«حكايات من الطور الأسفل» لرياض سعد: نحو كتابة سردية جديدة للإنسان العراقي

دراسة نقدية في البنية الفكرية والجمالية للمجموعة القصصية

أمير الشذر

# تمهيد

تشهد القصة العراقية في العقود الأخيرة تحولات عميقة، فرضتها التحولات السياسية والاجتماعية والنفسية التي عصفت بالعراق منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم.. فبعد أن كانت القصة العراقية تنشغل بالواقعية الاجتماعية أو الرمزية السياسية، برز اتجاه جديد يحاول الجمع بين الواقعي والنفسي والفلسفي في آن واحد، بحيث لم يعد الحدث هو مركز السرد، بل الإنسان بوصفه كائناً مأزوماً يعيش انهيار العالم من داخله.

ضمن هذا السياق تأتي المجموعة القصصية الثانية للكاتب رياض سعد ، «حكايات من الطور الأسفل» ، بوصفها محاولة جادة لإعادة بناء السرد العراقي من زاوية مختلفة؛ زاوية المهمشين والمنسيين والضحايا الذين لم يكتب التاريخ أسماءهم، لكن الأدب احتفظ بأصواتهم. فالكاتب لا يروي تاريخ العراق الرسمي، بل يكتب التاريخ الوجداني للعراقيين، ذلك التاريخ الذي لا تحفظه الوثائق، وإنما تحفظه الذاكرة الإنسانية.

# الطور الأسفل… استعارة للإنسان لا للمكان

منذ العنوان يضع الكاتب قارئه أمام استعارة كبيرة.

فالطور الأسفل ليس حيّاً شعبياً، ولا طبقة اجتماعية بعينها، وإنما هو الحالة الوجودية التي يصل إليها الإنسان عندما يصبح مهمشاً داخل وطنه، وغريباً داخل ذاكرته، ومهدداً داخل بيته.

إنه القاع الذي ينتهي إليه الإنسان بعد أن تسقط عنه الأيديولوجيات والشعارات والهويات الكبرى، فلا يبقى أمامه سوى خوفه وألمه وحكايته.

وهذا ما يجعل العنوان واحداً من أنجح العناوين في القصة العراقية الحديثة، لأنه لا يصف مكاناً، بل يؤسس رؤية فلسفية للمجموعة بأكملها.

# الواقعية الوجودية… لا الواقعية التسجيلية

لا يكتب رياض سعد التاريخ بوصفه مؤرخاً، ولا يسجل الأحداث بوصفه صحفياً.

إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ “الواقعية الوجودية”.

فالحدث السياسي عنده ليس غاية، بل وسيلة للكشف عن التشققات النفسية التي تصيب الإنسان.

ولهذا لا نجد اهتماماً كبيراً بوصف المعارك أو الأنظمة أو القوى السياسية، بقدر ما نجد اهتماماً بتلك اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى جزء من شخصية الإنسان، أو يصبح الفقدان أسلوباً للحياة.

ولهذا السبب تبدو قصص المجموعة وكأنها تدور داخل النفس أكثر مما تدور في الشوارع.

# الشخصية… ضحية التاريخ لا بطله

في الأدب التقليدي يكون البطل هو من يصنع الحدث.

أما في هذه المجموعة فإن الشخصيات تُصنع بواسطة الحدث.

خير الله، وأم علي، وكاظم، وحمدي، وسائر شخصيات المجموعة، لا يملكون القدرة على تغيير العالم، وإنما يحاولون فقط أن يحافظوا على ما تبقى من إنسانيتهم.

وهذه رؤية حديثة للشخصية القصصية، تجعل الإنسان ضحية للبنى الاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بطلاً خارقاً يتجاوزها.

إن الكاتب يكتب الإنسان العراقي كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.

ولهذا تبدو شخصياته صادقة إلى حد بعيد.

# الذاكرة بوصفها بطلاً خفياً

من السمات اللافتة في المجموعة أن الذاكرة تتحول إلى الشخصية الأكثر حضوراً.

فالماضي لا ينتهي بانتهاء الحدث.

بل يستمر في تشكيل الحاضر.

ولهذا فإن معظم الشخصيات لا تعيش زمنها الحقيقي، وإنما تعيش داخل ذاكرتها.

إنها شخصيات مطاردة بالماضي، وليس بالمستقبل.

وهذا ما يجعل السرد مشبعاً بالإحساس بالفقد والحنين والندم والخوف.

# بين القصة والرواية

رغم أن النصوص تنتمي إلى القصة القصيرة والمتوسطة، إلا أنها تحمل نفساً روائياً واضحاً.

فالكاتب يمنح شخصياته تاريخاً نفسياً واجتماعياً طويلاً.

ويهتم بخلفياتها الفكرية.

ويمنح المكان حضوره المستقل.

ويجعل الزمن يمتد عبر عقود.

وهذا ما يجعل بعض القصص أقرب إلى الروايات المكثفة منها إلى القصة التقليدية.

إنها كتابة تتجاوز مفهوم “اللحظة القصصية” إلى مفهوم “العالم القصصي”.

# اللغة… شاعرية لا تغادر الواقع

لغة رياض سعد ليست لغة تقريرية.

كما أنها ليست لغة شعرية متكلفة.

إنها لغة تمتلك إيقاعاً داخلياً هادئاً.

فالصور البلاغية لا تأتي بغرض الزخرفة، وإنما بوصفها امتداداً للحالة النفسية.

ومن يقرأ هذه المجموعة يلاحظ كثافة الاستعارات المتعلقة بالظل، والمرآة، والطيف، والباب، والمقبرة، والطريق، والذاكرة.

وهذه ليست مصادفات لغوية، بل منظومة رمزية متكاملة تعكس رؤية الكاتب للعالم.

# الإنسان قبل السياسة

من أهم مزايا هذه المجموعة أنها لا تقع في فخ الأدب الدعائي.

فعلى الرغم من حضور القمع، والحروب، والطائفية، والسجون، والانهيارات الاجتماعية، فإن الكاتب لا يحول قصصه إلى خطابات سياسية.

إنه ينحاز دائماً إلى الإنسان.

فالسياسة عنده خلفية.

أما الإنسان فهو المتن.

ولهذا تبقى القصص قابلة للقراءة حتى بعد تغير الظروف السياسية، لأنها تتناول ما هو أبقى من السياسة: الخوف، والحب، والفقد، والذاكرة، والبحث عن المعنى.

# حضور الفلسفة

ما يميز هذه المجموعة عن كثير من المجموعات القصصية العراقية هو حضور الأسئلة الفلسفية.

فالكاتب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحاول تفسيره.

ولهذا نجد أسئلة عن الحرية، والنجاة، والروح، والهوية، والإيمان، والموت، والوعي، والزمن.

لكن هذه الأسئلة لا تأتي في شكل محاضرات فكرية، وإنما تنبثق من التجربة الإنسانية نفسها.

وهذا يمنح النصوص عمقاً معرفياً يندر وجوده في القصة العربية المعاصرة.

# مقارنة مع تجارب عراقية أخرى

إذا كان **فؤاد التكرلي** قد كتب الإنسان العراقي من داخل التحولات الاجتماعية، وإذا كان **محمد خضير** قد جعل المكان بطلاً للسرد، وإذا كان **غائب طعمة فرمان** قد انشغل بالبنية الطبقية للمجتمع، فإن رياض سعد يضيف بعداً جديداً يتمثل في تحليل البنية النفسية والوجودية للعراقي بعد نصف قرن من الحروب والاستبداد والانقسامات.

إنه لا يكتب المدينة وحدها.

ولا يكتب السياسة وحدها.

ولا يكتب الذاكرة وحدها.

بل يكتب العلاقة المعقدة بين هذه العناصر جميعاً.

# ملاحظات نقدية

ولا تكتمل القراءة النقدية من دون الإشارة إلى بعض الملاحظات.

فبعض القصص تميل إلى الإطالة في الحوار الفلسفي، بما يجعل الإيقاع السردي يتباطأ أحياناً.

كما أن بعض الشخصيات تتحدث بلغة فكرية واحدة، الأمر الذي يقلل من تمايز أصواتها السردية.

وفي بعض المواضع يقترب الكاتب من كتابة المقالة الفكرية أكثر من اقترابه من الاقتصاد الفني الذي تتطلبه القصة القصيرة.

غير أن هذه الملاحظات لا تقلل من القيمة الفنية للمجموعة، لأنها ناتجة عن طموح واضح لتوسيع حدود القصة القصيرة وجعلها وعاءً للفكر، لا للحكاية فقط.

# خاتمة

تمثل «حكايات من الطور الأسفل» مرحلة متقدمة في المشروع السردي لرياض سعد، وتكشف عن كاتب يمتلك رؤية فكرية واضحة، وخبرة متنامية في بناء الشخصية، وقدرة على تحويل التجربة العراقية إلى أدب إنساني يتجاوز حدود الزمان والمكان.

إن هذه المجموعة لا تستدر عواطف القارئ، بل تستفز وعيه.

ولا تكتفي برواية المأساة، بل تحاول فهمها.

ولا تمنح أجوبة نهائية، بل تترك خلف كل قصة سؤالاً مفتوحاً.

ومن هنا يمكن القول إن «حكايات من الطور الأسفل» ليست مجرد مجموعة قصصية ناجحة، بل هي وثيقة أدبية وفكرية عن الإنسان العراقي في أكثر لحظاته هشاشة، وهي عمل يرسخ اسم رياض سعد بوصفه واحداً من الأصوات السردية العراقية التي تسعى إلى بناء مشروع أدبي متكامل، يقوم على مزج الجمال الفني بالتحليل النفسي والرؤية الفلسفية، ويؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يصف الواقع فحسب، بل يكشف طبقاته الخفية، ويمنح المنسيين مكانهم في الذاكرة الإنسانية.