جديد

قراءة إستراتيجية في كود تفكيك سلاح المقاومة..!!

غيث العبيدي

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

▪️ المقدمة : اللحظة التي يصبح فيها السلاح جريمة.

في كل صراع طويل هناك لحظة واحدة لا تقاس بالمعارك، بل هي تلك اللحظة التي يطلب فيها منك أن تصبح أعزل بإرادتك، وأن تسلم أداة بقائك مقابل وعد مكتوب على الورق، وتجبر على أن تقنع نفسك بأن الضمانة الدولية أقوى من الرصاصة.

وفي الوقت الذي تغيّرت فيه عناوين الضامنين عبر التاريخ، من بيعة وأمان في عهد الخلفاء، إلى منطقةٍ آمنة في عهد الأمم المتحدة، إلى بناء الدولة في عهد الأحتلال والهيمنة، كانت هناك دائماً النتائج ثابتة ”دماء تهدر  وفراغ تملؤه الفوضى وندم مؤجل“

هذا المقال ليس دفاعاً عن السلاح. هو قراءة في كود تشغيلي تكرر سبع مرات عبر التاريخ، ويسمى اليوم ”بالتجريد “

▪️ الكوفة 67 هـ : تأسيس مذبحة الثقة.

بعد إستشهاد الإمام الحسين (ع)، خرج المختار الثقفي ليقتص من قتلة عائلة النبي (ص)  وهزمهم واحداً تلو الآخر، لكن الصراع أنتقل من الأمويين  إلى الزبيريين الباحثين عن أحتكار الخلافة.
وبعد معارك عديدة عرضوا البيعة والأمان على جيش المختار، مقابل ”نزع سلاحهم“ وتم للزبيررين هذا الأمر، وبعدها مباشرة قطعوا رقابهم واحداً بعد الأخر وبدأت حملة لتصفية أنصار المختار في الأزقة.

من هنا تأسست القاعدة التاريخية، من يُسلم سلاحه في خضم الصراع وذروة المواجهة، إنما يوقع على شهادة إعدامه، فالثقة هنا وحدها لا تكفي ولا تحمي.

▪️ بيروت 1982: وهم الضمانات الدولية.

بعد حصار بيروت عام 1982، خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وسلمت كل أسلحتها الثقيلة، وكان المقابل تعهداً أمريكياً و فرنسياً بحماية المدنيين في المخيمات،
وبعد أسابيع قليلة كانت مجزرة صبرا وشاتيلا راح ضحيتها أكثر من ”3000 ضحية“ من اللاجئين الفلسطينين.

بيروت هنا أعطتنا الدرس العملي الأول: الضمانة التي لا تحرسها قوة على الأرض هي عبارة عن سلاح الضعيف الذي لا يملك غيره.

ونزع سلاح المقاومة قبل قيام الكيان السياسي الحامي لها هو تفكيك للمشروع من الداخل.

▪️ الطائف 1989: تجربة التفكيك الشامل.

أنتهت الحرب الأهلية اللبنانية وفق ميثاق الطائف ببند مركزي ينص على حل كل الجماعات المسلحة في البلاد، وأن تسلم سلاحها فوراً للدولة. نفذ البند مع الجميع، وبقي إستثناءٌ واحد وهو سلاح حزب الله اللبناني.
بعد 35 عاماً، هذا الأستثناء هو وحده الذي حفظ البلاد من الإحتلال الإسرائيلي وبقي كورقة توازن إقليمي ذو قيمة كبيرة.
 
الطائف لم يبنِ دولة قوية ولم يثبت قاعدة إستراتيجية معينة، فقط من أحتفظ بورقة القوة أحتفظ بورقة الحماية، ومن سلّمها أصبح  قطعة أثرية في متحف مقبرة المشاريع.

▪️ سربرنيتسا 1995: جغرافية الخديعة.

في تموز 1995 أعلنت الأمم المتحدة مدينة سبرنيتسا منطقة آمنة، بشرط نزع السلاح لمسلمي البوسنة، وبالمقابل هناك 400 جندي هولندي وغطاء جوي قادمين لحفظ الأمن فيها، وجاء الصرب، وخلال عشرة أيام فقط سقط ”8000 قتيل“ من المسلمين أمام أعين قوات حفظ السلام الأممية.

من يومها أصبحت المدينة مصطلحاً أستخبارياً لوصف عمليات الفراغ الأمني والأبادة الجماعية.

▪️ بغداد 2003 :  الأنهيار المنظم.

بقرارٍ إداري واحد من بول بريمر الحاكم المدني في العراق تم حل الجيش العراقي وتسريح أربعمئة ألف مقاتل بمبررات بناء جيشٍ وطني جديد.

النتيجة كان هذا الأجراء هو تفكيك للدولة العراقية، وفراغ أمني هائل ملأته القاعدة ثم داعش، وتحول الضباط المسرحون إلى نواة  للتمرد.

بغداد هنا علمتنا أن تفكيك المؤسسة العسكرية قبل بناء البديل المكافئ لها هو تفكيكٌ للسيادة ذاتها، وهو أخطر من الاحتلال بكثير.

▪️ طرابلس 2003: متلازمة التنازل الإستراتيجي.

سلمت ليبيا برنامجها النووي والصاروخي بالكامل لأعدائها، مقابل رفع العقوبات عنها والعودة إلى المجتمع الدولي. 
ثماني سنوات فقط وتحولت الضمانات الدولية نفسها  إلى  أدوات للقصفٍ جوي والغزوٍ وإغتيال.

ليبيا هنا أصبحت النموذج الكلاسيكي لمتلازمة التنازل الإستراتيجي، فتوهمت بأنها أشترت بسلاحها الأمان، لكن مثلما نعرف جميعاً بأنها أبتاعت لحظة الضعف التي ينتظرها الخصوم، حتى صارت طرابلس مثلما نراها اليوم.

▪️ معضلة التفكيك الأحادي : الفراغ ثلاثي الأبعاد.

منذ 2003 لم يكن العراق دولة تبحث عن أحتكار السلاح، لكن كان هناك فراغاً ثلاثي الأبعاد «إحتلال مباشر، وإرهاب عابر للحدود، ودولة وليدة بلا أدوات»
في هذا الفراغ لم تولد قوى المقاومة كخيارٍ إيديولوجي، بل كـ ”وظيفةٍ أمنيةٍ اضطرارية” سدت ثغرة الردع المفقود.

في المرحلة الأولى من 2003 إلى 2011، لم تطرد المقاومة الأميركان بالبندقية، لكنها جعلت كلفة بقائهم  باهظة للغاية، فكان إتفاق الإنسحاب عام 2008، نتيجة لتعرضهم لإنهاكٍ إستراتيجي مستمر.

وفي المرحلة الثانية من 2014  إلى 2017، تحولت قوى المقاومة إلى جدار طوارئ وجودي، بعد إجتياح داعش العراق، ولولا الحشد الشعبي لما بقيت بغداد ولما بقي عراق نتفاوض على مستقبله اليوم.

وفي المرحلة الثالثة من 2017  إلى 2026، أصبحت وظيفة الحشد الشعبي وفصائل المقاومة ”الردع الأقليمي“ بوجود هذه القوى صار هناك طرف قادر على تعطيل مشاريع الهيمنة الغربية، وبقي للعراق هامش نسبي من السيادة.

اليوم هناك أصوات تنادي بحل الحشد الشعبي وتجريده من السلاح، وهو منطق الدولة التي تمتلك أجهزة أمنية مسلحة وموازين ردع ثابته، لكن الإشكال في سياق المعالجة الجذرية للهيمنة الأميركية، ونعني هنا خروج قواتها وإلغاء الاتفاقيات الأمنية معها واستعادة السيطرة على الأجواء العراقية، وما لم يحدث هذا، فإن أي حديث عن تسليم السلاح الآن هو تفكيك أحادي الجانب، يعيد سيناريو 2003 فلا يمكن لعاقل أن ينزع درعة قبل أن يأمن سيف عدوه.

فالأداة ياسادة لا تكسر قبل أن تبني أداة أقوى منها.

▪️ الخلاصة: معادلة السيادة المؤجلة.

إذا جمعنا كل المحطات أعلاه سنخرج بقانونٍ واحد لا يتبدل وهو : لا توجد دولة بالعالم تُبنى بالتجريد، بل تُبنى بخاصية الأستعاضة والأستبدال.

علمآ بأن السلاح ليس مقدس، لكن المسافة الزمنية بين لحظة تسليمة ولحظة إكتمال البديل هي لحظة الموت، ما لم تقدم ضمانات وجودية، مثل جيش مسلح تسليح متقدم، وأستخبارات سيادية قوية، واقتصاد غير مرتهن للأجنبي، وخروج فعلي للمحتل، عدا ذلك فأن “حصر السلاح” هو إعادة إنتاجٍ لـ جغرافية الخديعة المتكررة عبر التاريخ، عندها ستكون المحطة التالية في هذا الزمن الأغبر، هي نحن.

وبكيف الله.