهظ، فالعرب اليوم اقل تمتعاً بالحرية مما كانوا عليه تحت حكم الأتراك، وانهم الان يدفعون ثلاثة اضعاف ما كانوا يدفعونه من الضرائب)([182]).
وان فشلت الثورة العراقية عسكريا، لكنها اسهمت كثيرا في تطور الوعي السياسي والثوري بين السكان، واظهرت دلائل نضوج سياسي في الفرات الاوسط لاسيما عند بعض كبار الشيوخ في رفض جميع انواع السلطة المفروضة من خارج العشيرة والرغبة في تجنب الضرائب، فضلا عن مطالبهم السياسية في تحقيق الاستقلال وتقرير المصير واقامة حكم وطني في العراق بديلا عن الحكم البريطاني المباشر.
خارطة موقع الفرات الاوسط.
وثيقة سلطة الاحتلال البريطاني في قضاء الهندية، تنصب الشيخ (غالب السلطان) على قسم من عشيرة آل فتلة عام 1919م.
-[1] السلطان العثماني الثالث والعشرون كان شاعرا واديبأ خاض حروب مع روسيا القيصريه وبلاد فارس، مستغل تدهور أوضاعهما الداخلية: للمزيد من المعلومات انظر، شكيب ارسلان، تاريخ الدولة العثمانية، دار ابن كثير، دمشق-2001م، ص ص241-245.
[2]– عبد الأمير محمد أمين وهاشم كاطع لازم وآخرون، المصالح البريطانية في الخليج العربي 1747-1778م، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1977م، ص ص39-40.
[3]– المماليك هم من الرقيق الابيض من الجراكس، ادخلوا المدارس العسكرية واصبحوا ماهرين في القتال، والمماليك في العراق هم الذين جلبهم الوالي (حسن باشا) من اسواق تفليس وهم اطفال وادخلهم مدارس خاصة تعلموا القراءة والكتابة والسباحة والفروسية وفنون القتال، وبعد تخرجهم عملوا في سلك الجيش أو الوظائف الحكومية، وتم تاسيس دائرة خاصة بهم تعرف (آيج دائرة سي) مهمتها الاشراف على شراء المماليك وتدريبهم، واصبحوا قوة تمكنت من حكم العراق في الاعوام 1750-1831م. للمزيد من المعلومات انظر: احمد علي الصوفي، المماليك في العراق، صحائف خطيرة من تاريخ العراق القريب 1949-1831م، الموصل -1952م؛ علاء موسى كاظم نورس، حكم المماليك في العراق 1750-1831م، بغداد 1975م.
[4]– عبد الأمير محمد أمين، المصدر السابق، ص92.
[5]– المصدر نفسه، ص42.
[6]– صلاح العقاد، الاستعمار في الخليج الفارسي، الالف كتاب 121- مكتبة الانجلو المصرية القاهرة، ب. ت، ص33.
[7]– عبد الامير محمد امين، المصدر السابق، ص94.
[8]– ستيفن همسلي لونكريك، اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، مطبعة الاديب، ط6، بغداد، 1985م، ص208.
[9]– عبد الامير محمد امين، المصدر السابق، ص141.
[10]– علاء موسى كاظم نورس وعماد عبد السلام رؤوف، عهد المماليك والأسر الحاكمة، العراق في التاريخ، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1983، ص606.
[11]– عبد العزيز عبد الغني، بريطانيا وامارات الساحل العماني، الدار الوطنية، بغداد-1978م، ص73 ؛ ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص308.
[12]– عبد الفتاح ابراهيم، على طريق الهند، دار الشؤون الثقافية، ط2، بغداد-2004م، ص70 ؛ ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص307.
[13]– ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص382.
[14]– عبد الفتاح ابراهيم، المصدر السابق، ص72.
[15]– المصدر نفسه، ص75.
[16]- ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص307.
[17]– عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، الجزء السابع، شركة التجارة، بغداد-1955م، ص57.
[18]– ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص ص356-357.
[19]– هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، الجزء الأول، ترجمة سليم طه التكريتي، مطبعة الفجر، بغداد-1989م، ص58.
[20]– المصدر نفسه، ص68.
[21]– ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ص335.
[22]– Langley K,M,The Industrialization of Iraq,Caambridge,1961,P,24.
[23]– زكي صالح، منشأ النفوذ البريطاني في بلاد مابين النهرين، بغداد-1949م، ص142.
[24]– علاء موسى كاظم، الدبلوماسية البريطانية في العراق 1808-1823م، مجلة افاق عربية، عدد 12 آب 1980م، ص ص 107-108.
[25]– المصدر نفسه.
[26]– عبد الفتاح ابراهيم، المصدر السابق، ص178.
[27]- المصدر نفسه، ص79؛ العراق في الوثائق البريطانية 1905-1930م، ترجمة فؤاد قزانجي، دار المأمون، بغداد-1989م، ص ص22-23.
[28]– جريدتا العراق والعرب.
[29]– عبد الله الفياض، الثورة العراقية الكبرى سنة 1920م، مطبعة الارشاد، بغداد-1963م، ص118.
[30]– هنري فوستر، الجزء الأول، المصدر السابق، ص96.
[31]– علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الرابع، دار الراشد، ط2، بيروت، 2005م، ص ص177-193.
[32]– في عام 1915م قام القائد العسكري العثماني (عاكف بيك) في الحلة بإنزال العقاب بالمتخلفين عن الخدمة العسكرية التي اسفر عنها نشوب معركه قتل فيها عدد غير قليل من الجند واهل الحلة وبعد مرور سنه عاد عاكف بيك إلى الحلة وجمع رجالها المعروفين في مشهد الشمس لاستقبال جيشه، وبمكيده امر بإعدام اكثر من مئتي رجل ثم قصف محلات الحلة بالمدافع انتقاما لمقتل جنوده. للمزيد من المعلومات انظر: المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة: جعفر الخياط، دار الكتب، ط2، بيروت، 1971م، ص ص97-98.
[33]– المصدر نفسه.
[34]– محمد مهدي البصير، تاريخ القضية العراقية، الجزء الاول، بغداد-1924، ص ص 10-11.
[35]– عمار يوسف عبد الله، سياسة بريطانية تجاه العشائر العراقية 1914-1945م، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربية، جامعة الموصل 2002م، ص ص121-124.
[36]– فيليب ايرلند، العراق: دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط، دار الكشاف، بيروت-1949م، ص 46.
[37]– المس بيل، المصدر السابق، ص ص270-271م.
[38]– طونزند، مذكرات الفريق طونزند، ترجمة حامد احمد الورد، الدار العربية للموسوعات، ط2، د. م-1986م، ص ص359و418.
[39]– امين سعيد، الثورة العربية الكبرى، الجزء الثاني، مطبعة القاهرة، القاهرة-1935م، ص ص 2-26.
[40]– Administration Report of the Baghdad Wilayat,1917,P,12.
[41]– Annual Report of Baghdad Division for the Year 1919,p. 5. Number of billets in Baghdad on January 1، 1919,was 554.
[42]– المس بيل، المصدر السابق، ص233؛ غسان العطية، العراق نشأة الدولة، ترجمة عطا عبد الوهاب، دار اللام، لندن-1988م، ص298.
[43]– المصدر نفسه.
[44]– Haldane,A. L. The Insurrection in Mesopotamia,1920، Edinburgh ,1922، P,21
[45]– Wilson,A. T. AClash of Loyalties، 2vols، London، 1939، P. 11
[46]– وميض جمال عمر نظمي، ثورة1920م، ط2، بيروت- 1985م، ص173.
[47]– The”Times”London، July23,1920.
[48]– جريدة الاستقلال في 3تشرين الثاني1920م.
[49]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، مطبعة دار الكتب، ط5، بيروت- 1982م، ص ص26-27.
[50]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص148.
[51]– The Letters، vol 11,P,407.
[52]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص145.
[53]– طالب مشتاق، اوراق ايامي، الجزء الأول، دار واسط للدراسات والنشر، بغداد-1989م، ص90.
[54]– عبد الرزاق الحسني، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، الجزء الأول، مطبعة العرفان، صيدا-1935م، ص62.
[55]– هنري فوستر، الجزء الاول، المصدر السابق، ص79.
[56]– ويلارد آيرلند، العراق، ترجمة جعفر الخياط، دار الكتب، بيروت-1949م، ص63.
[57]– The Letters، vol 11,P,395.
[58]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص32.
[59]– هنري فوستر، الجزء الاول، المصدر السابق، ص105.
[60]– Wilson، A. T. Mesopotamia، 1917-1920، A Clash of Loyalties: A personal and Historical Record، London، 1931، P,330.
[61]– السر ارنولد ويلسن، الثورة العراقية، ترجمة جعفر الخياط، دار الرافدين، ط2، بيروت- 2004م، ص65.
[62]– عبد الرحمن البزاز، محاضرات عن العراق من الاحتلال حتى الاستقلال، مطبعة القاهرة، القاهرة-1954م، ص18.
[63]– خطط العثمانيون حفر جدولي (بني حسن) على يمين وموازي لنهر الهندية، وجدول (الجورجيه) الذي سمي فيما بعد بجدول الكفل على يسار وموازي نهر الهندية، وباندلاع الحرب العالمية الأولى توقف العمل بالمشروعين.
[64]– Administration Reportde Partment of reven ue، Baqhdad 1917–1918، p. 31.
[65]– وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة الوطنية العربية (الاستقلالية) في العراق، بيروت-1984م، ص246.
[66]– المس بيل، المصدر السابق، ص270؛ وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية، المصدر السابق، ص242.
[67]– المس بيل، المصدر السابق، ص ص 241-248؛ غسان العطية، المصدر السابق، ص 164.
[68]– ارتفعت الاسعار إلى مستويات مذهلة، ففي الحلة عامي 1917-1918م قفز سعر الطغار من الحنطة من 8-10 ليرات إلى 100 ليرة، وفي منطقة الكاظمية ببغداد خضعت إلى التقنين التام وحظر بيع اللحم وذبح الماشية لثلاث ايام اسبوعيا، ولم يكن في مدن السماوة والرميثة والديوانية ما يكفي من المؤن سوى لاربعة اشهر، وفي الحلة والمسيب والهندية فما يكفي لستة اشهر فقط، في حين كان النقص في الحبوب في النجف وراء الاضطرابات التي وقعت فيها عام 1918م. للمزيد من المعلومات ينظر: غسان العطية، المصدر السابق، ص 288.
[69]– Burgoyne (Gertrude Bell) -London 1961-vol. 2,P. 100.
[70]– محمد طاهر العمري الموصلي، تاريخ مقدرات العراق السياسية، الجزء الثالث، مطبعة دار السلام، بغداد-1925م، ص95.
[71]– Reports of Administration for 1918 of Divistricts of the Occupied Territories in Mesopotamia. Vol. 1,p p. 88-91.
[72]– Wilson، op، cit، 2vols، p,57
[73]– The Letters، vol 11,P,36
[74]– غسان العطية، المصدر السابق، ص 164.
[75]– المس بيل، المصدر السابق، ص236.
[76]– British Government: Administration Report of Baghdad، Wilayt، 1917، 1، pp، 76، 77، 75.
[77]– ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900-1950م، الجزء الأول، ترجمة سليم طه التكريتي، مطبعة حسام، بغداد-1988م، ص185.
[78]-“Civil Commissioner of Mesopotamia: Review of the Civil Administration of Mesopotamia presented to both Houses of Parliament by Command of His Majesty”London,1920,P,118.
[79]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص133.
[80]– المصدر نفسه، ص184؛ للمزيد من المعلومات انظر: مجموعة البيانات والاعلانات وغيرها هي الان نافذة والمتعلقة بأهالي العراق وادارتها الملكية والصادرة من القائد العام أو بتفويض منه من 11 مارج 1917 إلى 30 سبتمبر 1920، بغداد-1921م، البيان رقم 1و7.
[81]– عباس العزاوي، تاريخ الضرائب العراقية من صدر الاسلام إلى اخر العهد العثماني 633-1917م، شركة التجارة، بغداد-1958، ص ص 119-120.
[82]– جريدة الفرات في 15أيلول1920م.
[83]– كمال مظهر احمد، دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقية، بغداد-1978م، ص ص 31-32.
[84]– علي الوردي، الجزء الرابع، المصدر السابق، ص400.
[85]– غسان العطية، المصدر السابق، ص 156.
[86]– Reports of Politieal Officers of Oecupied Territories، 1917، 1، 58، Politieal Officer’s Reports From Iraq، Aug1919، P,58
[87]– عبد الرزاق الحسني، ثورة النجف، مطبعة العرفان، ط5، صيدا، 1983م، ص ص30-41.
[88]– جريدة العرب في 11مايس1918م.
[89]– نظام دعاوى العشائر العراقية المدنية والجزائية، بغداد-1947.
[90]– Haldane، op، cit، P,24 ؛ مذكرات سندرسن باشا، ترجمة سليم طه التكريتي، مكتبة اليقظة، ط2، بغداد، 1982م، ص47؛ المس بيل، المصدر السابق، ص270.
[91]– عبد الرزاق الحسني، ثورة النجف، ص81.
[92]– المس بيل، المصدر السابق، ص203.
[93]– فريق المزهر الفرعون، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920م ونتائجها، مطبعة النجاح، ط2، بغداد، 1955م، ص ص422-423.
[94]– جريدة العراق في 18 تشرين الأول 1920م.
[95]– المصدر نفسه، في 27 تشرين الثاني 1920م.
[96]– جعفر محبوبة، ماضي النجف وحاضرها، الجزء الاول، ب ط، صيدا-1353ﻫ، ص ص 272-273.
[97]– جريدة العراق في 30 أب 1920م.
[98]– عبود الهيمص، ذكريات وخواطر عن احداث عراقية في الماضي القريب، مطبعة الراية، بغداد-1991م، ص27.
[99]– فريق المزهر الفرعون، المصدر السابق، ص ص422-423.
[100]- عبد الرزاق الحسني، ثورة النجف، ص ص30-41.
[101] – المس بيل، المصدر السابق، ص ص213-214.
[102] – محمد حسين الزبيدي، العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام، دار الحرية، ط2، بغداد، 1989م، ص44.
[103] – محمد سلمان حسن، طلائع الثورة العراقية، العامل الاقتصادي، الثورة العراقية الأولى، مطبعة النعمان، ط2، بغداد، 1958م، ص ص17-18.
[104] – علي آل بازركان، الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، مطبعة الاديب، بغداد-1954م، ص15.
[105] – عبد العزيز القصاب، من ذكرياتي، بيروت -1962م، ص ص 198-199.
[106] – وميض جمال عمر نظمي، ثورة 1920م، ص173.
[107]– علي الوردي، الجزء الخامس، المصدر السابق، ص23.
[108]– ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث، الجزء الأول، ص193.
[109] – طالب مشتاق، الجزء الاول، المصدر السابق، ص90.
[110] – جعفر محبوبة، المصدر السابق، ص249.
[111] – عبود الهيمص، المصدر السابق، ص43؛ طالب مشتاق، الجزء الاول، المصدر السابق، ص91.
[112] – عبود الهيمص، المصدر السابق، ص43.
[113] – علي الوردي، الجزء الرابع، المصدر السابق، ص401.
[114] – المصدر نفسه، الجزء الخامس، ص32.
[115] – عبود الهيمص، المصدر السابق، ص42.
[116] – علي الوردي، الجزء الرابع، المصدر السابق، ص 401.
[117]– للمزيد من المعلومات عن القانون ينظر: نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية، المصدر السابق.
[118] – هنري فوستر، الجزء الثاني، المصدر السابق، ص ص 339-340.
[119]– علي الوردي، الجزء الخامس، المصدر السابق، ص28؛ انظر وثيقة عزل وتنصيب الشيوخ في الملحق.
[120] – علي الوردي، الجزء الرابع، المصدر السابق، ص398.
[121] – كمال مظهر احمد، الطبقة العاملة الكردية، التكوين وبداية التحرك، مطبعة دار الكتب، بيروت-1981م، ص ص44-45.
[122]– محمد طاهر العمري الموصلي، الجزء الثالث، المصدر السابق، ص104.
[123]– المس بيل، المصدر السابق، ص220.
[124]– ل. ن، كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم، دار الحرية، بغداد-1971م، ص128.
[125]– المس بيل، المصدر السابق، ص126.
[126]– المصدر نفسه، ص ص115- 116.
[127] – المس بيل، المصدر السابق، ص 61.
[128] – هنري فوستر، الجزء الثاني، المصدر السابق، ص ص 342-343.
[129]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص ص158-159.
[130]– جريدة العرب في 28/2/1918م.
[131]– المصدر نفسه في 17/7/1917م.
[132]– المصدر نفسه في 28/12/1917م.
[133]– المصدر نفسه في 31/7/1917م.
[134]– Elizebeth Burgoyne (Certrude Bell) -London 1921- vol. 2,p. 57-58.
[135]– المس بيل، المصدر السابق، ص267.
[136]– علي الوردي، الجزء الرابع، المصدر السابق، ص400.
[137]– Reports of The Baghdad Wilayat، 1917، P,3.
[138]– غسان العطية، المصدر السابق، ص 334.
[139]– المصدر نفسه، ص ص 334-335.
[140]– ل. ن. كوتلوف، المصدر السابق، ص114؛ المس بيل، المصدر السابق، ص232.
[141]– محمد طاهر العمري الموصلي، الجزء الثالث، المصدر السابق، ص5.
[142]– كمال مظهر احمد، دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقية، ص ص79-96.
[143]– جمعية سياسية وطنية تشكلت في نهاية شهر شباط عام 1919م في بغداد، برئاسة (محمد الصدر) وعضوية (جلال بابان، محمود رامز، شاكر محمود المرافق، عارف حكمت، حسين شلال، سعيد حقي، عبد المجيد يوسف، عبد اللطيف حميد، الحاج محي الدين السهروردي، علي افندي واخرون)، من منهاجها تسعى الجمعية وراء استقلال البلاد العراقية استقلالا مطلقا ولها موقف ومشاركات وطنية في ثورة العشرين. عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، المصدر السابق، ص ص 79-81.
[144]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص ص77-81.
[145]– عبد الجبار حسن الجبوري، الاحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي1908-1958م، دار الحرية، بغداد-1977م، ص ص 54-55.
[146]– المصدر نفسه، ص54.
[147] – ولد في مدينة شيراز (جنوب ايران) في سنة 1256هـ/1840م، ونشأ بها، ثم هاجرها إلى العراق سنة 1271هـ، واقام في مدينة كربلاء وتدرج في الدراسات الدينية وبعدها انتقل إلى مدينة سامراء واصبح استاذا لجمع كبير من طالبي العلم، وبعد احتلال القوات البريطانية مدينة سامراء سنة 1917م، انتقل إلى مدينة الكلظمية في مدينة بغداد، وبعد مدة توجه إلى مدينة كربلاء في منتصف سنة 1336هـ/ 23 شباط 1918م، وتوفي في 10 آب 1920م. للمزيد من المعلومات انظر: كامل سلمان الجبوري، محمد تقي الشيرازي، القائد الاعلى للثورة العراقية الكبرى 1920م، مطبعة برهان، قم -1427هـ/2006م، ص43.
[148]– امين سعيد، المصدر السابق، ص ص16-17.
[149]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص46.
[150]– محمد طاهر العمري الموصلي، الجزء الثالث، المصدر السابق، ص60.
[151]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص49.
[152]– lreland، P. W. Iraq. Astudy in Political development، London، 1937,P,305;
السير أرنولد ويلسن، المصدر السابق، ص ص 45-48.
[153]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص ص129-145.
[154]– المصدر نفسه، ص145.
[155]– The letters، Vol، 11,PP,535-536.
[156]– Haldane، Op,Cit، P,36.
[157]– The letters، Vol، 11,P,397.
[158]– جريدة العراق في 2حزيران1920م.
[159]– المس بيل، المصدر السابق، ص450.
[160]– علي الوردي، الجزء الخامس، المصدر السابق، ص274.
[161]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص214.
[162]– علي الوردي، الجزء الخامس، المصدر السابق، ص282.
[163]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص274.
[164]-. Haldane، OP,cit، P,147
[165]– جريدة العراق في 4 تشرين الأول 1920م؛ المس بيل، المصدر السابق، ص227.
[166]– فريق المزهر الفرعون، المصدر السابق، ص423.
[167]– أمين سعيد، الجزء الثاني، المصدر السابق، ص70.
[168]– عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص221.
[169]– ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث، الجزء الأول، ص205.
[170]– Wilson، A. T. Mesopotamia، 1917-1920، A clash of Layalties، London، 1931، P,54.
[171]– عبد الله الفياض، المصدر السابق، ص327.
[172]– جريدة العراق في 12 تموز1920م.
[173]– مجيد خدوري، عرب معاصرون، ادوار القادة في السياسة، الدار المتحدة للنشر، بيروت-1973م، ص58.
[174] – من وجهاء مدينة بغداد ونقيب اشرافها، ولد سنة 1261هـ/1845م وتقلد نقابة الاشراف بعد وفاة اخية سنة 1315هـ/1898م ومنحه السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) نيشانا من الدرجة الثالثة سنة 1297هـ/1880م، وكان مقدرا من الحكومة العثمانية وعند احتلال البريطانيين مدينة بغداد عام 1917م، لقي الحظوة عندهم وعين اول رئيس لوزراء العراق عام 1920م واستقال سنة 1922م، وتوفي سنة 1345هـ/1927م. أبي المعز السيد محمد القزويني، طروس الإنشاء وسطور الإملاء، تحقيق: جودت القزويني، ب ط، بيروت- 1418ﻫ/1998م، ص 139.
[175]– فاضل حسين وعبد الوهاب عباس القيسي وآخرون، تاريخ العراق المعاصر، مطبعة جامعة بغداد، بغداد-1980م، ص23.
[176]– Haldane، OP، Cit، P,36.
[177]– فاروق صالح العمر، حول سياسة بريطانيا في العراق1914-1921م، دراسة وثائقية، مطبعة الإرشاد، بغداد-1977م، ص ص104-105.
[178]– أمين الريحاني، ملوك العرب، الإعمال الكاملة، المجلد الأول، الجزء الثاني، ب-ط، بيروت-1980م، ص327.
[179]– عبد المجيد كامل التكريتي، الملك فيصل الأول ودوره في تأسيس الدولة العراقية الحديثة1921-1933م، دار الشؤون الثقافية، بغداد-1991م، ص320.
[180]– عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، الجزء الأول، المكتبة العصرية، ط2، صيدا 1957م، ص157.
[181] – F. O. 371/4148 — 13298. War Cabinet—- Eastern Committee. Secret. 39th Meeting. November27,1918. Annex.
مقتبس عن غسان العطية، المصدر السابق، ص223.
[182]– جريدة المانجستر غارديان في 24 تموز 1920م، مقتبس عن هنري فوستر، الجزء الأول، المصدر السابق، ص141.