لماذا في الأنظمة الأيديولوجية يكون للجهلاء حظوظ كبيرة في تسنم المناصب الرفيعة

لماذا في الأنظمة الأيديولوجية يكون للجهلاء حظوظ كبيرة في تسنم المناصب الرفيعة ؟
كامل سلمان
هذه الظاهرة تتكرر في الأنظمة العقائدية بشكل ملفت للنظر والسبب أن الأنظمة العقائدية تحتاج إلى المؤمنين بأفكارها ومبادئها ليكونوا قادة ومسؤولين ولهم الاستعداد للتضحية من أجلها بغض النظر عن تحصيلهم العلمي أو مستواهم الثقافي وهذا الشرط لا يتوفر إلا بالجهلاء ، والجهلاء أيضاً لهم القدرة على مضايقة الناس ومراقبتهم وتخويفهم وتثبيت كيان النظام لأن المثقفين العقلاء هم أناس طيبون يحترمون الناس وعلى استعداد لخدمة بلدانهم والتضحية من أجلها لا من أجل المعتقدات . المثقف العاقل بطبيعته إنسان مسالم لأن الثقافة والعلم لا تجتمع مع العدوانية والعنف فهذا المثقف إنسان متعلم والتعلم هو نتاج إنساني عقلي ، أما إذا وجدنا بعض المثقفين ضمن صفوف المسؤولية في النظام العقائدي فهؤلاء حتماً لا يقومون بأية أفعال ترتبط بالأيديولوجية وجل همهم أن يكونوا مهنيين لخدمة بلدهم ولم يكن خيارهم أن يتسنموا المسؤولية وإنما أجُبروا عليها بعد أن يشعر النظام السياسي الأيديولوجي بالحاجة لمثل هؤلاء الناس لتغطية حالات الفشل المؤكدة في عمل الدولة . مثلاً نلاحظ المسؤوليات العسكرية والعلمية والمسؤوليات السياسية الخارجية للبلد والسلك الدبلوماسي والسياسة الاقتصادية دائماً تقودها كوادر متمكنة علمياً ومهنياً يؤتون بهم من خارج المنظومة العقائدية وهؤلاء الناس ولاءهم وطني خالص لا يتورطون بأعمال عقائدية ، حتى أن بعضهم رغم المناصب الرفيعة التي يتسنمونها فأنهم يخشون من موظفين عقائديين يعملون تحت أمرتهم . كلما أزداد النظام العقائدي عنفاً ودموية كلما أزداد عدد الجهلاء في المناصب الحساسة وقل عدد المهنيين في تلك المناصب لأن النظام يزداد خوفاً من المؤامرات فيضطر إلى مضاعفة الأجهزة الأمنية والمليشيات الشعبية والرقابة المقيتة وقد لاحظنا تكرار ذلك في جميع الأنظمة العقائدية ولجميع الدول ، والأكثر من ذلك فأن المواطن غير الموالي للنظام أو الزائر الأجنبي يتحسس ذلك بوضوح بينما في الدول غير العقائدية لا يشعر المواطن ولا الزائر الأجنبي بحبس الأنفاس ولا يتحسس بأية مضايقات . القصة كلها تتمحور حول بقاء النظام العقائدي في السلطة حتى تحقيق الأهداف المرسومة في أيديولوجية الحزب الحاكم الذي غالباً ما تكون أهدافه خيالية وغير واقعية تستوجب الحروب والعدوان . النتيجة الحتمية لطول بقاء النظام الأيديولوجي في الحكم هي استمرارية تخلف البلد وسلسلة الحروب المدمرة وإنتشار الفساد والفقر وقلة الخدمات وتفكك البنية المجتمعية بأنتظار اللحظة التي ينهار فيه النظام برمته . لو قمنا بتحليل ودراسة الأسباب الجذرية لسقوط الأنظمة العقائدية وكيفية سقوطها سنجد على رأس الأسباب هو كثرة الجهلاء في المناصب الرفيعة للدولة ، فوجود مثل هؤلاء الجهلاء في قيادة أجهزة الدولة تؤدي إلى تآكل هيكلية الدولة كمثل ( دابة الأرض تأكل منسأته ) . وأخيراً لسوء حظ الشعوب التي تبتلى بأنظمة عقائدية وسلطة الجهلاء أن تدفع فاتورة السكوت خاصة إذا كانت تلك الشعوب تعيش على أراض ملئها الخيرات والثروات فأن ألمها وغصتها ستكون عظيمة وستكون شهقات أنفاسها مصحوبة بالألم والحسرة .