كواليس أسرار صفقة واشنطن: مصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل يسلم خوارزميات البيانات الرقمية لتهريب الدولار وغسيل الأموال لوزارة الخزانة الأمريكية مقابل ثمن حريته المالية؟

منظمة عراقيون ضد الفساد

بغداد / المنطقة الخضراء / مكاتب الأمانة العامة لمجلس الوزراء …

الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب مع أدارة البيت الأبيض والمحطة الأبرز لهذه الزيارة مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، وشهدت الإعلان الرسمي عن رعاية اتفاق البنك المركزي العراقي والخزانة الأمريكية على رفع الحظر عن 7 مصارف عراقية وإعادتها للعمل ضمن نظام الحوالات والمراسلة المصرفية الخارجية بالدولار، وكان في مقدمة هذه المصارف “مصرف الجنوب الإسلامي”(1) والمصرف مملوك بشكل مباشر لعائلة الزيدي، حيث تعود ملكيته المسجلة إلى ابن عمه (أو شقيقه بحسب التقارير النيابية) النائب ضياء الزيدي، وتديره العائلة كجزء من ذراعها المالي والتجاري والاستثماري في العراق وشغل رئيس الوزراء علي الزيدي سابقاً منصب رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي والمدير التنفيذي له لفترة طويلة قبل تفرغه للعمل السياسي والتكليف الحكومي وقبلها تم تقييد ومنع مصرف الجنوب الإسلامي من التعامل بالدولار الأمريكي (الحرمان من دخول نافذة بيع العملة) في شباط 2024 بقرار من البنك المركزي العراقي بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية (2) جاء هذا الإجراء لعدة أسباب رئيسية أعلنتها السلطات الأمريكية في حملتها على بعض المصارف العراقية ومنها :

(*) منع تهريب الدولار: الاشتباه في تسهيل تحويل وتدفق العملة الأمريكية (الدولار) بطرق غير مشروعة إلى دول خاضعة للعقوبات الدولية، وتحديداً إيران .

(*) شبهات غسل الأموال: رصد ثغرات في امتثال المصرف لمعايير مكافحة غسل الأموال وحركة الأموال مجهولة المصدر

(*) تمويل جهات محظورة: وجود ملاحقات وشبهات تتعلق باستغلال الحسابات المصرفية لتمويل فصائل وجماعات إقليمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والمدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية.

(*) الاحتيال المالي: ضعف تدقيق الحوالات الخارجية وعدم الالتزام بنظام المنصة الإلكترونية الصارم الذي يفرضه الفيدرالي الأمريكي لتتبع حركة العملة.

في الوقت الذي احتفلت فيه الأوساط الحكومية في بغداد بقرار وزارة الخزانة الأمريكية رفع الحظر عن سبعة مصارف عراقية ووصفته بـ”الإنجاز الفني لنظام الامتثال”، كشف ” للمنظمة ” بعض السادة المسؤولين الأفاضل والذين كانوا قريبين من الحدث عن بعض من خفايا وأسرار كواليس الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء “الزيدي” والوفد المرافق له إلى واشنطن عن أبعاد أخرى تتجاوز التدقيق المحاسبي التقليدي. وتتجه المؤشرات نحو معلومات تداولتها أوساط سياسية ورقابية خلف الأبواب المغلقة عن خضوع ملف رفع العقوبات لـ”مقايضة معلوماتية” عالية المستوى؟ عن التزامن المريب وعقدة “المصرف العائلي” فلم يكن “مصرف الجنوب الإسلامي” مصرفاً عادياً في قائمة العقوبات الفيدرالية الأمريكية الصادرة في شباط 2024. فالمصرف يمثل الركيزة المالية للشبكة الاقتصادية لعائلة رئيس الوزراء الحالي، وعلي الزيدي نفسه شغل منصب رئيس مجلس إدارته لسنوات قبل صعوده السياسي.واللافت للانتباه هو السرعة الزمنية؛ إذ بقي المصرف محرومًا من دخول نافذة بيع العملة لأكثر من عامين بسبب مؤشرات حمراء تتعلق بـ”مخاطر السمعة المصرفية” وتسهيل تدفقات مالية مشبوهة. ولكن وبمجرد اختتام الزيارة الرسمية للزيدي إلى واشنطن واجتماعه بمسؤولي الخزانة الأمريكية، جاء قرار رفع الحظر الفوري. وهذا التزامن يطرح تساؤلاً جوهرياً في عرف الصحافة الاستقصائية : ” ما الذي تغير في الموقف الأمريكي الصارم بين ليلة وضحاها؟” حيث تبين لنا ومن خلال المعلومات التي حصلت عليها ” المنظمة” بأن أسرار “الصندوق الأسود” وشبكات الحوالات الموازية ومن طبيعة البيانات التي يُعتقد أنها كانت محور النقاش. وتشير مصادر مطلعة ومقاطعة للمعطيات المالية إلى أن الانفراجة لم تأتِ فقط نتيجة لإجراءات تقنية، بل ارتبطت بتقديم “خارطة طريق معلوماتية” أو ما يُعرف بالصندوق الأسود ” وبعد تسليم الداتا كاملة لحركة الأموال بين عامي 2017 و2024

وفقاً لهذه المعطيات، فإن البيانات المصرفية التي جرى تسليمها لوزارة الخزانة الامريكية شملت:

  1. مسارات التدفق المالي الموازي: كشوفات وحوالات المالية ومن خلال “الدلتا” التفصيلية التي توضح كيفية خروج العملة الصعبة لصالح جهات حزبية وفصائل ولائية عقائدية عابرة للحدود مرتبطة بقوى إقليمية.
  2. شركات الصيرفة والواجهة (Shell Companies): ومن خلال سجلات الحسابات المصرفية التي استُخدمت كغطاء لعمليات غسل الأموال لصالح قيادات حركية وحزبية نافذة في الحكم .
  3. ثغرات المنصة الإلكترونية: تقارير مصرفية داخلية تكشف بوضوح خطة آليات الالتفاف على نظام التدقيق الفيدرالي الأمريكي التي كانت متبعة قبل إغلاق المنافذ .

وتشير القراءة المعمقة للمشهد إلى استخدام ذكي للأدوات المؤسسية كغطاء قانوني. فدخول شركات التحقيق المالي الدولية المستقلة مثل (K2 Integrity) على خط التدقيق، وفر الإطار الشرعي لنقل وتداول هذه البيانات الحساسة. وتحت لافتة “تطهير السجلات وبناء أنظمة الامتثال ومعايير اعرف عميلك (KYC)”، جرى تفكيك وفحص مئات الحوالات السابقة. هذا الإجراء مكّن الجانب الأمريكي من الحصول على الهياكل الكاملة لشبكات التهريب الدولار وغسيل الأموال ، مقابل منح المصرف صك الغفران والعودة إلى قنوات المراسلة الدولية ونظام الحوالات العالمي.

إن جوهر العقدة البنيوية للنظام السياسي والمالي في العراق، ينتج عن واقع “الفساد الهيكلي المحمي بالسلاح” وتاريخياً، في بيئات الفساد المعقدة، غالباً ما تلجأ الحكومات الناشئة إلى ما يُعرف بـ “الحملات الاستعراضية” أو “استهداف صغار وكبار الموظفين التنفيذيين” (مثل وكلاء وزراء أو مدراء عامين، رؤساء أقسام، أو موظفي لجان المشتريات) والهدف السياسي لهذا يندرج من خلال إعطاء انطباع للرأي العام المحلي وللمجتمع الدولي (خاصة الخزانة الأمريكية) بأن هناك “حملة حقيقية” للإصلاح ولكن على ارض الواقع هناك حقيقية بان هؤلاء الموظفون غالباً ما يكونون مجرد “أدوات تنفيذية” أو “أكباش فداء”، بينما تظل الحيتان الكبيرة (القيادات الحزبية وفصائل الظل المسلحة) بعيدة عن المحاسبة أما بالنسبة إلى القضاء وهيئة النزاهة، وعلى الرغم من وجود قضاة ونزهاء يحاولون العمل، يصطدمون بـ “الخطوط الحمر” لان أي محاولة لاقتراب أي قوة قانونية من بوابات القصور في “المنطقة الخضراء” أو مقار قيادات الفصائل الولائية المسلحة يعني صداماً مباشراً مع أجنحة عسكرية تمتلك ترسانة تسليحية تضاهي أو تفوق أحياناً قدرات بعض الأجهزة الأمنية الرسمية وحتى الجيش . لذلك، يتم تجنب هذه المواجهة تحت لافتة “الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الاستراتيجي” فان كان رئيس الوزراء علي الزيدي عاجزاً داخلياً عن مواجهة رؤساء قيادات الأحزاب الحاكمة وقادة الفصائل بالسلاح أو الاعتقالات (لتجنب الحرب الأهلية)، فإن “المقايضة المالية الاستخباراتية” مع واشنطن قد تكون سلاحه البديل السري وبدلاً من إرسال قوات الأمن لاعتقال قيادي فصيل بتهمة الفساد، يتم تزويد الخزانة الأمريكية بـ “البيانات الرقمية والخوارزميات” التي تجفف منابع تمويله الخارجي بالدولار، مما يضعفه اقتصادياً دون إطلاق رصاصة واحدة في بغداد. لان حملات مثل “صولة الفجر” تظل مجرد مسكنات موجهة للاستهلاك الإعلامي وتخفيف الضغط الشعبي والدولي، طالما أن “منظومة الحصانة المتبادلة” بين الحيتان الكبيرة لم تُمس. التغيير في العراق لا يحدث بـ”صولة” على صغار الموظفين، بل بتغيير القواعد المالية التي تتغذى عليها عروش الفساد المحمية بالسلاح.

الأيام القادمة وحجم الاستقرار – أو الارتباك – في سوق العملة الصعبة وشبكات تمويل الظل، هما من سيحدد ما إذا كانت واشنطن قد استلمت أسرار التدفق المالي العراقي ثمنًا لإعادة تأهيل “مصرف الجنوب”.

(1)

https://www.jib.iq/ar

(2)

https://www.misbar.com/qna/2024/08/29/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%B8%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82