أنا أفكر إذاً أنا مبتلى
كامل سلمان
المقولة الشهيرة التي أطلقها الفيلسوف الفرنسي ديكارت
( أنا أفكر إذاً أنا موجود ) كانت الأساس لتحرير الفكر والعقل الإنساني من كل الطروحات غير المقبولة عقلياً وهي عنوان الفلسفة الحديثة التي كانت البذرة في تغيير موازيين الأفكار وأنتجت الإنسان العصري الذي بدوره بدّل وجه الحياة ، لكن عندما إنتقلت هذه الفلسفة إلى مجتمعاتنا لم تثمر وأعطت نتائج عكسية فقد أصبح من يفكر في مجتمعاتنا فهو مبتلى بتمرده على المجتمع ، لأنك إذا كنت تفكر ستصل إلى نتيجة مفادها أنك كنت طوال تأريخك مغفل مخدوع بأفكار لا تليق بالعقل فتضطر أن تعلن نتاجات تفكيرك الى الناس ومن هنا تبدأ الورطة وتبعات هذه الورطة ، تبدأ دوامة التحديات التي ستسلب منك راحة البال ، هذا الإنسان الذي تورط في تشغيل عقله لتطبيق فلسفة ( أنا أفكر إذاً أنا موجود ) سيعمل بأقصى جهد على تشغيل عقله من جديد للتخلص من المشاكل التي ستحيط به وقد تطيح به لأنه وقع في المحظور حين تجرأ أن يفكر في عقله وسط مجتمع ممنوع فيه التفكير ، حتى في مواقع التواصل والصحف عندما تطرح افكارك التي لا تتماشى مع نمط الحياة السائدة تتعرض للإزدراء والتنكيل . هذه الحقيقة جعلت مثقفينا ومفكرينا خائفين مذعورين مختبئين أو مشردين في ديار الغربة لأن التفكير الوحيد المسموح لهم هو التفكير الذي يخدم ما تركه لنا السلف الصالح . المجتمعات التي أعطت حرية التفكير لأبنائها حصدت نتاج هذه الحرية وتطورت وتقدمت ولم تعد عجلتها تتوقف بل تزداد سرعة نحو المعالي كل يوم . المشكلة إنه إذا أنت لم تفكر فما فرقك عن الدواب فأما أن تعيش إنساناً بعقله منبوذاً بوجوده أو أن تعيش حياة الدواب ، تعيش بين خيارين مريبين إنساناً يبحث عن ملاذ آمن أو يكون دابة بلا تفكير ، طبعاً الإنسان الحر يأبى أن يعيش حياة الدواب والإنسان العبد يرضى حتى دون حياة الدواب . لا توجد طريقة لمنع الإنسان عن التفكير ومحاربة تطلعاته نحو المستقبل كبشر إلا طريقة واحدة وهي الطريقة المعمولة بها في جميع الأزمنة بالنسبة لمجتمعاتنا ( طريقة التخويف والمطاردة ) فمتى ما كان الإنسان يخاف من طرح أفكاره فأعلم بأنه يعيش في مجتمع ممنوع فيه التفكير لأن أصل التفكير هو التحرر من الأفكار المفروضة سواءً في البيت أو المجتمع أو الدولة . لماذا أفكر ؟ أنا أحتاج أن أفكر عندما أجد نفسي والمجتمع معي في وضع سيء مع العلم أننا نمتلك الأدوات والسبل لنكون في حال أفضل ، فإذا منعنا أنفسنا أو مُنعنا من التفكير سنظل نعيش السوء ولن يتغير حالنا ، فالفكر الذي لا ينتج واقعاً أفضل فهو فكر لا يصلح أن يقود الحياة ، وقد أثبتت التجارب بأن التفكير الصحيح هو التخلص أولاً من الفكر القائم الذي خلق حالة السوء في المجتمع بمعنى أنك ستواجه الفكر القائم الذي له أنصار وسلطة ومن هنا تبدأ الكارثة لأن أنصار الفكر القديم دائماً يمتازون بالقسوة والدموية خاصة إذا كان الفكر القائم له أساس ديني أو مدعوم من السلطة الدينية ستجد نفسك في خانة الكفر والزندقة . من أكبر العيوب التي أبتلي به مثقفو مجتمعاتنا هو نقد الظواهر السلبية وليس نقد الفكر الذي أوجد هذه الظواهر السلبية فمثلاً عندما ينتقد المثقف ظاهرة الفساد في الدولة فهو قد شخّص الداء لكنه تغاضى النظر عن مصدر الداء وهذا هو الأصل فهو دليل قصور الإدراك لأن مصدر الداء هم مجاميع من الناس تقودهم أفكار فيها كل البلاء . أحياناً أتساءل لماذا الأفكار الرائعة تقف أمامها مصدات كبيرة لتعرقل وصولها إلى عقول الناس بينما الأفكار العقيمة تجد لها مسالك سلسة كثيرة دون عراقيل للوصول إلى عقول الناس ؟ لكن سرعان ما يكون الجواب حاضراً وهو بسبب ثلاثية ( الخوف ، الجهل ، الضعف ) وهذه الثلاثية لم تفارق مجتمعاتنا منذ مئات السنين ( الخوف من السلطة والخوف من المجتمع والخوف الذاتي ، أما الجهل فهو بيت المصائب والويلات ، لكن الضعف المادي والضعف الاجتماعي فهو طابع لاصق في جبين الغالبية لذلك تبقى الحلول بعيدة المنال . ما يعيب مجتمعاتنا هو أن الناس تفكر كباقي البشر لكنها تفكر بعقول غيرها وهذه هي الطامة الكبرى التي قتلت مجتمعاتنا .
أنا أفكر إذاً أنا مبتلى